قبل 48 عاما وبالتحديد في عام 6291، فكر الفنان يوسف وهبي في تجسيد شخصية الرسول عليه الصلاة والسلام في السينما وواجهته وقتها كمية كبيرة من الانتقادات من قبل علماء الأزهر، والذين رفضوا ظهور الشخصيات المقدسة في السينما، على أساس أنه محرم شرعاً ولم يكن الأزهر فقط هو صاحب قرار الرفض، ولكن إحساسا شعبيا يؤكد بعدم جواز ذلك بل وبالرجوع إلى الصحف وقتها كانت تنشر صوراً لوهبي وهو يؤدي دور «راسبوتين» الروسي الدموي.

وتساءلت: كيف يقدم صورة النبي «محمد» عليه الصلاة والسلام بعد تقديمه لشخصية «راسبوتين» ودخل « وهبي» آنذاك في معركة مع الأزهر وهو يصر على أنه من حقه أداء الدور، ولكن في النهاية قدم اعتذارا علنيا عن فكرته هذه تحت ضغط جماهيري عاصف، وصل بالملك فؤاد إلى التهديد بحرمانه من الجنسية المصرية إذا أصر على تأدية الدور..

والآن، وبعد عشرات السنين يتم مرة أخرى فتح ملف تجسيد الأنبياء والصالحين على الشاشة من قبل عدد من المنتجين وبعض المثقفين للضغط على الأزهر للتراجع عن قراره، خاصة بعد عرض مسلسل «يوسف الصديق» الذي يجسد فيه الفنان الإيراني مصطفى زماني شخصية سيدنا «يوسف عليه السلام»، وتحقيق المسلسل لنسبة مشاهدة كبيرة.. فهل سيتراجع الأزهر عن فتواه في ظل لهاث المنتجين وراء شخصيات الأنبياء والصحابة لتجسيدها على الشاشة؟

توجهنا بالسؤال إلى المخرج الأردني محمد عزيزية الذي قدم قبل أربع سنوات مسلسل «خالد بن الوليد» ويعد حالياً لتصوير مسلسل «عمر بن الخطاب» وبعده «عيسى عليه السلام»، فقال: إن مثل هذه الفتاوى والقرارات الصادرة من الأزهر لابد أن يتم مناقشتها بجرأة وموضوعية وبصوت مسموع وبدلاً من أن يمنع الأزهر تجسيد شخصية أي نبي أو صحابي على الشاشة لا بد أن يضع شروطاً لتجسيدها ما لم توجد موانع شرعية؛ لأنني أرى من وجهة نظري أن تلك المسلسلات مثلها مثل كتب السيرة النبوية لكنها تأتي في صورة تجسيد أشخاص، لذلك يجب وضع ضوابط معينة وتقنينها وإعلان الحدود المسموح بها والشروط التي يجب مراعاتها حتى تتواجد العناصر الروحي``ة والقدسية حتى لا يساء إليها.

وأشار إلى أنه لم يجد أي مشكلة أو أي شيء مثير للدهشة من إصرار قنوات فضائية على عرض المسلسل المدبلج الإيراني «يوسف الصديق» على شاشتها؛ لأن الأنبياء والرسل سبق تجسيد قصص حياتهم قبل ذلك مراراً وتكراراً سواء في السينما العربية أو العالمية ولم يعترض أحد، وقبل كل هذا وذاك فقد تم عرض المسلسل على لجان دينية متخصصة وناقشت الموضوع بكل حيادية وأكدت أنه لا يشوبه أي شائبة؛ لأن العمل في مجمله جيد ومتميز ويستند إلى القرآن الكريم والسنة النبوية.

المنتج الأردني إسماعيل كتكت كان له رأي في تلك القضية أيضا، حيث أكد أن الغرض الرئيسي وراء تلك المسلسلات هو لفت الانتباه إلى الدين والرسالات السماوية التي ابتعد الناس عنها خلال السنوات الأخيرة، لذلك يطالب بمراجعة القرار الذي أصدره الأزهر عام 6291 ليتم مناقشته بشكل جاد.

وقال: أصبحنا في عصر ثقافة الصورة ويجب أن يقدم الإسلام بشكل صحيح وسليم للآخر؛ متسائلا: ماذا نفعل لو قامت أي دولة أوروبية بتجسيد شخصية أحد الرسل عليهم السلام على شاشتها وزيفت في سيرته وأظهرته بشكل مخالف لما ورد بالكتب الدينية والقرآن والسنة؟.. ويواصل: بالطبع سوف نقف مكتوفي الأيدي ونشجب ونستنكر، لذلك يجب على الأزهر أن يكون أكثر مرونة وأكثر رحابة حتى لا تحاول الدول الأوروبية اقتناص الفرصة وفرض أكاذيبها التي تتعمد من خلالها الإساءة لأي رمز إسلامي أو قبطي.

