لم تسلم شخصية الرجل الصعيدي في السينما المصرية على مدار تاريخها من السخرية والتلاعب بملامحها بدءا من شخصية »ابن كبير الرحمية«، التي برع في تجسيدها الفنان السيد بدير، مرورا بفيلم »العتبة الخضراء« لإسماعيل ياسين انتهاء ب»صعيدي في الجامعة الأميركية« و»صعيدي رايح جاي«، لمحمد هنيدي وهاني رمزي على الترتيب.
فعلى الرغم من وجود أعمال عرضت للشخصية بصدق وواقعية، إلا أن الغالبية تعرضت لشخصية الصعيدي بشكل كوميدي سواء من خلال إبراز ملابسه و»العمة« التي يرتديها بطريقة ساخرة أو من خلال طريقته في الكلام أو التعامل معه كشخصية ساذجة يسهل لأهل المدينة خداعها.ولم تكن السذاجة فقط هي عنوان الصعيدي في السينما، بل هناك أعمال أخرى أظهرته كشخص منحرف أحيانا وتاجر مخدرات ومقاوم للسلطات في أحيان أخرى، بشكل يراه الكثير من النقاد مخالفا للحقيقية. ويبقى السؤال عن سر إصرار السينمائيين على تقديم شخصية الصعيدي بالصورة التي نراها عليه منذ سنوات؟ ولماذا شخصية الصعيدى دون غيرها ظلت مظلومة في السينما؟
تاريخ السينما المصرية حافل بالعديد من الأفلام التي تناولت شخصية الرجل أو المرأة الصعيدية، لعل أشهرها فيلم »العتبة الخضراء«، الذي تم إنتاجه عام 1995 وقام ببطولته الفنان الكوميدي إسماعيل ياسين، الذي جسد شخصية شاب صعيدي يتسم شكله بالسذاجة، لدرجة أنه يصدق شخصاـ أحمد مظهرـ يوهمه بأن في إمكانه أن يبيع له ميدان العتبة الخضراء الشهير بالقاهرة، ومن فرط سذاجة هذا الصعيدي يقوم ببيع كل أملاكه رغبة منه في شراء ميدان العتبة.
انحراف وعنف
ومن السخرية من الرجل إلى الانحراف في سلوك المرأة الصعيدية، وهو ما قدمه لنا المخرج رضوان الكاشف في فيلمه »عرق البلح« للفنانة شيريهان، عرض لشكل الصعيد الذي هجره رجاله ولجأ نساؤه إلى إقامة علاقات مع الشباب الذي لم يترك البلدة، فالنساء كما جئن في الفيلم، منحرفات®.
بينما تطرق المخرج صلاح أبو سيف في فيلمه »الوحش« عام 1915 إلى جانب ثالث في حياة الرجل الصعيدي، من خلال استعراض المشاكل الناتجة عن أحد الخارجين عن القانون الذي أطلق عليه »خُط الصعيد« واشتهر بعنفه ومقاومته السلطات، وعلى الرغم من إشادة النقاد آنذاك بالفيلم إلا أنهم انتقدوا أبو سيف في عدم إظهار الصعيد بشكل محايد إلا من خلال اللهجة والزي وعنف أفراده.
لكن الشيء الإيجابي في فيلم الوحش، كما رأى بعض النقاد، أنه منذ تقديمه والنجاح الكبير الذى حققه، ابتعد السينمائيون بعض الشيء عن السخرية من الشخصية الصعيدية، واتجه تفكيرهم إلى الصعيد لاستعراض إيجابياته وسلبياته، وهو ما بدا واضحا في مزج المخرج الراحل يوسف شاهين بين العنف والرومانسية والكوميديا من خلال فيلم صراع في الوادي للفنان عمر الشريف وفاتن حمامة وزكي رستم.
مؤلفو الغرف المكيفة
وعلى الرغم من اعتراف النقاد بأن فيلم شاهين يندرج تحت قائمة سينما الصعيد، إلا أن بعض النقاد في كتاباتهم ومنهم الناقد سمير فريد رأى أنه في الحقيقة كان خلطة من السينما الصعيدية والأوروبية، في إشارة إلى أن الصعيد بشخصياته التي وضعها شاهين في الفيلم لم يكن سوى ديكور للأحداث حيث كان نصف الفيلم تقريبا يحكي عن واقع المجتمع الصعيدي بموروثاته والنصف الآخر يروي أحداث الفجور والخمارات والرذيلة المنتشرة في تلك الحقبة وكأنها محاولة من الفيلم للربط بين القديم والحديث.
