يعرض حاليا في صالات السينما بالإمارات فيلم «دعني أدخل ـ Let Me In» للمخرج الأميركي مات ريفز، بعدما قدمه مهرجان أبوظبي السينمائي الأسبوع الماضي ضمن عروض السينما العالمية، والذي يعد امتداد لأفلام مصاصي الدماء التي تحظى بشعبية كبيرة جدا من جماهير هذه النوعية من الأعمال.

الفيلم الجديد هو إعادة رؤية للفيلم السويدى »دع الشخص المناسب يدخل« والذي تدور أحداثه عام 1983 بإحدى ضواحي المكسيك حول صداقة تنشأ بين صبى وحيد اسمه أوين »كورى سميث ماكفى« وآبى »كلوى جريس« مصاصة الدماء، أوين المراهق شخصيته ضعيفة وجبان، ينال دائما ضربا مبرحا من زملاء المدرسة، يخشى والدته، بينما آبى التي انتقلت للسكن بجواره هي ووالدها لها تصرفات غريبة يشعر بها الصبي، ثم تقع سلسلة من جرائم القتل في القرية النائية ونكتشف أنها من تدبير والد الفتاة كي يحضر دم ضحاياه لتشربه ابنته الصغيرة مصاصة الدماء التي تحاول أن تقف بجوار الفتى أوين ليتغلب على مخاوفه ويأسه وشعوره بالوحدة.

مشاعر متشابكة حاول الفيلم إبرازها في فترة ما قبل المراهقة لكنها صعبة، لأنه يدخل في منطقة مفجعة باستعانته ببطلين صغيرين لأداء الأدوار الرئيسية، فنحن أمام طفلة مصاصة دماء، وهذا هو المثير والمغري لجمهور المراهقين الذين سيقبلون على الفيلم باعتبارهم الفئة الكبرى لرواد دور العرض في العالم الآن، فيصبح التساؤل ضروري هل من أجل مغازلة الشباك ندفع بمصاصي دماء أطفال ومراهقين ونصور جرائمهم ومخاوفهم بهذا الحد من العنف والدموية، تلك هي الخطورة بذاتها وليست الخطورة من العنف وضغوط المشهد السياسي خلال عهد ريجان كي يدعى مخرجه.

كما قال عقب عرضه في صالة المهرجان وتفسيره لتحول سلوك بطله في المستقبل، محملا الفيلم فكرة محور الشر ومخاوف أميركا من الاتحاد السوفيتي إبان مرحلة الحرب الباردة. المهم صالت وجالت مصاصة الدماء الطفلة لتواصل ممارسة حياتها في البحث عن ضحايا وكان آخرهم الشرطي الذي يبحث عن الحقيقة، والأهم أيضا هذه اللغة من المشاعر والعواطف التي نشأت بين الولد والبنت وحاول الفيلم عبر الأداء الرائع لأبطاله والموسيقى التصويرية الأكثر روعة وإضاءة ملهمة أن يصوب سلاح هذه العلاقة لتدخل قلوب المشاهدين.

فهل نتعاطف مع مصاصة دماء، ونقبل أن تمثل هذه الفتاة المجرمة أو زملاءه الأشرار في المدرسة فكرة أنهم الروس؟، وهل المواطن الأميركي »البريء« يعيش إلي هذا الحد من السذاجة متمثلة في شخصية الطفل » أوين« تحت ضغط العدو التقليدي، ونحن نعلم جميعا أن الروس لم يشكلوا يوما تهديدا مباشرا على المواطن الأميركي، تفسيرات كثيرة رمزية في عمل تجاري بحت لا يحتمل أكثر من كونه ينطوي تحت مسمى أفلام الرعب التي تغازل شريحة معينة من الجماهير.

(الحواس الخمس) وجه تلك الأسئلة والتفسيرات للمخرج الأميركي مات ريفز في لقاء خاص أكد فيه تمسكه بوجهة نظره الرمزية، على اعتبار أنها جرس إنذار للخطر المقبل والمحدق بأميركا في خوفها من المجهول، وهذا ما كانت تصوره دائما آلة الإعلام الأميركية تجاه كل ما هو آت من الجانب الروسي.وحول إعادة إنتاج الفيلم بعد النسخة الأولى السويدية لكن بإنتاج أميركي قال ريفز: صناعة وسوق الأفلام في هوليوود الأكثر شعبية، لأن عامة المجتمع الأميركي لا يشاهد سوى الأفلام الأميركية، وبرغم شهرة الفيلم بنسخته الأولى السويدية، إلا أن صناعة الفيلم مرة أخرى تكسبه جمهورا آخر، ذلك أن الأفلام الأميركية هي العنصر المسيطر على المشاهد في أميركا، ونادرا ما يشاهد سواها.

وعن براءة الطفل التي شبهها بأميركا، علق ريفز: الناس في أميركا لا يعرفون الآخر، وهذا عيب الأنظمة التي تريد أن نستقي منها المعلومات فقط، وبالتالي أرى في ذلك براءة قد تكون ساذجة مثل بطل الفيلم لكنه مرآة أردت من خلالها تنبيه المتلقين إلي خطورة وضعهم.

وحول طابع الرعب والعنف الذي يتسم به الفيلم.

أوضح أن من أكثر المشاهد حدة على الشاشة ولدى المتلقي كانت لقطات العنف والدماء، وإنها الأكثر إثارة خاصة بوجود الدماء والجثث الملقاة، وقال: أكثر التحديات التي واجهت صناعة الفيلم لم تكن هذه المشاهد، إنما العمل في الطقس البارد والمشاكل الإنتاجية، خصوصا أن هذه النوعية من الأعمال تعتمد على النتاج المستقل الذي واجه مشاكل كثيرة بعد الأزمة المالية العالمية، لكن مردود هذه الأفلام في البيع سريع وتقبل عليها المحطات التلفزيونية وتعرضها أكثر من مرة.

وعن تأثره بالمخرجين في صناعة فيلمه «دعني أدخل» أشار المخرج الأميركي إلى تأثره بالأفلام من النوعية ذاتها منذ صغره، وتعلقه بمخرجيها كألفريد هيتشكوك، وستيفن سبيلبرغ، وذلك من خلال مشاهد استلهمها منهم خصوصا فهمه لأهمية الموسيقى التصويرية التي تعمل على إيصال المشاعر الحقيقية للأحداث.

باختصار شديد يمكن القول، إن فيلم «دعني أدخل» من الناحية والفنية والبصرية يستحق المشاهدة، رغم قسوة مضمونة والواقع الذي يكاد يكون أغرب من الخيال، لكنها السينما بمفرداتها تبرع في حبس أنفاس المشاهد والتأثير عليه بأفكار ينساق وراءها حتى لو كانت خاطئة، عرفت هوليوود ذلك منذ زمن بعيد وتستخدمه في التأثير على الجمهور داخل أميركا وخارجها أيضا وهذا هو هدفها الحقيقي، فهل نستيقظ وننتبه أم نستسلم لبراءتنا في سذاجة تفوق حالة الطفل أوين؟!.

دبي - أسامة عسل