ظهرت المسارح القومية في الوطن العربي في منتصف خمسينات القرن الماضي، وربما كانت مصر سباقة إلى هذا الأمر دونا عن سواها، ثم انتقل الأمر إلى باقي الدول العربية وعلى رأسها سوريا.

حيث صار المسرح القومي هو الحضن الذي يجمع كل الفنانين المحترفين والموهوبين والمائدة التي تتسع لأي إبداع يتعلق بخشبة المسرح، وبهذا صار المسرح القومي المصطلح الذي يرتبط بالعمل الجاد والموضوعي والذي يحقق مقولات هادفة على صعيد المجتمع، والأهم أنه في غياب المعاهد المسرحية صار المسرح القومي صانعا للنجوم، والبوابة الثقافية التي يدلف منها الممثل والكاتب والمخرج إلى معترك الحياة العملية.ومع تراجع دور المسرح وضعف إمكانات المسارح الرسمية في وطننا العربي في السنوات العشر الماضية على الأقل، صار المسرح القومي الظل الذي لا شمس له، وصارت الأسماء التي تعمل فيه هي تلك التي لا تجد عملا بالتلفزيون، وانسحب دوره من صانع للنجوم إلى مكان لا روح فيه، في ما لم يصبح للمسارح التي تنتمي إليه همّ آخر غير استضافة عروض أخرى بعيدة عن توجهه والروح التي انطلق من أجلها.

ولعل واحدة من المشاكل التي تواجه المسرح القومي كمؤسسة مسرحية ذات تاريخ وحضور إبداعي في المسرح العربي هو الدعم المادي الذي يؤهل لعودة جديدة له، في الوقت الذي حقق فيه التلفزيون فتوحات فنية خطيرة، وصار العمل فيه يحقق مجدا لصاحبه وعائدا ماديا محترما، وهكذا بدلا من أن يظل للمسرح القومي وقاره وحضوره ومشاهدوه الذين يدعمونه ماديا ومعنويا، غاب عن دائرة الفعل.

ولعل في نافذتنا عليه عبر تلك المساحة قد ندخل مع عدد من المسرحيين في تصورات ما حول مستقبل المسرح القومي وآلية تفعيله خليجياً وعربياً.

المسرح القومي غائب عن المشهد الخليجي

يشكل غياب المسرح القومي عن الساحة الخليجية بشكل عام حالة تساؤل في أوساط المعنيين بالشأن المسرحي لدرجة تدعو البحث عن دور وزارات الثقافة في العملية المسرحية بشكل عام ، إذ إن الفرق الأهلية لا يمكن لها أن تحل محل مسرح ينتمي لوزارة الثقافة من حيث الدعم والتوجه والالتزام.

وقد اعتاد المسرح القومي أن يكون حاملا لعبء قضايا مسرحية مهمة تنتمي للواقع أو تمضي باتجاه رسائل إنسانية عبر النصوص العالمية التي كانت الذخيرة التي اعتمد عليها المسرح في البدايات، ولا سيما في القاهرة ودمشق وتونس، فيما عرف شكسبير وراسين وكورنيه وبن جونسون وابسن وسترندبرغ من خلال المسارح القومية التي كان لها الفضل في إرساء دعائم حركات مسرحية لافتة.

ويعترف الفنان القدير دريد لحام في أحد حواراته الصحافية النادرة في مرحلة البدايات أن المسرح القومي أسهم في نشر ثقافة غربية في البداية ولكنه سرعان ما دخل في هموم الناس ولفت الأنظار إلى جيل جديد من الكتاب الذين صاروا يستوعبون النص الأجنبي ويعيدون إنتاجه بطرق إبداعية جديدة، وهذا ما أسهم بدوره في ولادة كتاب مبدعين لا تزال إنتاجاتهم الإبداعية محط أنظار وموضع فخر للمسرح العربي.

وإذا كانت الكويت على الصعيد الخليجي تسعى لتكريس مرور سبعين عاما على ولادة المسرح على أرضها ومنذ العام 9391، فإن دولا أخرى مثل البحرين والإمارات وقطر والسعودية وغيرها مضت باتجاه تعميق المسرح في البنية الاجتماعية، ولكن لم يتح للمسرح القومي الذي انتشر في بلاد مجاورة مثل مصر وسوريا والعراق والأردن في مرحلة متأخرة وتونس والمغرب أن يحظى بفرصة للظهور في دول الخليج العربي لأسباب غير معروفة .

