نادرة كتب الموسيقى العربية في مكتباتنا ومتاجرنا. هذا إن لم نقل معدمة، أهوى القراءة عن الموسيقى باللغة العربية، لكنني لم أفلح أن وجدت إلا القليل منها، خصوصاً الدراسات الصادرة عن دور نشر مصرية.
وهي في مجملها أكاديمية مضجرة أو شيّقة تتناول سيد درويش وعبده الحمولي وكبار الموسيقيين القدامى في أم الدنيا. أما الكتب التي تتناول الموسيقى الحديثة والمعاصرة، والظواهر الموسيقية الشبابية المتجددة، فهي معدمة حقاً.البارحة قرّرت أن أتفاءل وأبحث في متجر »فيرحين« في بيروت عن مجلات متخصّصة بالموسيقى، ويا ليتني لم أبحث، فلم أجد أي قصقوصة مجلة بالعربية. المجلات الموجودة هي فقط بالانجليزية وتتناول موسيقى البوب والغيتار، ومعظمها شعبي للغاية وليس جدّيا.كلّما أسافر الى أوروبا أحتار، وأنا في المكتبات ماذا سأنتقي من المجلات المتخصّصة بالموسيقى. تراني أنظر الى الأغلفة والى المقابلات والمقالات النقدية والإنتاجات الجديدة®. مذهولة. هذا عدا عن الأسطوانات الرائعة المرفقة بالأعداد.
الآن تأكدت لماذا نفتقد نحن العرب الى الثقافة الموسيقية، مع العلم أنه لدينا عدد كبير من الموسيقيين الذين اشتهروا عالمياً وحفرت أسماؤهم في التاريخ. لكن الموسيقى ليست هواية وحسب.
هي علم يحتاج الى البحث والدرس والتجديد. علم يحتاج الى الفقه فيه، والى النقد اللاذع. الموسيقى هذه اللغة العصية على الموت، لغة التواصل الأبدية. كيف نُهملها هكذا؟ كيف نسمح لتاريخنا أن يستمتع بالأنغام وعذوبة الأصوات من دون أن يفقه بها؟
لنرفع الصوت عالياً اليوم نحو مجلات موسيقية متخصّصة، وكتب ودراسات سهلة الفهم والقراءة تكون في متناول الناس الهواة والمتخصصين والحشريين.
الموسيقى البديلة في لبنان »تسجيلات بلا عنوان« على الرغم من كل هذا التشاؤم، لفت نظري في ال»فيرجين« كتاب »تسجيلات بلا عنوان« عن الموسيقى البديلة في بيروت، والصادر عن دار »أمار« اللبنانية برعاية احتفالية بيروت عاصمة عالمية للكتاب.
يُقسم »تسجيلات بلا عنوان« الى صور فوتوغرافية التقطتها المصمّمة والمصوّرة تانيا طرابلسي، ونصوص أعدّها وحرّرها وترجمها كل من الناقد الموسيقي والمذيع ومنسّق الأسطوانات زياد نوفل الذي يعمل أيضاً كمنتج مستقل للموسيقى البديلة في شركة »لا سي دي تيك«، والباحثة والكاتبة غالية سعداوي. و»تسجيلات بلا عنوان« هو الكتاب الخامس لهذه الدار المتميّزة بنشر الكتب الفنية والثقافية التي أسّستها الشابة سارة صحناوي في عام 2007.
ومن هذه الكتب »33 يوم« للفنانة التشكيلية لور غريب (مجموعة رسومات ونصوص قصيرة)، »رحلة الى جبل تملبايس« لإتيل عدنان (شعر ولوحات)، »أن أكتب لك« لسيرين فتوح، وأخيراً كتاب بعنوان »لحظة« الذي تضمن صوراً لأطفال المخيمات الفلسطينية في لبنان التقطوها بعدساتهم ضمن مشروع »ذاكرة« الذي أسسه المصوّر رمزي حيدر.
ولعل من أهم سمات كتب دار »أمار« التي تُطبع بالعربية والفرنسية والانجليزية، أنها تصرّ على أن تكون العربية موجودة في كل منشوراتها حتى لو اضطرت الى ترجمة النصوص ونشرها بلغتين.
ويتضمّن »تسجيلات بلا عنوان« بحوثاً ونصوصاً لكتاب ومثقفين مهتمين بالموسيقى أو متخصّصين بأهوائها مثل الراحل نزار مروّة ووليد صادق وسثّ أياز وكايلين ويلسن-كولدي وريا بدران وسيرج أبي عاد وشربل هبر.
درّست غالية سعداوي في دائرة العلوم الاجتماعية في الجامعة الأميركية في بيروت وفي الجامعة اللبنانية الأميركية. كما عملت مستشارة وباحثة لعدد من المنظمات غير الحكومية التي تُعنى بالشؤون الثقافية والسياسية في بيروت ولندن.
وتتابع حالياً دراسة الدكتوراه في جامعة »كولدسميث« في لندن حول إشكاليات الشاهد والشهادة والمتخيل في النتاج الفني المعاصر في لبنان وخارجه. أما تانيا طرابلسي، فهي مصوّرة مستقلّة أمضت طفولتها متنقّلة بين لبنان والنمسا.
