غابت عن دنيانا وتركت بداخلنا صوتاً قوياً يملأه الشجن والحنين، يصدر عن قلب يبدو أنه كان ينبض بمشاعر رقيقة وأحاسيس جياشة، هو صوت المطربة رجاء عبده التي تعد واحدة من أشهر مطربات الغناء في مصر في عصر أم كلثوم وأسمهان، فرغم مرور 11 عاماً على رحيلها، وبالتحديد في 72 أكتوبر 1999م، لاتزال أغنيات رجاء عبده حاضرة بقوة في أذهان وقلوب مستمعيها الذين عاصروا أو كادوا.

هي مطربة »اشهدوا يا ناس على ظلم الناس«®. »البوسطجية اشتكوا«، التي تهل ذكرى وفاتها الحادية عشرة هذا الشهر لتحمل معها عبق زمن جميل وحافل بالذكريات.رجاء عبده، أو »اعتدال جورجي عبده آتون« اسمها الحقيقي، هي مطربة وممثلة مصرية ولدت في القاهرة في 31/11/0291، وبدأت معرفة الجمهور المصري والعربي بصوتها الجميل في عام 1983، ورغم تعلق الجمهور آنذاك بصوت أم كلثوم وأسمهان، إلا أن رجاء نجحت في أن توجد بصوتها وجمالها وسط هؤلاء العمالقة، فكما يذكر معاصرو هذه الفترة، كان هناك عشرات من سيدات المجتمع الراقي بكل تقاليده، لا يتمالكن أنفسهن، ولا يستطعن أن يحبسن دموعهن عندما يسمعن منها:

»اشهدوا يا ناس على ظلم الناس«، فضلاً عن شركات سينمائية حققت مكاسب طائلة وثروات ضخمة من الأفلام التي قامت ببطولتها رجاء عبده، 31 فيلماً، وعلى الرغم من كل ذلك، وتعلق الجمهور بصوتها انزوت رجاء عبده فجأة وهجرت الفن بعد رحلة قصيرة.

محاولات سابقة

بدأت مسيرة رجاء عبده كمطربة هاوية عام 1923، وهي طالبة، وتعلمت العزف على البيانو، وكانت تغني مع زميلاتها في المدرسة الأغنيات التي كانت لا تزال حديثة في ذلك الوقت لأم كلثوم ومحمد عبدالوهاب، وذات يوم قرأت إعلاناً في إحدى الصحف عن حاجة شركة أفلام عبدالوهاب إلى فتاة تمثل دور البطولة في فيلم »الوردة البيضاء«، فطلبت من والدتها أن تصطحبها إلى المخرج محمد كريم للاشتراك في مسابقة الوجوه الجديدة، فلم تمانع الأم.

وذهبت »اعتدال« »رجاء عبده« ووالدتها واستقبلهما محمد كريم ومحمد عبدالوهاب، عندما جاء دورها، وغنت أشهر أغنيات عبدالوهاب في ذلك الوقت »حسدوني وباين في عينهم«، وسمعها عبدالوهاب بإعجاب، وقال لها: »فعلاً صوتك حلو وبتغني من غير نشاز، لكن« فسألته بلهفه: لكن إيه؟

فأجابها المخرج محمد كريم بأنها لا تزال صغيرة، ودور حبيبة محمد عبدالوهاب في الفيلم لابد أن تمثله بنت أكبر منك بعشر سنوات، وبكت يومها بشدة على ضياع ما اعتبرته فرصة العمر، على الرغم من وعد المخرج محمد كريم بإعطائها الفرصة في الوقت المناسب.

ويومها وقع الاختيار على سميرة خلوصي، وكان اسمها في الفيلم رجاء والذي اختارته اعتدال جورجي عبده آتون اسماً فنياً لها رجاء عبده، وأصبحت تغني بهذا الاسم الجديد.

