الكلام عن المتحف المصري القديم يطول، فهذا المتحف الكائن بميدان التحرير وسط القاهرة يحمل دلالات كثيرة ومعاني عاشها هذا المكان، مفصحاً من خلال الآثار الكائنة بداخله عن عصور ولت ولم يبق منها شيء إلا آثارها التي تروي بصدق أسرار تاريخ مصر بأكمله.

وتحكي عن روعة ما خلفه الفراعنة، حتى بات المتحف هو القبلة الأولى لكل من يأتي إلى زيارة القاهرة، سواء من السائحين الأجانب أو العرب®. في السطور القادمة نلقي الضوء على هذا المتحف وأهم مقتنياته.المكان معروف، حيث يقع المتحف المصري في مكان استراتيجي مرتفع القيمة، فهو في قلب القاهرة وفي أجمل ميادينها، إنه في ميدان التحرير، الذي يعتبر واحداً من أهم ميادين القاهرة سياسياً، وتاريخياً واقتصادياً® ويعد المتحف المصري القديم من أقدم وأهم المتاحف في المنطقة ولا ينافسه في الشهرة العالمية التي يحظى بها سوى متاحف عالمية على غرار »اللوفر« في بريطانيا و»متروبوليتان« في نيويورك الأميركية وإن كان المتحف المصري يتفوق في كم الآثار التي يحتويها والتي تنتمي إلى عصور ما قبل التاريخ وحتى نهاية العصر الفرعوني.

الزائر لمتحف التحرير بالقاهرة، سيلفت انتباهه تصميم هذا المبنى بحرفية عالية ليتوافق شكله مع كل جزء في ميدان التحرير، وقد أسس المتحف عام 1869 على يد »مارسيل دورنو« وهو مهندس فرنسي الجنسية، قام بتصميم بناء المتحف على الطراز الكلاسيكي القديم.

لكن بداية التفكير في إنشاء متحف مصري لجمع الآثار، كما تذكر المراجع التاريخية، بدأ قبل ذلك بكثير، وبالتحديد في عام 1852، حينما أصدر محمد علي باشا والي مصر مرسوماً بإنشاء متحف للآثار، فوقع الاختيار على مكان مؤقت ما بين ميداني الأوبرا والعتبة بوسط القاهرة، واحتضن هذا المكان لفترة الآثار التي كانت تُكتشف هنا وهناك عن طريق عمليات الحفر والتنقيب.

ولكن حكام مصر وأهلها في هذا الوقت لم يعرفوا بقيمة هذه الآثار، فبعضها نُقل عن طريق الهدايا إلى »فيينا« عاصمة النمسا، وأخرى تمت سرقتها حتى تم تعيين شخص اسمه »مارييت« رئيساً للمتحف وكان محباً للآثار ولمصر، لذلك كان حريصاً على نقل أي قطعة آثار إلى المتحف خوفاً عليها من الضياع أو السرقة.ويذكر علماء الآثار أنه في عام 1836م فكر الخديوي إسماعيل ببناء متحف أكبر من المتحف الضيق الذي أنشأه محمد علي، فقام بإعطاء مارييت (عربخانه) لتوسيع متحفه.

لكن بعدها حدث فيضان النيل ليغرق جزءاً كبيراً من هذه الآثار، حتى جاء العام 1920 ويصدر قرار ببناء المتحف الحالي والمعروف بمكانه في ميدان التحرير، وقد تم نقل كل الآثار إليه وتعيين محمود حمزة كأول مدير للمتحف المصري الحالي عام 0591، بينما كان أحمد باشا كمال يتولى الاهتمام بالمتحف في الفترة ما بين 1920 إلى 1950.

توابيت الفراعنةيبدأ المتحف المصري القديم عمله اليومي من الساعة التاسعة صباحاً حتى الخامسة مساءً، والزائر له لابد أن يعبر من بوابة رئيسية تقوده إلى حديقة كبيرة عند المدخل، تنتشر بها بعض من التماثيل والآثار الفرعونية.

أما مبنى المتحف ذاته، فيتكون من طابقين أحدهما أرضي والثاني علوي، خصص الأول للآثار الثقيلة أما العلوي فقد خصص للآثار الخفيفة فيما يتجاوز عدد القطع في الطابقين الـ 150 ألف قطعة أثرية، بخلاف الصناديق الأخرى الموجودة في مخازن المتحف والتي لم تفتح إلى الآن، حيث ينتظر نقلها إلى المتحف الكبير الذي يقع على مساحة 711 فداناً بطريق الإسكندرية الصحراوي بمحافظة الجيزة بمصر ومقرر افتتاحه العام 1102.

