كان ظهور المطربة الأردنية مكادي النحاس الأول في مهرجان جرش 7991 حين قدمت أول أغانيها للجمهور، ولتنطلق بعدها في عالم الغناء الذي لا يشبه غيره، ورغم أن العديد من الكتاب والإعلاميين وصفوا صوتها بالفيروزي. أو أنها «فيروز ثانية» تظهر في المشهد الغنائي العربي؛ ورغم اقتراب ذلك الوصف من حقيقة صوتها؛ إلا أنها استطاعت أن تقدم نفسها كصوت «مكادي» يرحل بالمستمع إلى أقصى غابات التأمل والوجد الصوفي الذي يحيله إلى عوالم تبعد عن كوكب الأرض ملايين من السنوات البعيدة عن مقاييس التناقض الإنساني بأحلامه وكوابيسه المتكررة.

وصوت مكادي يشبه اسمها الذي يعني في إحدى اللغات الإفريقية القديمة (الحرية)، فهو ينبض بالحرية من قيود كل ما هو بعيد عن الجمال والسحر والغموض. «الحواس الخمس» التقى مكادي خلال المؤتمر الصحافي الخاص بحفل «سلام يا قدس» الخيري قبل أيام وكان الحوار التالي ..

ماذا عن البدايات؟

أثناء دراستي للأدب الإنجليزي بجامعة دمشق كونت هناك فرقة بعنوان «عالبال» حيث قدمت عدة حفلات، لأنضم بعدها إلى فرقة النغم الأصيل بعمّان، وكنت المطربة الرئيسية للفرقة، ثم اتجهت للتخصص بمجال الفن والدراسة بمعهد الموسيقى العالي ببيروت، حيث التقيت بخالد الهبر الذي جمعني بالموسيقار زياد الرحباني، وهو من شجعني على مواصلة مسيرتي الغنائية.

كيف تصفين العلاقة مع الرحابنة وتشبيه صوتك بصوت فيروز؟

منذ طفولتي وأنا أشعر بأن خامتي الصوتية تقرب من خامة صوت الأسطورة فيروز، ولقد كنت أغني لها بشكل متكرر، ولقد شهد لي بتشابه الصوت الموسيقار زياد الرحباني الذي علّق بأن المستمع غير الموسيقي الذي يستمع لصوت مكادي يذهل لتشابه طبقات الصوت بين فيروز ومكادي، ورغم أنني أفتخر بهذه الشهادة الرائعة والحافز الإيجابي الذي منحتني إياه؛ إلا أن ذلك يشكل عبئا وحملاً ثقيلاً على عاتقي، لأن فيروز ليست مطربة فحسب للجمهور العربي، بل هي رمز فني ضخم، وعالم من الذاكرة الفنية العربية.

هل تعتقدين بأن الفرصة التي أتيحت لفيروز يمكن أن تتاح لكِ في الانتشار في الوطن العربي فنياً؟

لا أعتقد، ولا أمل لي في ذلك، فزماننا يختلف عن زمن العمالقة الذي رحل، فلقد تهيأ لفيروز بالإضافة إلى موهبتها وصوتها الساحر العذب؛ مجموعة عوامل كان أبرزها «الأخوين الرحباني» وشعراء بقامات تعانق السماء، كما أن المجتمع العربي كان يمر آنذاك بحالة ثقافية وفكرية وحراك لا نجده اليوم، وبعد هذا وذاك فإنه كان هناك إجماع على اتجاه ذوقي وثقافي اجتماعي معين أجلس فيروز وأم كلثوم وغيرهما من أساطين الطرب على عرش النجومية، وهما تستحقان ذلك، أما اليوم فليس هناك إجماع نحو أي شيء في العالم العربي؛ لا من ناحية الفن ولا الثقافة والذوق، ناهيك عن أمور أخرى لن أتطرق إليها.

حدثينا عن ألبومك الأول «كان يا ما كان» والصعوبات التي واجهتك آنذاك. قبل الحديث عن هذا الألبوم أود القول إنني أعشق التراث الغنائي العراقي الذي ينبض بعشق الناس والأرض وكل ما هو جميل، ولقد دفعني ذلك إلى إطلاق ألبومي الأول من بغداد بعنوان «كان يا ما كان» الذي اخترتُ فيه مجموعة من الأغاني العراقية القديمة، ولقد واجهتني أثناء تسجيل الألبوم ببغداد مصاعب كبيرة على المستوى الفني، فلقد كان العراق يمر وقتذاك بظروف صعبة أيام الحصار عليه فكانت الأجهزة ومعدات التسجيل قديمة.