ونُشرت الصور الصحافية التي التقطتها في العديد من الصحف مثل »شيكاغو تريبيون« و»لوس أنجليس تايمز« و»ذا دايلي ستار«. وتعمل تانيا على مشروع بدأ عام 2006 بعنوان »الموسيقى هي الحياة« وهو عبارة عن سلسلة صور توثّق للساحة الموسيقية اللبنانية البديلة في تطوّرها على الصعيدين المحلي والدولي.
تمكّنت تانيا من خلال هذا المشروع الحميم والجذاب من التقاط مشاهد ولحظات خاصة في الاستديو وفي العديد من الحفلات الموسيقية، إضافة إلى بورتريهات فردية.
في »تسجيلات بلا عنوان« تتوالى الصفحات الفنية لتُظهر لنا تركيب الصورة لدى طرابلسي الذي يحمل طابعاً احتفالياً تارة، وهاوياً حماسياً طوراً، ومهجوراً حيناً ومزاجياً حيناً آخر، وتارة صاخباً وهادئاً تارة أخرى.
لكن الأهم من ذلك هو أن هذا التركيب مدفوع برغبة في الحضور حيث الصوت، والآلات الموسيقية والمؤدون. إن عدسة طرابلسي تريد أن تكون عضواً آخر، كأذن، أو أنف، أو قدم تقرع إيقاعاً.
وإلى جانب هذا التمهيد، تتوالى النصوص بشكل متنوع وغير متساو. فينسج زياد نوفل، بصيغة المتكلم، قصصاً غنية متلوّنة عن نشوء ساحة الموسيقى البديلة اللبنانية وتطورها، استناداً إلى تجربته الشخصية. وتتتالى النصوص حول تجارب الموسيقى البديلة وفرقها وهمومها. وفي نهاية الكتاب، يقدم شربل هبر خواطر شعرية تتطرق إلى كل شيء تقريباً.
الكتاب الذي يجذبك إليه من خلال التصميم والطباعة والصور الجميلة، لا يدّعي التأريخ الحصري للموسيقى البديلة. إذ تقول الكاتبة والباحثة اللبنانية غالية سعداوي في النص الافتتاحي فيه:
»على الرغم من أن هذا الكتاب ينطلق في بادئ الأمر من عملٍ توثيقي مستمر، لمصوِّرة واحدة تقوم بدمج بعض العناصر الفاعلة التي تمثّل جزءاً من ساحة الموسيقى البديلة الحالية في لبنان، فإنه لا يُقصد به كتاباً كاملاً، شاملاً، كرونولوجياً، أو مهللاً لهذا المجال بعينه«.
يؤخذ على هذا الكتاب أن جميع التجارب التي صُوّرت وتناولتها النصوص المكتوبة، تنتمي إلى دائرة حراكٍ فنيّ/ اجتماعي واحدة. وليس هناك من إشارة إلى اسمٍ واحدٍ من الفنانين الذين ينشطون في المجال ذاته والبيئة والزمان ذاتهما، لكن ضمن دوائر أخرى (»سلاف«، »بسيطة«، زياد سحاب، أندريه مسنّ، زياد الأحمدية، مي نصر، غازي عبد الباقي®®.).
ونقصد بهذه الدائرة الواحدة، الأنماط الموسيقية الغربية الشبابية الحديثة والأسماء التي ترتبط هامشياً أو عضوياً بالمنتج الموسيقي زيد حمدان (لا ننكر نشاطه الاستثنائي في هذا المجال)، أو ببعض مؤسسات الإنتاج، إضافةً إلى البيئة الاجتماعية البيروتية الميسورة، ذات الالتصاق الثقافي الوثيق بالغرب. ولا يمثّل اجتماع هذه العناصر الثلاثة شرطاً للانتساب إلى الدائرة المذكورة. لكن اجتماعها يؤدي حكماً إلى ذلك.
كما يؤخذ على »تسجيلات بلا عنوان« أن النصوص الستة الموجودة في داخله كتبت بالانجليزية في الأصل ثم ترجمت الى العربية. ما عرّض بعضها الى التشويه في ترجمته العربية. وهنا تكمن المشكلة، إذ وردت أخطاء فادحة في الترجمة، على الرغم من أنّها أُنجزت على أيدي ستة مترجمين، وخمسة مساهمين آخرين في هذا الجانب، ومدققَيْن لغويَّيْن!
وهنا السؤال الأهم: هل يُعقل أن يحوي الكتاب ستة نصوص لكتّاب لبنانيّين (ونصين لكاتبَيْن أجنبيَّيْن)، عن موضوع لبناني، كُتِبَت جميعها بالإنجليزية بلغة متمكنة، في حين أتت ترجمة بعضها رديئة؟!
على الرغم من تفاؤلي بهذا الكتاب عن الموسيقى، إلا أن المشكلة تكمن بأن اللغة العربية صارت بعيدة عن لغة الموسيقى. والسؤال الذي يطرح نفسه: هل اللغة هي التي تبتعد عن الموسيقى أم أن موسيقيينا ونقادنا وباحثينا تغرّبوا عن لغتهم؟ في كلتا الحالتين نحن القراء وهواة الموسيقى الخاسرين. فلنرفع الصوت مجدّداً لإنتاج مجلات وكتب عربية متخصّصة بالموسيقى.
بيروت - رنا نجار