وخلال هذه الفترة أصبحت »رجاء عبده« مطربة الإذاعة والحفلات، وطبعت لها شركة أوديون اسطوانات بصوتها، وأثناء ذلك فوجئت بالتاجرين ليونو وجوزيف باروخ اللذين كانا يعملان في بيع المجوهرات، يأتيانها ليتفقان معها على بطولة فيلم وراء الستار الذي أخرجه كمال سليم عام 1973 مقابل مائة جنيه ووافقت على الفور رغم أن الفيلم من حيث المستوى كان دون أحلام المطربة التي كانت على أبواب الثامنة عشرة.

مع عبدالوهاب

وبعد عشر سنوات كاملة تجدد حلمها القديم، والأمنية التي لم تتحقق لها وهي في السادسة عشرة، وجاءها محمد عبدالوهاب ومحمد كريم ليوقعان معها عقد فيلم »ممنوع الحب« مقابل 200 جنيه.

ورغم أن أجرها كان قد ارتفع في تلك الفترة كثيراً، إلا أنها وافقت حتى تحقق هذه الأمنية، وبعد هذا الفيلم قدمها محمد عبدالوهاب في فيلم آخر من إنتاجه دون أن يشارك في بطولته هو الحب الأول عام 1954، والذي قدمت فيه أغنيتها الشهيرة »البوسطجية اشتكوا« التي أعطتها شهرة فاقت ما حصلت عليه في فيلم »ممنوع الحب« من شهرة، وقد كتب كلمات هذه الأغنية المخرج حسن الإمام.

وقد اعترضت عليها رجاء عبده في البداية لأن كلماتها لم تعجبها، لكن اللحن الذي وضعه الموسيقار محمد عبدالوهاب للأغنية جعلها توافق، كما أفهمها مخرج الفيلم جمال مدكور أن الأغنية ستكون ضمن استعراض جميل في فيلم »الحب الأول«، ولهذا اشترت الفستان الفرعوني الذي ظهرت به في الأغنية التي شاعت وترددت على ألسنة كل الناس وحتى الآن.

كانت رجاء عبده هي المطربة الوحيدة التي تملك من قوة الصوت وجمال الجسد ما يمكنها من أن تمثل للسينما، وأن تغني للمسرح دون أن يتعب صوتها أو يبدو على وجهها الإرهاق وهي واحدة من قليلات بين مطربات الثلاثينات كانت تجمع بين جمال الصوت والشكل، وإلى جانب ذلك كانت أنيقة جداً، بل وكانت تشترط في عقود أفلامها أن تترك لها حرية اختيار الملابس التي تظهر بها، لدرجة أن ميزانية فيلم »حبايبي كثير« الذي أنتجته لحسابها عام 1950 بمشاركة الشاعر الغنائي عبدالعزيز سلام اهتزت بسبب إنفاقها على ملابس دورها، وخسر ذلك الفيلم.

ويقول مؤرخون ان رجاء عبده كان بإمكانها أن تحقق مكانة عظيمة على الساحة الفنية، لولا عنادها وغرورها، حيث سيطر عليها الاعتقاد بأن حلاوة صوتها هي سر نجاحها، دون أي اعتراف بأن الكلمات الجيدة واللحن الجيد لهما دور في هذا النجاح، وأنها ما كان يمكن أن تحقق ما حققت من نجاح في زمن قصير لولا أنها مثلت مع محمد عبدالوهاب وغنت من ألحانه في بدايتها.

بطولات سينمائية

لكن رجاء عبده كانت قد دخلت السينما من الباب العالي، باب البطولات، فمثلت فيلماً آخر هو »صرخة في الليل« مع »بدر لاما«، وإخراج إبراهيم لاما عام 1914، ثم بعد ذلك الأبرياء، المظاهر، ليلة حظ، الحب الأول، أصحاب السعادة، بياعة اليانصيب، ورد شاه، ليت الشباب، كما قامت بعدة رحلات فنية إلى تونس، فلسطين، لبنان، المغرب، والعراق.

