إنها جزء لا يتجزأ من مدينة ريو دي جانيرو البرازيلية، ولا تقل شهرة المدينة بها عن شهرتها بأقماع السكر وشواطئ كوباكابانا المشهورة وتمثال المسيح المخلص على جبل كوركادو®. إنها أحياء »فافيلاس« الفقيرة التي يوجد منها المئات في مدينة ريو.

وتشتهر هذه الأحياء بأنها مرتع للعنف والعدائية وموطن أباطرة المخدرات وهذا فعلاً جزء من الحقيقة، ولكنه مجرد جزء.وعلى من لا تكفيه الصور النمطية المسبقة ويريد أن يعرف أكثر عن الأحياء الفقيرة فى ريو وربما فى البرازيل، عليه ألا يزور فقط أحياء ريو ذات الأضواء المتلألئة ايبانيما وليبلون وإنما أيضاً حي »روسينها« الذي ربما يعد أكبر الأحياء الفقيرة في أميركا الجنوبية. نقطة التجمع أمام فندق »قصر كوباكابانا« ذي النجوم الخمس في التاسعة صباحاً، والذي يستطيع كل سائح الوصول إليه بسهولة حتى وإن كان القليلون منهم فقط هم الذين يمتلكون المال الكافي للنزول به.وها هي حافلة صغيرة تابعة لشركة »فافيلاس تورز« السياحية تأتي مندفعة أمام الفندق ويجلس بداخلها ثلاثة سائحين استراليين معتدلي المزاج.

قال أحدهم: »شاهدنا فى التلفاز تقريراً عن الأحياء الفقيرة، والآن نريد أن نراها بأنفسنا«. وتتوقف الحافلة لمحطتين قصيرتين أمام فنادق أخرى حيث يركب أيضاً ثلاثة أزواج من هولندا وأميركا ثم تواصل الحافلة سيرها.

قال السائح كارلوس وصلت الحافلة حي روسينها بعد عشر دقائق من السير:»أهلا بكم فى بيتي«.مرت الحافلة بمنحنيات ضيقة، وكانت تصطدم دائماً بمطبات أثناء سيرها.

ولد كارلوس فى حي روسينها. ويسكن هناك هو وأبناؤه.ويحب كارلوس أو الكاريوكا وهو لقب يطلق على سكان ريو دي جانيرو أن يعيش فى روسينها. ويضيف كارلوس 64 عاماً: »أريد أن أحطم الأساطير«. فهو يعلم أن الأحياء الفقيرة أو »فافيلاس« تقدم كمادة وفيرة للنشر فى الأساطير وخطوط الصحف العريضة إلا أن الكثير منها ليس صحيحاً. وشعاره هو: إنها ليست جولة إنما بالأحرى تجربة اجتماعية.

منذ 12 عاماً يرشد كارلوس السياح إلى حي روسينها الفقير. ويقول: طوال هذه المدة كان لدي في المجمل فقط نحو 04 برازيلياً، إنه أمر مضحك، لكن ربما يعلم السياح الأجانب الكثير عن الأحياء الفقيرة أكثر من البرازيليين أنفسهم.

أولى محطات التوقف للحافلة: »استرادا دا جافيا«. حيث التمتع بنظرة إلى الخضرة اليانعة الكثيفة وبقايا غابات »ماتا اتلانتيكا« المدارية.

وبالسير قليلاً بعيداً ترى مياه المحيط الأطلسي بلونها الأزرق السماوي. فروسينها تشتهر بمناظرها الأخاذة والفاتنة.

ومن ضمن القواعد القليلة المتبعة فى هذه الجولة أنه »ممنوع تصوير الناس«. ويطلق اسم »اميجو دوس امبجو« على عصابة المخدرات والتي لها سلطة في حي روسينها ولا يرحبون بأخذ صورة لهم.وتقع أغلب الأحياء الفقيرة في شمال مدينة ريو وغربها وليس في الجنوب مثل حي روسينها.

