الشباب عصب المجتمع وقوة التغيير والمجتمعات تتغير بقرارات جيلها من الشباب وقدرته على هضم الثقافة وإعادة انتاجها سلوكا معبرا. وغالبا ما نوجه اللوم الى الشباب لانشغالهم عن قضايا بيئية وتربوية وصحية، لصالح أمور أخرى تتقاطع غالبا مع الحماسة لأنماط الحياة الترفيهية. لكن الشباب يدافع عن نفسه ولديه حجته.

» الحواس الخمس« ينشر سلسلة من 5 حلقات عن وعي الشباب بقضايا بيئية وتربوية وصحية ، واليوم ثقافة التعامل مع مرض السكري.كثيرة هي القصص التي تتحدث عن صعوبات الحياة مع المرض، وأكثر منها القصص المتعلقة بالأشخاص الذين يعايشون المرضى، الذين كتبت عليهم الأقدار أن يتذوقوا بشكل غير مباشر من هذا الكأس الذي لا يعرف مرارته إلا من تجرع منه® ولعل من أكثر الأمراض شيوعاً في الدولة، والتي يرتشف من كأسها المرضى وذووهم والأقرباء من دائرتهم، مرض السكري، الذي لم يكن موجوداً بهذه الصورة من قبل، ولكن خلفته حياة الترف والرخاوة والأنماط الغذائية التي لا تذر شيئاً إلا أتت عليه من الحلو أو الحامض.

القاتل الصامتتقول صالحة بوكتارة، المواطنة الإماراتية التي تعمل في إحدى المؤسسات التعليمية في دبي، :»مرض السكري هو القاتل الصامت ، حيث يُؤتي على جسد المريض من دون مقدمات، ويُدخل أسرة المريض كلها في دوامة من التغيير في مختلف مجالات الحياة، فقد أصيب كل من والديَ بمرض القدم السكري، والذي أدى إلى إصابتهما بغرغرينا في القدم ما اضطرهما إلى إجراء عملية جراحية وفقد جزء من جسديهما«.

التحدي الأول الذي واجهنا هو إصابة والدي بهذا المرض، وقد حدث كل شيء بشكل فجائي وبسرعة كبيرة، وكنا في حالة من عدم الوعي، ولا نعرف ماذا يحدث، وقد قرر الأطباء في الدولة إجراء عملية جراحية له لإنقاذ قدمه إلا أنهم فشلوا ما أدى إلى فقد والدي قدمه الأولى، وخسر الثانية حينما كان في ألمانيا للتعافي من عمليته الجراحية الأولى.

وكان الأمر بمثابة تحد كبير لنا جميعاً كأسرة ولوالدي بشكل خاص. وقد استغرق الأمر منا عامين نحاول دعمه في التغلب على هذه الظروف وتهيئته نفسياً، وهذا الأمر كان صعباً للغاية على الجميع.

أما التحدي الثاني فكان عندما أصيبت أمي بالمرض وفقدت إحدى قدميها، والذي كان وقعه علينا وعليها أكثر وطأةً وصعوبة كونها سيدة وقد أصبحت مقعدة، وقد بذلنا جهودنا لدعمها في هذه المحنة وجعلها قادرة على قبول هذا الوضع الجديد عبر إدخالها في جلسات للعلاج النفسي والطبيعي حتى تتمكن من المشي مرة أخرى.

كما كنا دائماً نقدم لها الزهور، ونحاول تعريفها على مرضى آخرين مروا بنفس ظروفها حتى يتشاركوا تجاربهم سوياً، إلى جانب أخذها لزيارة أماكن جديدة مختلفة والتحدث مع ناس جدد، والتحدث معها باستمرار وإعطائها الأمل على المتابعة والاستمرار.

وتضيف صالحة : كان دورنا الرئيسي كأسرة، ألا نظهر لهما أن هناك شيئاً قد تغير، وأن نستمر في إبداء الاحترام لهما، وحتى الآن يحظيان بنفس المستوى من التبجيل والاحترام باعتبارهما والدينا. فنحن لا نظهر لهما على الإطلاق أننا قد نكون مستائين أو متعبين بسببهما ونظل محافظين باستمرار على ابتسامتنا أمامهما مع محاولة دفعهما للضحك قدر الإمكان آملين أن يكون هذا هو العلاج السحري لحالتهما.

