يتميز مهرجان الدوحة ترايبكا السينمائي عن غيره من المهرجانات في المنطقة العربية، بأنه يبقى على مدار العام فاعلا، سواء بالتأهيل أو التمويل أو التعليم، فمؤسسة الدوحة للأفلام التي تنظمه وتشرف عليه كأحد أنشطتها، أصبحت نافذة لصناع الأفلام العرب الذين يبحثون عن تمويل لإنتاج أعمالهم.

كما أنها تدرب وتعلم من يرغب في امتهان السينما أو صنع أفلامه، ويأتي المهرجان كواجهة عرض لتكتمل الحلقة.سنتان هما عمر مؤسسة الدوحة للأفلام، ورغم ذلك الوقت القصير استطاعت من خلال قسم التعليم بها والذي يتولى مسؤوليته اسكندر قبطي ـ ترشح فيلمه »عجمي« للحصول على جائزة الأوسكار ال28 ضمن فئة أفضل فيلم أجنبي ـ أن توجد لها موقعا على خريطة صنع الأفلام في إطار تطلعات مستقبلية وطموحات عالمية في هذا المجال.

صناعة الأفلام

استغل قبطي خبرته التي اكتسبها من إخراج فيلم »عجمي« في تنظيم سلسلة من ورش العمل لصناع الأفلام الشباب في قطر، ما أتاح الفرصة أمامهم للتعرف إلى فنيات وتقنيات صناعة الأفلام، ومكنهم من تنفيذ سلسلة من الإعلانات الصغيرة عن نشاطات (التمويل والتمثيل والإنتاج والمونتاج والموسيقى التصويرية) عرضت خلال فعاليات المهرجان، وكانت لافتة لتوجهات مؤسسة الدوحة للأفلام، بخلاف تنفيذ مجموعة من أفلام لا تزيد مدتها على دقيقة واحدة، وكان الحكمان على جودة تلك الأعمال المتميزة روبرت دي نيرو والمخرجة الفلسطينية نجوى نجار.

وفي لقاء ل(الحواس الخمس) مع اسكندر قبطي ـ عضو لجنة اختيار أفلام »الدوحة ترايبكا« ويتولى على عاتقه تواصل المهرجان مع المجتمع ـ أشار قائلا: أنا فخور بالمجهود الذي تبذله مؤسسة الدوحة للأفلام، حيث جعلت من المهرجان منصة للأصوات الجديدة والقصص المستوحاة من المنطقة، ويسعدني أن أستمر في التعاون مع فريق العمل في دعم ورعاية المواهب الجديدة من صناع الأفلام في العالم العربي من خلال البرامج السينمائية التعليمية أو ورش العمل التي تعد فرصة رائعة لكل من يرغب في التعرف إلى مجال السينما في قطر أو الخليج.

مشروع هادف

وحول تواصل المهرجان مع المجتمع، يفند قبطي هذا التوجه قائلا: يظهر ذلك من خلال إعلانات علقت في كل مكان وظاهرة للعيان والتي تشجع المواطنين على المشاركة في المهرجان، وتصدرت صور الممثلين والمخرجين من الضيوف، بأحجام عملاقة وبشكل فني واجهات المباني، وجوانب الطرقات والمراكز التجارية، وهي صور التقطتها ببراعة الفرنسية بريجيت لاكوب ضمن مشروعها الهادف إلى التوثيق بالصورة لوجوه صناع الفيلم ونجومه في العالم العربي.

كما علقت لافتات كبيرة تحمل شعار المهرجان »أنا الفيلم«، أو تتصدرها عبارة »مدينتك معرض لإبداعك«، في محاولة لحث الجميع على اعتبار أنفسهم جزءا أساسيا من المهرجان، ومن مشروع صناعة السينما في قطر التي تعمل الجهات المسؤولة على تمويله، بحثا عن مواهب جديدة يمكنها أن تلمع في فضاء الفن السابع.