وكانت هناك مشكلة أخرى تتعلق بتوقيت تسجيل الأغاني، حيث كانت الظروف تمنع بعض الموسيقيين أو الفنيين من حضور جلسات التسجيل مما أعاق ظهور الألبوم لفترة طويلة، ورغم كل الظروف إلا أنني تمكنت من طرح الألبوم ونال رضا الجمهور، وبالنسبة لاسم الألبوم فلقد فسرته بالتالي: كان- مثل نبع الرافدين حين ينبجس صافياً رقراقاً في البدء، ياما- طوف معطياً ومتلقياً الهدايا لا يرتسم على خريطة ولا يهتدي إلى مصب، كان- غيمة تنثر رذاذ الوجد والحزن وتعود حيث بدأت.. وأتمنى أن يعود العراق مشرقاً ويعمه السلام لأغني هناك عن شواطئ دجلة التي أحببتها.

لماذا اتجهت للغناء من أرشيف التراث العربي لفترة طويلة ولم تقدمي لوناً خاصاً بك؟

لقد لجأت للتراث لأنه متداول وغير ملزم من ناحية الحقوق من جهة عدم توافر دعم مؤسساتي لي منذ البداية، ومن جهة أخرى فالغناء التراثي أو الرصيد القديم للغناء العربي هو أفضل ما أنتجه هذا الغناء في كافة العصور بشهادة المختصين وحب الجمهور المستمر، ولقد اخترت في بدايتي مجموعة الأغاني التراثية العراقية الأقرب إلى قلبي، ثم غنيت في ألبومي الثاني «خلخال» مجموعة من الأغاني التراثية من بلاد الشام: سوريا والأردن وفلسطين ولبنان، لأنني أعتبر تراثها واحداً من حيث تقارب اللهجة والكلمات والنغم.

كما ضم ألبومي الصادر حديثاً «جوا الأحلام» أغاني للأطفال من التراث العربي، وبالنسبة لتقديم لوني الخاص فلقد عملت على ذلك باتجاهين؛ يتخذ أولهما مسار تقديم صوتي وطريقتي بالغناء التراثي كشيء مختلف عن الأغنية الأصلية من ناحية التوزيع وطريقة الأداء، وبالنسبة للاتجاه الثاني من ناحية تقديم لوني الخاص فلقد قدمت مجموعة من الأغاني الخاصة بي في ألبوماتي السابقة، وسأقدم ألبومي الجديد مطلع 1102 وهو بكامله أغان خاصة من قصائد مجموعة شعراء وألحان نخبة من الملحنين العرب، من أبرزهم سوسن حبيب.

تنتقدين في معظم حواراتك الرد والجملة التي يرددها المنتجون في عالم الموسيقى والغناء والفن وهي «الجمهور عايز كده»، وترفضين القول إن الذوق الجماهيري مترد. لا أزال لا أؤمن بهذه المقولة الساذجة التي يحاول البعض من خلالها تمرير الفن الهابط والغناء الفوضوي بحجة إلقاء اللوم على الجمهور، ولكن من خلال عدة نقاط رئيسية يمكن البرهنة أن هؤلاء المنتجين هم من يفرض نوع الغناء والفن الذي يريدونه على الجمهور.

فلئن جلست في أية حفلة فنية لمطرب عربي يؤدي الغناء الحقيقي ستجد آلاف من الناس من كل الأجيال ممن يتابعه ويستمع إليه باهتمام، وهذا يفند نظرية أن الاستماع للأغاني الأصيلة من الزمن السابق مقتصر على جيل كبار العمر فقط، ونقطة أخرى تتعلق بقيمة «السي دي» المادية لأي ألبوم من الفن الملتزم هو أضعاف نظيره من ألبومات الغناء السطحية التي أعلم أن بعض شركات الإنتاج تروجها بالمجان في بعض الأحيان، إضافة للعديد من الأمور ذات الصلة والتي يطول شرحها.

فأنا أعتقد وأؤمن بأن ذائقة الجمهور العربي تلوثت وتمت سرقتها من قبل العديد من المؤسسات التجارية الفنية، إلا أن الشريحة الأوسع من هذا الجمهور لا تزال تستمع وتطرب لكل أنواع الفن الأصيل رغم كل شيء، ولكي لا أكون أكثر حدية برأيي بهذا المجال فأقول إن الذائقة الجماهيرية مرتبطة أيضاً بالمتغيرات الاجتماعية والسياسية والفكرية التي حدثت وتحدث في العالم العربي، وتشكيل تلك المتغيرات لحالة الوعي أو فقدانه لدى المتلقي.

أبوظبي - محمد الأنصاري