وليس هناك تعداد دقيق ل»روسينها« التي تعني ترجمتها »المزرعة الصغيرة«، إلا أن التقديرات الرسمية تذهب إلى أن تعدادهم يبلغ نحو 100 ألف نسمة. أما السكان أنفسهم فيرون أن عددهم 160 ألف نسمة. وتوجد بنيات أساسية ومحلات لا حصر لها وأكشاك بيع وحانات وخطوط حافلات عديدة وكذلك ثلاثة بنوك.ويقول كارلوس مازحا: »وهي البنوك الوحيدة التى لا تتم مهاجمتها«. وهناك لافتة عند مدخل المدينة مكتوب عليها »روسينها، بيم فيندو« أي »روسينها، مرحباً بكم«.

ويتكون الحي من بحر من المنازل التي تلتصق بمنحدر الجبل التصاق الحمم البركانية التي أصبحت باردة.

وفى كل مكان تنتشر أسوار بنية مبنية بطوب محروق غير مجصص، آلاف وآلاف من أسقف صاج مموج عليها براميل مياه سميكة زرقاء مصنوعة من البلاستيك.

ويوجد القليل من البيوت الخشبية ومتاهات من السلالم والأزقة والممرات المخفية، لدرجة أن الغريب عن الحي يمكن أن يفقد طريقه فيها، فقط السكان الأصليون يعرفونها جيداً.

وكلما سكن المرء فى المرتفعات كلما يبدو المكان رائعاً ولكن ستكون الحياة أكثر صعوبة وإرهاقاً، حيث يجب على المرء أن يجر أغلب الأشياء إلى أعلى سيراً على الأقدام.

ولذلك فالطلب يكثر على السكن بجانب سفح الجبل.وتتكلف الشقة الصغيرة المكونة من غرفتين 250 ريالاً برازيلياً (ما يعادل حوالي 100 يورو) فى الشهر.

ويتم تجميع القمامة ثلاث مرات يومياً فى أماكن محددة مجمعة لذلك.كما يتم تسليم البريد فى صناديق بريد مرقمة توجد فى منازل معينة حيث يوضع بهذه الصناديق أيضاً بريد للجيران. وقديماً كانت كل المنازل من الخشب، حيث كان السكان يرون أن البناء بالأحجار لا يستحق لأنه دائماً ما كانت تأتي قوات خاصة لتدمير هذه الأحياء المنغلقة على نفسها.إلا انه فى منتصف الثمانينات بدأت حياة آمنة لوجود السكان الذين شرعوا فى البناء بأحجار المباني.

وبعد انتهاء الدكتاتورية العسكرية (1946-1958) فى البرازيل اكتشف المرشحون في الانتخابات سكان هذه المناطق وقصدوهم وخاصة في أوقات المعارك الانتخابية التى يندفع فها المرشحون إلى المناطق الفقيرة.ويحكي كارلوس عن أحد المرشحين قوله:

»سأبني لكم هنا جسراً، أعدكم«.وكان هذا المرشح منذ وقت قصير يقوم بالدعاية فى الحي الفقير من أجل تجميع الأصوات، على الرغم من أن المرشح لم يفكر فى اعتراض المستمعين له فى انه لا يوجد فى الأساس نهر لبناء هذا الجسر.بينما يؤكد المرشح »سأحضره لكم«.

بغض النظر عن أن كانت وعوده طرفة أو حقيقية ولكن مثل هذا الأمر يحدث.وكان الرئيس الحالي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا منذ وقت قصير في زيارة لحي »فافيلا دونا مارتا«، حيث أعلن بنفسه عن برنامج زيارة للسياح في هذا الحي.

كما صور مايكل جاكسون عام 6991 فيه فيديو أغنيته الشهيرة التى ضربت في جميع أنحاء العالم »إنهم لا يهتمون بنا« وكذلك مادونا كانت هناك سابقاً. ويرى الرئيس لولا أن رسالته هي ضرورة أن يدرك العالم أن مدينة ريو التى ستستضيف في عام 6102 بطولة الألعاب الأولمبية آمنة.

ريو دي جانيرو (د ب أ) - »الحواس الخمس«