ونعود إلى المتحف المصري القديم، الذي يحتوي على قطع أثرية نادرة، قسمت حسب المعلومات التي أكدها مسؤولو المتحف، وفقاً لأهميتها أو كمية توفرها، ويختص القسم الأول بآثار الملك توت عنخ آمون، بينما اختص القسم الثاني بآثار مصر القديمة، والثالث بآثار الدولة الوسطى.

بينما اختص القسم الرابع بآثار مصر الحديثة »فترة رمسيس الثاني وتوت عنخ آمون ومرنبتاح وأخناتون وتحتمس«، أما القسم الخامس فاحتوى آثاراً تبدأ من الأسرة الحادية والعشرين حتى الأسرة الثلاثين، فيما كان القسم السادسة للبرديات والعملة.

وعندما تزور المتحف المصري القديم سيلفت انتباهك روعة الأواني الفخارية (من عصور ما قبل التاريخ)، كما ستقف مشدوداً أمام معرض خاص لتماثيل من الكرنك عثر عليها عالم المصريات الفرنسي »جورج لوغران« في عام 1940.

حيث توجد بإحدى قاعات المتحف عشرة تماثيل ترجع إلى الدولة الوسطى منها تمثال الملك »سنوسرت الأول« وهو من الأسرة الثانية عشرة، بالإضافة إلى تماثيل لكل من الملك »أمنمحات، زوسر، خوفو/خفرع/منكاورع، بالإضافة إلى تماثيل لأمنمحات الأول/ الثاني/ الثالث الذين ينتمون للأسرة الثانية عشرة، وتماثيل أخرى لحتشبسوت/ تحتمس الثالث من الأسرة الثامنة عشرة.

أوان نادرة

وبجانب التماثيل يحتوي المتحف على بعض الأواني منها أربعة أوانٍ لمنشدة آمون، والعديد من القلائد المصنوعة من الذهب حول رقبة مصنوعة من صفائح الذهب بعضها من الطراز التقليدي، وبعضها له ثقل من الخلف لتوازن القلادة على الصدر.

كما يوجد بالمتحف أيضاً أدوات تجميل الملكة حتب حرس، بالإضافة إلى أربع أساور من مقبرة الملك جر، وإناء للدهانات ممثل عليه رمز مصر الموحدة، والتابوت الخارجي للملكة مريت آمون، وتمثال جالس لرع حتب، وتمثال جد -إيست-إيو-إف-عنخ بن خنسو-مس.

وتحتضن جدران المتحف أيضاً أواني الأسر المالكة عبر العصور، وأدواتهم التي كانوا يستخدمونها، ومجوهراتهم، وبعض الوثائق الأثرية القديمة والنادرة بالإضافة إلى بعض المجموعات الفرعونية مثل مجموعة توت عنخ آمون من الأسرة 18، وهذه المجموعة تحتوي على أكثر من 3500 قطعة أثرية من الذهب الخالص هذا بالإضافة إلى مومياوات مجموعة توت عنخ آمون ومجموعة كنوز تانيس.زائر المتحف المصري القديم يمكنه أن يجلس في أحد مقاهي ميدان التحرير العريقة.

والتي كان يجلس عليها الأدباء والمفكرون والسياسيون وغيرهم، أما إذا لم تجلس على أحد هذه المقاهي فبإمكانك التجول بأحد شوارع الميدان الفسيحة ذات الطراز الأوروبي وصولاً إلى إحدى الوزارات الكثيرة بشارع قصر العيني، أو مبنى جامعة الدول العربية، أو ميدان عبدالمنعم رياض، أو إحدى شركات السياحة والطيران، أو المطاعم الغربية والشرقية التي تحتل نواحي عديدة من شوارع الميدان®.

هذا بجانب أكبر مجمع للخدمات في مصر، وهو مجمع التحرير الذي يحتوي على أكثر من 1400 حجرة بارتفاع 41 طابقاً.تشهد الساعات المتأخرة من الليل وقوف العديد من عربات الحنطور بجانب المتحف لنقل السائحين في رحلات داخلية في شوارع الميدان، فكل من زار الميدان أثنى عليه فرحلات السياح تمر به في الكثير من الأوقات.

القاهرة - دار الإعلام العربية