»وخير جليس في الزمان كتاب، تسلو به إن خانك الأصحاب«؛ كلمات أدلى بها الشاعر المتنبي، مؤكدا من خلاها على أهمية الكتاب وفائدته، وتوصيله الخير أيضا. فمن جعل الكتاب صاحبه انتفع ونفع الناس ومن خدم المحابر خدمته المنابر، ومن هذا المنطلق استضافت مؤسسة الشارقة للفنون ضمن الدورة التاسعة والعشرين لمعرض الشارقة الدولي للكتاب.

وذلك في ملتقى 2 بأكسبو الشارقة ورشة بعنوان (فن تجليد الكتب) والتي أشرفت عليها كل من الفنانة كارين غودوين ليغ، الأستاذ المساعدة في كلية الفنون الجميلة في جامعة الشارقة والفنانة شيخة المزروع. لم يأت تنظيم هذه الورشة من فراغ، بل للتأكيد على أن حرفة التجليد العربي التي تهتم بإخراج الكتاب في أبهى حلّة من الحرف اليدويّة الفنيّة القديمة التي توشك على الانقراض أمام مزاحمة آلات التجليد الحديثة، حيث تعتبر الكتب المجلّدة يدويّاً من المقتنيات الفنيّة والتحف الثمينة التي تحرص المتاحف على اقتنائها، وتعقد في أنحاء العالم معارض عالميّة لنفائس المخطوطات والكتب والوثائق المجلّدة يدويّاً. (الحواس الخمس) حضر الورشة، وشارك في تجليد بعض الكتب، كما التقى المنظمين، وهنا ننقل التفاصيل:

فن من نوع آخر بداية تقول كارين غودوين ليغ، الأستاذ المساعد في كلية الفنون الجميلة في جامعة الشارقة: بعد أن سيطرت الآلة على كل شيء، ومع ظروف التغيير والتكنولوجيا الحديثة التي دخلت كل المجالات، #شارفت العديد من المهن على الزوال والاندثار.

ومن تلك المهن تجليد الكتب التي تحتاج إلى دقة وذوق وفن، ومن هذا المنطلق جاء تنظيم ورشة (تجليد الكتب بالسجاد) التي تهدف إلى ربط الجمهور بكيفية التعامل مع الكتاب بوصفه مادة يمكن صناعتها باليد وتجليدها والحفاظ عليها باستخدام مواد بسيطة من الأوراق والأدوات المصاحبة كالخيوط والأدوات الحادة كالإبر والمقصات وغيرها.

وتضيف: ويتم في الورشة استخدام تقنية دمج مربعات السجاد على الطراز الإسلامي، وإتاحة الفرصة أيضا للمشاركين من جنسيات وأعمار مختلفة الإلمام بفن تجليد الكتب واكتساب مهارات إضافية لصناعة مجموعة من الكتب الأنيقة يزيد من إمكان اقتنائها بوسائل محببة.

كما توضح كارين غودوين ليغ أنه يجب التعامل برفق أثناء عملية التجليد، كي يستطيع المشارك إكمال عمله بصورة صحيحة ودقيقة، مؤكدة في الوقت نفسه أن عملية التجليد التقليدي تخضع لمنافسة قوية وشرسة أمام الآلة الحديثة، لذا يجب أن تتضافر الجهود نحو السعي للمحافظة على حرفة تجليد وصيانة الكتب القديمة كموروث قديم بمساعدة أدواته البسيطة.

ونوضح أن هناك فرقا بين التجليد اليدوي وما تقوم به ماكينة التجليد في وقتنا الحاضر؛ فالمجلد مثلا يعيد المخطوطات إلى الحياة ويضع لمساته الفنية عليها، ويصمم أغلفتها بما يتلاءم مع تاريخها.

وفي ذلك الكثير من الحرفية والإبداع بعكس الماكينة التي ساعدت على الانجاز السريع فقط، دون اللمسات الجمالية الإنسانية. وعلى الرغم من وجود الماكينة وتفوقها على هذه الحرفة إلا أن ذلك لم يمنع استمرار أهل الهواية بممارستها بأدواتهم التقليدية، وهي الغراء والخيوط وورق التغليف والجلد وغير ذلك من مستلزمات هذه الحرفة.

وعلقت كارين ليغ على الورشة بقولها: أشعر بالسعادة وأنا أتواصل مع المشاركين وهم يروون الحكايات ويقومون بأخذ ما صنعوه إلى منازلهم وهم في غاية السرور.

نوار أحمد القاسمي، إحدى منظمات ورشة تجليد الكتب تشير إلى أن تنظيم هذه الورشة جاء من الحرص التام على إنعاش فن تجليد الكتب بالطريقة القديمة، لاسيما اننا نشهد عصر التطور التكنولوجي ودخول الحاسب الآلي والأقراص الليزرية التي يمكن ان تسجل على سطحها أكثر الكتب ندرة.

وقد أثر هذا كثيراً على مهنة التجليد بالطريقة التقليدية التي قاربت على الزوال، وأصبحت من المهن القديمة والتراثية، في زمن أصبح فيه الكتاب مُهملاً في حياتنا مقارنة مع الإنترنت والفضائيات، التي استقطبت جمهوراً واسعاً من المثقفين وغير المثقفين، مشيرة إلى أن قد يكون صحيحا أن دخول الآلة على هذه الحرف ضاعف منتجاتها، وربما جوّدها عما كانت عليه.

لكن المؤكد أنه قد أخذ معه كثيرا مما كان فيها من جمال وفن وروح، وحولها إلى مجرد قطعة أو شيء لا يمكن الالتفات إليه وسط طوفان الإنتاج الكبير، بعد أن كانت كل واحدة منها تحفة فنية مستقلة بذاتها. كما أكدت نوار القاسمي أن مؤسسة الشارقة للفنون ستقوم في المستقبل بتنظيم ورش مختلفة تساعد المجتمع المحلي على الانخراط في فعاليات ومهارات جديدة.

الشارقة ـ جميلة إسماعيل