قصة زواج

تزوجت رجاء عبده مرة واحدة من د. يوسف عطية أخصائي النساء والتوليد، والذي جاء لقاؤها به مصادفة عندما شعرت بألم في معدتها، فذهبت إليه وقام الطبيب بالكشف عليها، وتواعدا على لقاءات أخرى، وذات يوم زارتها صديقتها، وكانت مريضة وبحاجة إلى ممرضة لإعطائها حقنة كل ثلاث ساعات، فاتصلت رجاء بالدكتور يوسف ترجوه أن يساعدها في إيجاد ممرضة لصديقتها، فإذا به يتطوع لإعطائها الحقن بنفسه..

وأصبح يأتي كل ثلاث ساعات إلى منزل رجاء، وبعد تماثل صديقتها للشفاء أرسل لها رسالة شفهية مع إحدى صديقاتها يسألها ما إذا كانت على استعداد لاستقباله ليطلب يدها للزواج، وتواعدا على اللقاء في شرفة بيتها، وسألته هل تعرف من هي التي تريد الزواج منها فقال:

طبعاً أنت: أنا رجاء عبده الفنانة المشهورة، لكن في الوقت نفسه اعتدال الإنسانة البسيطة، التي تريد أن تؤسس أسرة سعيدة وبيتاً مستقراً، فرد عليها: أنا أريد الزواج من اعتدال البسيطة.

وصممت رجاء عبده على أن تحضر عائلته لطلبها رسمياً، فأحضر شقيقه، وفعلاً تم الزفاف وأحيى الحفل يومها عام 7491 عبدالحليم حافظ، ولم يكن قد عرف بعد، وكان يتردد على رجاء عبده بوصفها مطربة مشهورة لتشركه في الحفلات التي كانت تقيمها باستمرار.

بداية المشكلات

عاشت رجاء عبده مع يوسف عطية عاماً كاملاً تحوطهما السعادة، وفي هذا العام أنجبا ابنهما الأكبر عصام ثم أنجبا ولدهما الثاني عمر الخيام، وأثناء ذلك بدأت الخلافات الزوجية تدب بينهما نظراً لإصرار الزوج على السهر خارج المنزل وتجاهله لزوجته وأبنائه، حتى وقع الطلاق بينهما في عام 1935، ويقال إن رجاء لم تكن تريد الطلاق، وإنما كانت تريد الضغط على زوجها ليترك اللعب والسهر، لدرجة أنها بكت عند وقوع الطلاق بالمحكمة الشرعية التي كانت منوطة بالفصل في قضايا الطلاق.

اعتزال

مرت السنون، وابتعدت رجاء عبده المطربة والممثلة عن ساحة الفن، وكان آخر فيلم ظهرت فيه هو كباريه الحياة من إنتاج فريد شوقي عام 1977، وبطولة محمود المليجي ومها صبري وإخراج محمود فريد، مثلت فيه دور فنانة مشهورة تخلى عنها الحظ بعد أن غدر بها رجل أحبته فسرق أموالها، وتركها لا تملك شيئاً، وقد عبرت عن هذا الموقف بأغنيتها اشهدوا يا ناس على ظلم الناس، والغريب أنها بعد ما انتهت من تمثيل الفيلم شاهدت بنفسها .

وعلى الطبيعة ظلم الناس لها، فقد ذهبت إلى مكتب فريد شوقي، الذي كانت تديره ابنته ناهد لتحصل على باقي مستحقاتها عن الفيلم، وأعطاها المدير المالي حسابها، وبقي له عندها عشرة قروش، فأصر على أن يأخذها لكنها اعتذرت لعدم وجود »فكه« معها، وخرجت لتروي الواقعة لفريد شوقي، وبدلاً من أن يحاسب المدير المالي، قال لها والله يا مدام رجاء ما عنديش عشرة صاغ.

وكذلك أعتذر لها المخرج عاطف سالم الذي كان موجوداً أيضاً، وتطوعت ناهد فريد شوقي بإعطائها المبلغ، ولكنها لم تتحمل هذا الموقف فأخرجت جنيهاً من جيبها، وأعطته للساعي وطلبت منه أن يفكه، وقالت له: أعط عشرة قروش لمدام ناهد وخللي الباقي علشانك، وخرجت من المكتب مسرعة، ولم تعد إليه أبداً.

القاهرة: دار الإعلام العربية