كنوز موسيقية تغطيها أتربة الإهمال وعدم وجود مدارس متخصصة تنفض عنها هذا الغبار لتشع معزوفات وأنغاما شجية، هذا هو حال الكثير من أبناء الدولة الذين يعشقون الموسيقى، ولا يجدون من يتعهدهم بالرعاية والاهتمام في صغرهم لتضيع العديد من المواهب.
وتفقد الدولة إبداعات موسيقية كان يمكن ان يكون لها شأن مع رموز المعزوفات العالمية، »الحواس الخمس« طرق هذه القضية مع مجموعة من المواهب والخبراء في محاولة لوضع روشتة علاجية قبل فوات الأوان في السياق التالي.خولة منذ الصغر تعشق الموسيقى، ولا تمل سماعها أو عزفها، وتطورت هذه الموهبة عندما التحقت بالمدرسة الموسيقية التي يرعاها الموسيقار رياض قدسي، هكذا استهل سعيد الرايحي والد خولة.وهو يشيد بالمنهج العلمي المتخصص الذي يتبناه رياض قدسي في صقل المواهب، ويثني على أسلوبه الراقي الذي أسهم في وضع ابنته خولة على مشارف الاحتراف، لكن يتحسر الرايحي على عدم وجود معاهد أو جامعات متخصصة تكمل بها ابنته مرحلة ما بعد الثانوية، حيث تؤهل المنهج التي يتبناه رياض قدسي الطالب إلى ما يوازي المرحلة الثانوية.
وهو لا يمانع ان تواصل ابنته تعليمها الموسيقي في الخارج ان أحبت ذلك، فالأمر في النهاية متروك لها، ولا يتدخل في خيارتها المستقبلية، لكنه يراها اقرب للموسيقى واحترافها وبشهادة رياض قدسي الذي يتعهدها بالرعاية والاهتمام وأصبحت من العناصر المشرقة في سيمفونيته الناشئة.
وبالنبرات المتحسرة ذاتها يتحدث الطالب محمد الحوسني، وهو الأول على دفعته في مركز الشارقة لتعليم الموسيقى تخصص (قانون) انه منذ صغره عاشق للموسيقى والعزف على آلة القانون، لكنه لم يجد مدرسة يتعلم فيها العزف بطريقة أكاديمية متخصصة، إلى ان تم إنشاء مركز الشارقة لتعليم الموسيقى فوجد فيه الملاذ الآمن، لكنه لا يزال يتحسر على ضياع طفولته فكان يفترض ان يكون الآن على مشارف التخرج في الجامعة.
وعازفا محترفا، لذا يتمنى لو يتم إنشاء مدارس متخصصة في تعليم الموسيقى على نهج أكاديمي يؤهل الطالب ويصقل موهبته في الخامسة أو السادسة، ويتمنى لو يتم إنشاء جامعات أو معاهد متخصصة لان المركز وحده لا يكفي، وان كان خطوة ناجحة ومشرفة تشكر عليها وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، والموسيقار عيد الفرج، صاحب الجهد الكبير في ان يرى المركز النور.
ويؤكد حديثه عازف العود محمد راشد، الذي عانى ظروفا مشابهة في طفولته، وهناك عدد من المواهب في سن الخامسة والرابعة يعلمها جيدا، لكنها لا تجد التأهيل المبكر والرعاية التي تصقلها على أسس أكاديمية، وهذا لن يتم في ظل الأوضاع الحالية، لأنه لا توجد سوى مدرسة موسيقية واحدة متخصصة على مستوى الدولة وهي مدرسة البيانو في ابوظبي وتعنى بتعليم البيانو فقط.
ولا توجد مدارس شاملة لجميع الآلات مثل العود والشلو والقانون.ويشاطره الرأي عازف الكمان عبد الله الشاعر بأن عدم وجود مدارس موسيقية متخصصة في الدولة يحرم الوطن من عباقرة المستقبل، ويؤخر نضجها الموسيقي المبكر، وربما طواها النسيان.
وهو والعديد من زملائه يرون أن لولا مركز الشارقة لتعليم الموسيقى لكانوا في طي النسيان أو على قارعة طريق المواهب، بعيدا عن الاحتراف والنوتة الموسيقية التي تعلمها في المركز، وهو حال الكثير من المواهب التي تبحث عن الاحتراف، ويحاول الشاعر ان ينقل تراكم خبراته البسيطة إلى الصغار ويعلمهم أصول النوتة وأبجديات العزف، لكن لابد من مدارس متخصصة تأخذ بيد هؤلاء الصغار.
ويقول فاضل الجاسم، عازف شلو، ان وجود مدارس متخصصة ومؤسسات أكاديمية داخل الدولة تدرس الموسيقى من شأنه أن يزيل العديد من المفاهيم الخاطئة حول الموسيقى ودراستها، حيث يعتبرها البعض مضيعة للوقت ولا فائدة من ورائها.
ويصف الموسيقار رياض قدسي غياب المدارس الموسيقية في الدولة والرعاية والتأهيل الأكاديمي المتواصل للمواهب الموسيقي بالهدر الفني لأن الدولة تخسر بهذا الأسلوب المئات من الكنوز الموسيقية، حيث اثبتت الكوادر المواطنة قدرتها على العطاء والتميز في هذا المجال.
مشيرا إلى ان عددا منهم أعضاء في سيمفونية الإمارات للناشئة ومنهم خولة سعيد الرايحي وسارة الكعبي وسيف الجهوري وميرة غباش، ولديهم سجل حافل من المشاركات المتميزة مع الفرقة، ويتنبأ لهم بمستقبل مشرق في عوالم الفن والموسيقى، خصوصا خولة التي تعتبر متميزة وعازفة تعشق الموسيقى وهو أمر يؤهلها للاحتراف والعالمية.
ومن جانبه يؤكد الموسيقار عيد الفرج، مدير مركز الشارقة لتعليم الموسيقى، ان الدولة متمثلة في وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع تولي الجانب الموسيقي اهتماما كبيرا، وتعول على المدارس في صقل المواهب لأنها ثروة وطنية يجب الحفاظ عليها.
وعن طريقها يمكن الحفاظ على التراث الموسيقي الوطني للدولة فضلا عن تحقيق حلم العالمية وتشريف الدولة في المحافل الدولية، وأول الغيث في هذا الإطار كانت مدرسة البيانو في ابوظبي، والبقية ستأتي وفق خطط مدروسة، بعيدا عن الاستعجال وفق أولويات الوزارة.
دبي - عماد الدين إبراهيم