ومن هنا خلص النقاد إلى أن كل مخرج ومؤلف كان يستعرض شخصية الرجل الصعيدي حسب رؤيته®. إلا أنهم اتفقوا على أن بعض المؤلفين القدامى كانوا يكتبون عن الصعيد دون أن يزوروه ولو مرة واحدة، فيما يكتب عنه مؤلفو هذه الأيام من خلال غرفهم المكيفة فابتعدوا عن الواقعية واتجهوا إلى كتابة شخصيات هزلية ونسبوها إلى الرجل الصعيدي دون أن يكون لها أي علاقة به.
مطاريد الجبل
بدوره يتفق الشاعر عبد الرحمن الأبنودي كاتب حوار فيلم »الطوق والإسورة«، وأحد أبناء الصعيد على أن الأعمال التي قدمت الشخصيات الصعيدية لا تصلح أن تكون أعمالاً فنية تنسب إلى صعيد مصر.
ويدلل الأبنودي على رأيه بأن أهل الصعيد لم يعرفوا معنى لمطاريد الجبل إلا بعد انتشار هذه المعلومة في الأفلام، فيما جعلت أفلام أخرى الصعيد رمزا للمجهول والعنف والمخدرات وكان آخرها فيلم الجزيرة لأحمد السقا ومحمود ياسين والذي أظهر الصعيد في الفيلم كمافيا للمخدرات استنادا إلى حكاية عزت حنفي، إمبراطور الصعيد الذي سقط أخيرا فهذا الفيلم، كما يقول الأبنودي أعطى انطباعا للعامة بأن الصعيد موطن المخدرات.
ظلم بين
أما الإذاعي فهمي عمر رئيس الإذاعة المصرية السابق وأحد الإعلاميين الذين خرجوا من الصعيد، فيرى أن شخصية الصعيدي في السينما المصرية تعرضت ولاتزال تتعرض للظلم البين، فمعظم الأعمال مصرة على إظهار شخصية الصعيدي بشكل كوميدي يميل للسخرية، مع أن الحقيقة تقول إن الصعيدي يمتلك خفة دم وفطرة لا مثيل لهما.
وبإمكانه أن يخرج مئات الإفيهات الكوميدية ولكن خروجها والبحث فيها تأخذ مجهودا من المؤلف الذي فضل مبدأ الاستسهال في تناول شخصية الرجل الصعيدى، وانطلاقا من هذه النقطة يرى عمر ضرورة أن يكون كاتب الفيلم صعيدي الأصل حتى يكون له تصور صحيح ومقنع للشخصية التي يقدمها.
ويتفق مع الرأي السابق الكاتب الصحفي مصطفى بكري الذي ينتمي بجذوره لصعيد مصر حيث يرى أن السينما لم تتعامل بجدية مع الصعايدة، إن لم تكن قد افتقدت المصداقية في تناول شخصية الصعيدي حيث غلب على معظم أفلامها طابع السخرية منهم، على الرغم من أن غالبية شباب وفتيات الصعيد الآن على درجة ثقافة عالية .
تزييف الواقع
الرأي نفسه تؤيده الناقدة رانيا يوسف، حيث تقول إن السينما القديمة والحديثة ظلمت الصعيد ورفضت كشف الوجه الحقيقي لهذا المجتمع على الرغم من أن معظم المؤلفين والسيناريست نازحون من صعيد مصر لكنهم للأسف استطاعوا تزييف واقع الصعيد بحثا عن المادة وإرضاء لرغبات سكان القاهرة.
لكن الفنان محمد هنيدي الذي جسد شخصية الصعيدي في أكثر من عمل فني كان أشهرها فيلم صعيدي في الجامعة الأميركية، فيرى أنه لم يسيء للرجل الصعيدي في أفلامه، بل قدم عملا إيجابيا عنهم، على حد تعبيره.
موضحا أنه ليس من الغريب أن تجد طالباً صعيدياً في الجامعة الأميركية بعد أن هاجر الصعايدة للقاهرة والإسكندرية ودول الخليج وأصبح يشهد نهضة علمية وتكنولوجية كبيرة في تلك المرحلة، لذلك حقق الفيلم نجاحاً باهراً عند عرضه؛ لأنه لم يسخر من الشخصية الصعيدية بقدر ما قدم نموذجا إيجابيا لأحد أبناء الصعيد.
القاهرة ـ دار الإعلام العربية