سباق بلا نهايةويقول أحمد علي، الموظف الإماراتي، الذي عايش الآثار المدمرة لهذا المرض مع شخص قريب جداً إليه، مرضى السكري كالمشاركين في سباق، عليهم دائماً أن يبقوا متقدمين خطوة على الأقل إذا كانوا يريدون التغلب على خصمهم، فوالدي كان مريضاً مزمناً بالسكري فترة طويلة من عمره.

وكنا نلحظ كيف أن هذا المرض يقضي عليه شيئاً فشيئاً، وقبل وفاته بثلاثة أشهر كانت مستويات السكر لديه في تقلب دائم لدرجة أنه كان يفقد وعيه في كثير من الأحيان خلال نومه، ونحن لم نكن قادرين على التمييز بين ما إذا كان نائماً أو فاقداً للوعي.

وكانت الزيارات المتكررة إلى الطبيب، وما يمثله ذلك من ضغوط على العائلة، رفيقاً دائماً لوالدي مع الإنسولين، ولقد تعلمت عدة دورس من هذه التجربة وخاصة بعد رحيل والدي، أولها إنني قد أتعرض لهذه المخاطر ولو على سبيل الوراثة، لذا فقد قمت بكل ما يلزم لإيقاف السكري عند حده، ثانيها، إنني لا ينبغي أن أقوم بأي شيء قد تكون له مخاطر على صحتي التي هي من الأشياء الثمينة في حياة كل شخص ولا يشعر بها.

وقررت على الفور الابتعاد عن التدخين، واتباع نظام غذائي متوازن، وأداء الكثير من أنشطة اللياقة البدنية في الهواء الطلق، والابتعاد عن التوتر والضغط قدر الإمكان.

إحصائيات مقلقةووفقاً لتقديرات منظمة الصحة العالمية فإن هناك 582 مليون شخص حول العالم بما يمثل 4, 6% مصابون بمرض السكري في عام 0102، ومن المتوقع أن يصل هذا العدد إلى 834 مليون في عام 0302 لتصل النسبة إلى 8, 7% من إجمالي سكان العالم. وتعتبر المنظمة أن السكري سبب رئيسي للوفاة المبكرة حيث تظهر الإحصائيات أن الأمراض غير المعدية بما فيها السكري تسبب 06% من الاعتلالات الصحية حول العالم.

هذه الإحصائيات تروي قصة مقنعة وكافية لدفع المؤسسات الكبرى مثل مجموعة لاندمارك، للقيام بحملة ضخمة على مستوى ست دول في المنطقة من بينها دولة الإمارات هي حملة »حارب السكري« تقوم من خلالها بتعبئة وتجهيز كافة منافذ البيع التابعة لها لزيادة الوعي حول مرض السكري وخطورته، وسيكون من فعاليات هذه الحملة تنظيم مسيرة في دبي تنطلق من مركز الواحة للتسوق بشارع الشيخ زايد يوم غد الجمعة21 نوفمبر، يتوقع أن يشارك فيها سبعة آلاف شخص.

مضاعفة الجهدومن الذين سيشاركون في المسيرة، هناء عاطف، ربة المنزل المقيمة في دبي، التي تقول: »لدى عائلتنا تاريخ طويل مع مرض السكري سواء من ناحية الأب أو الأم اللذين عانيا طويلاً مع هذا المرض، كما عانيت أنا شخصياُ من انخفاض مستوى السكر وتناولت بعض الأدوية لإبقائه تحت السيطرة.

وظهرت التعقيدات بشكل أكبر عندما بدأت أنا وزوجي في التخطيط لأسرتنا حيث نصحني الطبيب بمحاولة السيطرة على مستوى السكر في الدم لمدة عام كامل قبل الحمل خاصة وأنني من ذوات الوزن الممتلئ وهو الأمر الذي يزيد من أهمية مراعاة مستوى السكر«.