ورد كتكت على تخوف الأزهر بشأن عرض شخصيات الأنبياء على الشاشة بأنه غير منطقي ؛ لأن هذه الأعمال تستعرض الجانب الإيجابي بشكل يلفت نظر المشاهد؛ خاصة وأن حياة الأنبياء لا يوجد بها أي جوانب سلبية لكونهم معصومين من الخطأ.

«يوسف الصديق» عمل ضعيف وغير مقنع

خلافا للآراء السابقة، أبدى الفنان يحيى الفخراني رفضه فكرة تجسيد الأنبياء والصالحين على الشاشة وأكد أنه لا يستطيع أن يجسد شخصية «نبي أو أحد المبشرين بالجنة أو الخلفاء الراشدين وأولياء الله الصالحين»؛ لأنه عندما يجسد مثل تلك الشخصية يضع المشاهد في حرج شديد للمقارنة بينه وبين شخصية «النبي عليه الصلاة والسلام» وبالتالي يرى أن قرار الأزهر صائب في هذا المجال.

وعن رأيه في مسلسل «يوسف الصديق» رد الفخراني: غير مقنع على الإطلاق وضعيف فنياً ولا يرتقي فنان لدرجة أن يكون نموذجاً «لنبي» يتحدث ويمشي ويتحرك مثله؛ لأن في ذلك تطاولاً عليهم لذلك يجب أن ننصت لأراء المتخصصين في الديـــن وعلى الجميــــع أن يتقبلـــوا حكمهم بالقبــول أو بالرفض.

الأهم الرسالة التي يقدمها العمل وليست الشخصية

ترد على الفخراني الناقدة رانيا يوسف، مؤكدة أهمية تقديم شخصيات «الأنبياء والرسل والصالحين» في مسلسلات بغض النظر عن الفنان الذي يقدمها؛ وتعلل ذلك بقولها: الأهم من ذلك هو الرسالة التي يقدمها العمل حتى يكون عملا متميزا ويحقق مردودا إيجابيا؛ لأننا أصبحنا في عصر تقل فيه القراءة بعد أن أصبح الاعتماد على الصورة وأصبحت الصورة المعتمدة حالياً للمعرفة هي التليفزيون والسينما والانترنت، لذلك إن لم نسر في العالم العربي على نفس الوتيرة العالمية فالأجيال القادمة سوف تجد نفسها معرضة لغسيل أفكار من الآخرين الذين يجهلون أموراً كثيرة عن الأديان السماوية والرسل عليهم السلام.

نور الشريف ومسلسل الحسين

أما الفنان نور الشريف فمازال يتمنى أن يوافق الأزهر على تقديم شخصيات الرسل والصالحين في أعمال فنية خاصة أنه يسعى منذ أكثر من عام للحصول على موافقة من دار الإفتاء المصرية لتقديم شخصية «الإمام الحسين رضي الله عنه» وقال: إنه يعشق هذه الشخصية ويتعهد بأن يعتزل بعدها؛ لأنها أحد أحلامه الفنية التي لا يزال متمسكاً بها ولم يفقد الأمل حتى هذه اللحظة في موافقة الأزهر.

يجب احترام الأنبياء وقدسيتهم

إذا كان هذا رأي أهل الفن ما بين مؤيد ومعارض، فإن فقهاء الدين يعترضون تماماً وهذا يتضح جلياً في رأي الدكتور أحمد عمر هاشم رئيس جامعة الأزهر السابق والذي أكد مراراً وتكراراً عبر الصحف ووسائل الإعلام خاصة بعد عرض مسلسل «يوسف الصديق» أنه لا يجوز ظهور «الأنبياء» على الشاشة لما لهم من مكانة مقدسة يجب أن تحترم وتكون بمنأى عن أن يقدمها صالـح أو فاسق؛ لأن الجميع يعرف حقيقة المجتمعات الغانيــة في العالـــم كلــه بما تشملــه من رقص وخلاعـــة وعري ومخدرات.

وعن ظهور بعض أولياء الله الصالحين ولم يعترض عليهم الأزهر فقال إنه يجب أن نفرق بين «العشرة المبشرين بالجنة» وغيرهم من الصحابة «فالعشرة المبشرون بالجنة» ممنوع ظهورهم مثل «الأنبياء» على الشاشة؛ لأنه ينتج عن تجسيد حياتهم على الشاشة الاستخفاف بهم والأصعب من ذلك أن يؤدي شخصية «رسول أو نبي أو مبشر بالجنة» أشخاص بعيدون عن التدين تماماً ولا يلتزمون بأوامر الله وتجسيدهم لهذه الشخصيات فيه فجور ومعصية لله عز وجل حتى لو أجازه البعض واشترط فيه عدم التحريف.

القاهرة : دار الإعلام العربية