حينما عرف المسرح كأحد أشكال الفرجة والفائدة في الثقافة اليونانية القديمة، كان الجمهور المشجع الأهم لولادة عروض مسرحية دائمة، وكان في خيال المسرحيين انطباع دائم أن هذا الجمهور يستحق أن تقدم له عروض مسرحية من عالم الأسطورة أو الأساطير اليونانية التي كانت المفتاح الذي يجعل المشاهدين يقبلون على مشاهدة العروض المسرحية.
وكانت الفرجة بالمجان، وتمتد يوما كاملا، وبالتالي كانت الأسر اليونانية تنتقل إلى جبل الأولمب ـ حيث تقام المناسبات الاحتفالية بالمسرح وتمضي يوما كاملا مع كل ما تحتاجه ®. وهكذا صار المسرح مناسبة للقاء واحتفالية مفتوحة على أيام العام، وبالمقابل لم يبخل المسرح اليوناني على جمهوره بأي جديد على صعيد معالجات الأسطورة، ولا سيما أسطورة أوديب، إذ كان هذا الجمهور هو من قدم للمسرح اليوناني زخمه وحضوره ..وبالتالي استطاع هذا الجمهور أن يهدي البشرية »أبو الفنون« ويسهم بشكل او بآخر في تعميق حضوره على مختلف الأصعدة، إلى درجة أن رائد المسرح اليوناني سوفوكلس وهو أحد آباء أسطورة أوديب اليونانية القديمة قال ان الذين يحضرون المسرح هم من جعلوا المسرح اليوناني يحقق حضورا في العالم .
ومن سمة الكتاب في المسرح اليوناني أنهم كانوا يمرون بين الجمهور كي يلاحظوا استمتاعهم بالعروض المسرحية ويتابعون ردود أفعالهم، وكانت سعادتهم أثناء المشاهدة معيارا حيويا للمتابعة وتقديم عروض مختلفة فيما بعد، فما الحال الذي وصل إليه جمهور العرض المسرحي في عصرنا الحديث الذي ربما يكون خرج ونراه لن يعود بعدما هجر المشهد المسرحي ، وما التحولات التي مر بها خلال أزمنة مختلفة، كان فيها الداعم الحقيقي للمسرح في العالم ®.؟
شباك التذاكر يلقي ظلاله على الأعمال الجادة
بدأ الجمهور يدفع ثمن الفرجة التي يقوم بها للمسرحيات التي كانت تعرض في القرن السادس عشر، ولا يوجد تاريخ دقيق تروى فيه تفاصيل العملية التي قامت بموجبها عملية الدفع للمرة الأولى لقاء مشاهدة العروض المسرحية .
ولكن يعتقد بأن مسرحيات شكسبير كان يتم فيها دفع ثمن مشاهدة العروض، وكان الجمهور الانجليزي يستمتع بهذه العروض كثيرا وهو يرى نفسه في تفاصيل اللعبة التي أتقنها شكسبير ، إذ اقترب في بعض الفترات من الواقع الانجليزي كثيرا، لذلك كانت مسرحياته تعتبر مرآة مهمة لهم .
وكان الجمهور الانجليزي تتملكه نزعة الغضب السريع، إذ إنهم سرعان ما كانوا يقومون بممارسات بعيدة عن الأدب في الصالات التي تقدم فيها المسارح، لتكون الطماطم رسالة سريعة إلى أصحاب العرض وهم يقذفونهم بها تعبيرا عن غضبهم مما يقدمون، ومن التفاصيل التي حفل بها العرض المسرحي، وبكل الأحوال الجمهور الانجليزي كان ولا يزال محافظا على هذه الخصلة فيه منذ تلك الأيام وحتى الآن®.!
ولعل الجمهور في الكوميديا الايطالية »ديلارتي« كان يتابع عن قرب وتماس العرض المسرحي في الحارات الشعبية وفي الساحات العامة، وقد اعتاد أصحاب هذا النوع من المسرح ان يحضروا عروضا متحركة في مسرحيات تحاكي الأنماط الثابتة وتقدم وعبر الاقنعة قصصا بمنتهى السخرية .
وهكذا عرف الجمهور الايطالي بأنه يتابع في الهواء الطلق العروض التي يحبها، وهذا شكل مختلف ومتطور من أشكال الجمهور الذي كان يشهد عروضا مسرحية متجولة، وبالتالي هذا ما ميزه عن جمهور العروض المسرحية الثابتة .
ولم يكن الجمهور العربي بأحسن حال، إذ إن الفرق المسرحية استوردت العلبة الايطالية الجاهزة، وصار الجمهور يتابع العروض ضمن هذا المكان مع مطلع القرن العشرين بقليل، ولعل تبدل المكان المسرحي مع نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين مع مارون النقاش وابو خليل القباني قد أسس لمشاهدة متحولة للعروض المسرحية بوجود جمهور لم يكن يقدر العملية المسرحية تقديرا لائقا بها.