خطط التعليم

ويسترسل قبطي عن خططه في مجال دعم صناعة الأفلام وتعليم الشباب من خلال فعاليات المهرجان فيقول: راعينا إلى جانب العروض السينمائية أن تكون هناك جلسات وحوارات شارك فيها اختصاصيون في مجالاتهم، من بينها جلسة: »هل تتكلمون الكوميديا؟«، وأخرى بعنوان: »مستقبل كتابة النص والتوزيع«، إضافة إلى جلسة »الممثلون الجدد: نجوم السينما الصاعدون«، وأخرى بعنوان »التسويق الإبداعي:

التسويق الناجح في العالم الرقمي«، تبحث أساليب التسويق السريع غير التقليدية، وكلها ورشات عمل وحلقات نقاش أثرت المهرجان وتركت بصمات على صناع الأفلام الصغار من خلال تجارب مخرجين واختصاصيين لهم باع طويل في هذا المجال، مثل الندوة الدراسية التي ألقت نظرة على الأعمال السينمائية للمخرج رشيد بو شارب، الذي يعتبر في فرنسا اليوم من أكثر المخرجين المثيرين للجدل، أو ورشة »صناعة السحر في الأفلام« مع مات ايتكين.

وهو صانع المؤثرات الخاصة لروائع الأفلام، مثل »سيد الخواتم« و»كنغ كونغ« و»أفاتار«، و»تين تين«، والذي أطلع الحضور فيها على أسراره في صناعة سحر السينما.

وهناك كذلك مشروع أعلن عنه المهرجان ننفذه على مدار العام وهو ورشة »الدوحة ترايبيكا« لكتابة السيناريوهات والإخراج لصناع الأفلام للناشئين، وخاصة أولئك الطامحين »لسرد الأفلام السينمائية من منظور مغاير للصورة النمطية السائدة«.

فكر ورؤيةما تم عرضه من خطط ومشاريع يحتاج كثيرا من الوقت، يؤكد قبطي ذلك ويعلق قائلا: فيلمي »عجمي« أخذ سبع سنوات حتى يرى النور، وعانيت كثيرا في تمويله، وهذا ما أعلمه وأنقله من خبرة لصناع السينما الشباب، الصبر والاجتهاد على صنع شيء مميز وليس نمطياً، والحمد لله لم يذهب تعبي في الفراغ، فقد حصل الفيلم على جائزة »نظرة خاصة« التي تمنحها لجنة التحكيم الرسمية لمهرجان كان السينمائي، بخلاف 18 جائزة أخرى، وأشاد العديد من النقاد العرب والأجانب بأهميته، فالفيلم هو أسرع وسيلة تصل إلى الجمهور، وأسهل من الكتاب، لأن القراءة تحتاج إلى وقت وتركيز.

وبالتالي لا بد أن يكون هناك فكر ورؤية في ما يقدم بعيدا عن الاستسهال وعقلية النظرة التجارية في الأعمال العربية، وأعرف أنني في بداية الطريق، وأحاول أن أصنع سوق أفلام مختلفة، ولدي العديد من المشاريع وأفضل ألا أبوح بها الآن لكي تكون متميزة مثل ما حدث مع »عجمي«.

بيئة سينمائيةوعن نشاطات مؤسسة الدوحة للأفلام، يقول اسكندر قبطي: تركز على 4 مجالات رئيسية هي: التعليم، الإنتاج، التمويل، ومهرجان الدوحة ترايبيكا السينمائي، وتنبع أهمية هذه المجالات من دورها في تعميق فهم وتذوق الأفلام والسينما في المجتمع، وفي إيجاد المحتوى الأصلي من المنطقة، وتوفير التمويل اللازم لتمكين صانعي الأفلام من سرد قصصهم وسيناريوهات أعمالهم للعالم.

وصولا إلى برامج الإشراف والتمثيل وهندسة الصوت والرسوم المتحركة وفنون الفيديو، بالإضافة إلى مواصلة النجاح الذي شهده مهرجان الدوحة ترايبكا السينمائي ليكون منصة مهمة لصانعي الأفلام الواعدين وذوي الخبرة على حد سواء، وبالفعل قمنا بتمويل 10 أعمال في العالم العربي وننتظر النتيجة التي سترسخ مكانة قطر كمركز مميز لصناعة الأفلام.

ويضيف قبطي: بتنا نشاهد أعدادا كبيرة وغير مسبوقة من الأشخاص المهتمين بتعلم مختلف أساليب صناعة الأفلام، سواء من خلال الاستفادة من برامج كتابة السيناريوهات، وورش تصوير الأفلام القصيرة الأصلية هنا في الدوحة، أو عبر العمل مع برنامج مايشا لصناعة الأفلام في أوغندا أو من خلال التعاون مع مؤسسة ترايبكا الدولية في نيويورك، التي أصبحت جميعها تؤسس بيئة سينمائية وفنية مهمة جدا لاستدامة صناعة الأفلام والسينما على المدى الطويل في قطر ومنطقة الشرق الأوسط على نطاق أوسع.

الدوحة ـ أسامة عسل