وتعتبر وزارات الثقافة هي المبادر في حالات كهذه على حد تعبير الكاتب إسماعيل عبد الله رئيس جمعية المسرحيين في الإمارات، لافتا الى أن المسرح القومي هو مؤسسة رسمية تتبع لوزارة الثقافة عادة.

ويكون من مهماته الارتقاء بالذائقة الفنية والفكرية، لتكون عروضه احترافية بالمعنى المباشر للكلمة، متمنيا أن يكون له دور وحضور وأهمية في المشهد المسرحي الخليجي، منوها أن الفرق الأهلية والنظام الذي تتعاطى فيه أمر مختلف لما يحدث مع المسرح القومي الذي يعتبر بحق اللبنة الأهم في جعل المسرح متوازنا وحاضرا في المشهد المسرحي الجاد.

ولعل المسرح القومي في مصر يعتبر الأب الشرعي لكل المسارح القومية في العالم العربي بفعل الدور الكبير الذي قام به مطلع القرن العشرين والذي حظي بجهود مؤسسين متميزين ورواد قدموا كل ما يملكون دعما لقضية مسرحية ظهرت نتائجها لاحقا ، ولعل فرقة أبو خليل القباني قبل العام 0091 بقليل قد أسهمت في إطلاق مواهب مسرحية حملت لواء تقديم عروض وطنية آنذاك.

ويشير الدكتور أسامة أبوطالب الرئيس السابق للبيت الفني للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية الى أن المسرح القومي في مصر يعتبر البيت الذي كبر فيه كل أركان عائلة المسرح في مصر، وقد قدم نجوما للساحة الفنية .

وهذا باعتراف منهم، إذ إن المسرح القومي كان وما زال المكان الاحترافي الذي يجتمع الكل تحت لوائه، وإذا كان ثمة تراجع قد حصل فيه فهو جزء من تراجع عام في العالم العربي وهو جزء من تراجع دعم المسرح وانكسار ما يمكن ان نسميه المسرح المحترم على حساب تصاعد أسهم مسارح أخرى ربما هي اقل بكثير من المسرح القومي.

ويؤكد الفنان القدير أسعد فضة أحد مؤسسي المسرح القومي في سوريا في حديثه مع »الحواس الخمس« أن المسرح القومي في سوريا كان البوابة التي خرج منها كل النجوم والفنانين المحترفين وفي ظل غياب شبه كامل للمسرح الجاد لعب المسرح القومي دورا مهما وعبر خبرات مسرحية كبيرة وجهود فاعلة للرواد في إرساء المسرح الرسمي الجاد.

ولا بد من الإشارة إلى أن الساحة لم تكن خالية من الفرق الأهلية في دمشق وحلب مطلع الستينات، ولكن لم يكن هناك مسرح قادر على أن يقول كلمة فاعلة في المشهد المسرحي المؤسساتي أو الجاد غير المسرح القومي الذي شكل مع المسرح القومي المصري شعلة الانطلاق لمسارح قومية أخرى في العالم العربي.

ويؤكد عماد جلول مدير المسارح والموسيقى في وزارة الثقافة السورية أن هناك جهودا تبذلها وزارة الثقافة في سوريا من أجل الخروج بنتائج مثالية في وقت ما عاد العمل في المسرح يجذب فيه الممثلين المحترفين لأسباب لها علاقة بالأجر المادي الذي تقدمه المسارح الملتزمة والجادة، ليس في سوريا فقط، بل في معظم دول العالم العربي، وبالتالي فإن آفاقا جديدة للمسرح القومي واردة في ظل دعم مادي أهم وأشمل.

وربما وزارة الثقافة في سوريا تسعى للحصول على هذا الدعم ومكافأة المتميزين بأجور خاصة تقدر مواهبهم ، منبها ان تحت عباءة المسرح القومي هناك عدد كبير من الممثلين المتفرغين له في سوريا يتقاضون أجورا شهرية لقاء تفرغهم للمسرح، وهذه واحدة من المكرمات التي حظي بها الفن في سوريا .

دبي - جمال آدم