وفي النهاية كانت هناك ردود أفعال ساخطة، وكان التعبير عنها من قبل الجمهور ساخطا هو الآخر، وربما على طريقة الجمهور الانجليزي، الأمر الذي حدا بأبي خليل القباني الانتقال الى القاهرة نتيجة الحرب التي شنها عليه غلاة المتعصبين الدينيين في دمشق. ولعل من يتابع ما كتب عن ابي خليل القباني يدرك ان جمهورا ضعيفا ومخيّبا للآمال من خلال ردات فعل غاضبة قد قاده للانتقال الى القاهرة .
ويرى المخرج المسرحي السوري جهاد سعد أن الجمهور لعبة حقيقية في إنجاح العروض المسرحية، وأن الكثير من العروض صارت تقدم من أجل جمهور متوقع؛ أي أن المعادلة انقلبت قياسا لما عرف في مطلع القرن العشرين، اذ ان العروض التي تفصل الآن لجمهور ما بغض النظر عن سويتها تعطي إيحاء بأهمية عنصر الجمهور وقوته وسلطته لأنه صار يدفع ثمن بطاقة الدخول .
وصار الشباك يحكم على النجاح والفشل، وهذا بحال من الأحوال يعتبر تطورا ما في فهم آلية تفكير الجمهور المسرحي الذي ما عاد يطرب للعروض الجادة ويمضي باتجاه العروض الجماهيرية .
ولم ينتصر جهاد سعد للجمهور في العملية المسرحية العربية على اعتبار أنه صار قريبا من المواضيع الاستهلاكية والشعبوية التي لا تعكس اهتمامه بالعروض الجادة والتي تعكس نبض المسرح.
الأمر ذاته يتحدث فيه الممثل السوري سلوم حداد، لافتا إلى ان العروض المسرحية صار الجمهور هو من يجعلها تنجح ومن يجعلها تفشل، دون الأخذ بعين الاعتبار أي ظروف إبداعية ما، وهذا ما يمكن للمرء أن يتابعه وهو يلاحظ تراجع مستويات المسرح الجاد وتفوق للمسرح التجاري الذي له حضور واسع ومهم في المشهد المسرحي العربي .
وعلى الرغم من أن أسعار التذاكر زهيدة جدا في المسرح السوري، الا ان جمهورا قليلا يمكن متابعته وهو يشاهد عروض المسرح السوري الجاد في سوريا، وهذا مؤشر مزعج للمبدعين وللممثلين المحترفين، وبالتالي فإن الجمهور بتهميشه لهذه العروض يعطي انطباعا سلبيا عنه، ولا يمد جسورا جديدة بين العمل الإبداعي وبين المتلقي.
كما تصف المراجع الأكاديمية حال الجمهور، فهم متلقون، وفي النهاية هناك هوامش واسعة للحديث عن العلاقة الجدلية بين الملتقي والمؤدي وهي التي لم تستقم يوما في المشهد المسرحي العربي .
ويرى الفنان المخرج أحمد الأنصاري ان الجمهور لعبة ممتعة بيد المبدع المسرحي سواء مخرج او ممثل او كاتب وهو قادر على ان يأتي بالجمهور الى عرضه وجعله يدعم هذا العرض، وبالمقابل فإن تراجع العرض المسرحي سيؤدي الى تراجع الجمهور.
وهي معادلة حقيقية وليس فيها ادعاء، الجمهور يأتي الى العرض وهو يتمنى ان يكون هناك حضور مختلف للعرض المسرحي الذي يرغب بمتابعته، ولكنه سرعان ما يخرج بعد عشر دقائق او ربع ساعة طالما شاهد العرض خلاف ما كان يتوقعه، وفي هذا الوقت قد لا يكون هناك »ريموت كونترول« بيد المشاهد في المسرح.
ولكن خروج المشاهد من الصالة هو بمثابة ريموت كونترول حديث، مشيرا الى ان الجهود الحثيثة التي تبذل من قبل صناع العرض المسرحي من أجل الخروج بعرض لائق ستقابل باهتمام وعلى نطاق واسع من قبل الجمهور الذي يهتم بشكل او بآخر بمشاهدة فرجة مسرحية تحترمه وتحترم حضوره، مؤكدا ان المشاهدين الآن هم شريحة تريد ان تعبر عن فرحها بما تشاهده، وهذا يستدعي جرعة من السخرية والضحك والكوميديا، شرط الا تكون مجانية، حتى يكون هناك اقبال على العروض المسرحية التي هي مرآة لا يحدث في المجتمع .
ويشير الفنان مرعي الحليان الى أن الممثل يظل طوال الوقت ينظر من خلف الستارة للجمهور قبل العرض لأنه يرغب بمشاهدة عدد كبير حتى يستطيع التواصل مع الصالة، وكلما خفّ العدد كانت هذه بالنسبة له مأساة، ولعل التأثير المباشر بين الخشبة والصالة يمكن الحصول على نتائجه بسرعة.
حيث يضحك المشاهد فينتشي الممثل ويصفق الجمهور فتحلق الخشبة، وفي كل الحالات ثمة شيفرة سرية بين الخشبة والصالة قد لا يستطيع أمهر النقاد الحصول عليها او تفسيرها وتبريرها ، ولعل هذا ما قد يقود بالممثل للاستمتاع أكثر بصيغة العروض الجماهيرية التي يقدمها والتي تجعله ينتشي بحب ويحلق في عالم من النجاح والتفوق.
دبي - جمال آدم