وبالإضافة إلى الدواء الذي يناسب حالتها، اضطرت هنا إلى زيادة الجرعة الرياضية التي تمارسها عبر القيام بتدريبات منتظمة خلال اليوم، فهي تمارس السباحة 54 دقيقة كل خمسة أيام في الأسبوع، كما تذهب لممارسة رياضة المشي كلما تمكنت من ذلك حيث تقول إن هذا الأمر يتطلب بذل المزيد من الجهد خاصة للمولعين بتناول الحلوى، ولكن في الحقيقة فإنه من الأفضل التخلي عن العديد من الاشياء التي يحبها الناس مقابل الابتعاد عن السكري.

عنق الزجاجةولم تكن ياسمين هيدالجو، التي تعمل مديرة للعلاقات العامة والتسويق في إحدى مجموعات الضيافة الكبيرة في الإمارات، الوحيدة التي قدمت تضحيات عندما اكتشفت أنها على شفا الإصابة بالسكري في الآونة الأخيرة، وهو الأمر الذي ربما تكون قد ورثته عن جدتها، حيث قام الطبيب بإرسال إنذار مبكر لها سارعت على الفور بعده إلى التخلي عن الكثير من عاداتها.

وتضيف ياسمين: كنت مغرمة بتناول الحلوى، وكانت تعتبر أفضل ما يمكن أن أحصل عليه، ولم أكن أدري أنها يمكن أن تحول حياتي إلى شيء آخر، ولكنني الآن أقلعت عن تناول الحلوى، وأسعى جاهدة إلى فقدان الوزن الزائد.

وتمثل اللياقة البدنية أولوية كبيرة في حياتي أكثر من أي وقت سبق، كما قمت بوضع نظام غذائي صحي وهو الأمر الذي كان ينبغي أن أقوم به منذ فترة طويلة ، والآن أعتبر نفسي محظوظة إذ اكتشفت احتمالية إصابتي بهذا المرض في الوقت المناسب .

معادلة الانضباط في الحياةلا مجال للاستسلام

وفي الوقت الذي يجد أحمد وصالحة وهناء وياسمين أنفسهم أنهم لا يزالون في مأمن من السكري، فإن شوق أحمد، المواطنة الإماراتية التي قضت السنوات التسع الماضية من عمرها مع الإنسولين، لم يكن لها مثل نصيب وحظ هؤلاء. فقد أصيبت شوق بهذا المرض وهي بعد في العشرين من عمرها.

وتقول شوق، : أصيبت أمي بهذا المرض، وكذلك أختي أصيبت به في الفترة نفسها تقريباً التي أصبت فيها أنا، وأقوم دائمأً بقياس مستوى السكر في دمي، كما ينبغي أن احتاط في طعامي، ولا استطيع أن أغفل عن ممارسة رياضة المشي الصباحية.

وبالرغم من عملي المكتبي فإنني أظل أتحرك وأبذل النشاط كلما سنحت الفرصة، وحتى في المنزل لا أحب الجلوس لمشاهدة التلفاز وإنما أظل أقوم بأداء العديد من الأشياء، حيث أعلم ما يمكن ان يحدث لي إذا استسلمت للراحة والكسل.

معادلة الانضباط في الحياةويؤكد كل من سعيد المعمري، ويوسف راشد حسن، المواطنين من رأس الخيمة، والمصابين بالسكري، أن المحافظة على العلاج، والانضباط في الطعام، وعدم دوام التفكير في الأمر نصائح مهمة ينبغي على جميع مرضى السكري الالتزام بها، حتى يمكنهم التعايش مع هذا المرض.

وشوق وسعيد ويوسف من بين العديد من مواطني ومواطنات دولة الإمارات، الذين وقعوا فريسة لهذا المرض، حيث تشير الأرقام إلى أن نسبة انتشار هذا المرض في الدولة تبلغ 7, 81% وهي بذلك تحتل المرتبة الثانية عالمياً في نسبة الإصابة بالسكري، وهو ما يعد أمرا مفزعا، وشوق وغيرها يدركون تماماً مدى خطورة وضعهم الصحي، ويسعون دائماً إلى تحقيق معادلة الانضباط في حياتهم.

دبي ـ »الحواس الخمس«