طريق الألف ميل يبدأ بخطوة، والسينمائيون الإماراتيون بدؤوا بها وينتظرون تكاتف الجهود والتفاتة جريئة من المسؤولين ليتبنوا ويدعموا هذه الكوادر الشابة الطموحة، و(الحواس الخمس) يتمنى مع هؤلاء المبدعين أن يرى في الأيام المقبلة شركات ومؤسسات خاصة وحكومية تزيد من رعايتها وتمويلها للسينما والسينمائيين في الإمارات.

مقدمة ضرورية عكسها فيلم »الفيلسوف« الذي أعلن »دبي السينمائي الدولي« منذ أيام عن مشاركته في مسابقة المهر الإماراتي التي تقام للمرة الأولى ضمن مسابقات المهرجان المختلفة، فهو من إبداع المخرج الإماراتي عبد الله الكعبي الذي يستكمل حاليا رسالة الماجستير في باريس.وبتمويل جهات إنتاجية مرموقة في فرنسا قامت بدعم الفيلم كاملا، حيث بلغت ميزانيته 200 ألف يورو في إطار طبيعة فرنسا المهتمة بالبحث والتنقيب عن عناصر ثقافية وفنية تساعدها وتكرس من خلالها فكرة تلاقي الثقافات والحضارات، الشعار الرسمي لمهرجان دبي السينمائي الذي أطلقه منذ دورته الأولى عام 2004.

ولم تكتف فرنسا بالتمويل فقط وتنفيذ الفيلم في باريس بطاقم عمل على أعلى مستوى مكون من 08 شخصاً بين ممثلين وفنيين، بل قام بأداء الشخصية الرئيسية ولعب دور البطولة في فيلم »الفيلسوف« النجم السينمائي والمسرحي الفرنسي جان رينو، بطل أفلام »لا فام نيكيتا« و»ليون:

المحترف«، و»المهمة المستحيلة«. وأكد بطل الفيلم جان رينو حسب ما قال الكعبي في لقائه ب»الحواس الخمس« أن النجم الفرنسي عندما شاهد النسخة النهائية ابتسم، وأعلن أنه يعمل مع مخرج متميز يمتلك من الخبرة سنوات طويلة، وهي شهادة تدفع الكعبي في الأعمال المقبلة إلى تدقيق الاختيار وبذل المجهود الكبير لتحقيق النجاح، وترجم جان رينو كلامه من خلال موافقته على الحضور إلى مهرجان دبي السينمائي لمشاهدة العرض العالمي الأول للفيلم وسط الجمهور.

ورفض الكعبي أن يكون اختيار قصة للمؤلف تشارلي فيش الهدف من السعي وراء جائزة الأوسكار، خصوصا أن معظم قصصه التي تحولت إلى أعمال سينمائية حصلت على هذه الجائزة، موضحاً أنه اختار العمل لأنه من إبداع كاتب أميركي يجيد ترجمة المشاعر الإنسانية، ومن ثم قام بتغيير العنوان الأصلي »قصة باجيو« إلى »الفيلسوف« لأنه كإماراتي وعربي يمتلك رؤية فنية يريد أن تتحول إلى جسر ثقافي بين الشرق والغرب.

وكتب السيناريو للفيلم سيلفيت بودرو الذي يبلغ ال18 من عمره، ويحظى بمسيرة مهنية تمتد إلى ستة عقود، عمل خلالها مع المخرج العملاق ألفريد هيتشكوك.

ولخص الكعبي محور قصة الفيلم بقوله: يهدف إلى تعريف المشاهد أن المال لا يمكن أن يحقق السعادة، التي منبعها الحب، فبطل الفيلم قرر التخلي عن أشياء كثيرة من أجلها، لكنه في النهاية يكتشف أن ما فعله من تخليه حتى عن أمواله ليس الطريق الصحيح لتحقيقها.

ويقابل البطل في النهاية شابا يعرفه قيمة السعادة وأنها لا تشترى بالمال وكذلك الأصدقاء، وقد استطعت التوفيق بين فكرة التخلي عن المال والبحث عن السعادة من المنظور العقلي، لكون أنني أريد من وراء هذا العمل مد جسور الحب والتلاقي بين الغرب والشرق.

ووجه المخرج الإماراتي عبد الله الكعبي نداء لداعمي الفنون بشكل عام وصناعة الفن السابع خصوصاً، من هيئات ومؤسسات وأفراد بدعم فيلمه الأول في ما يتعلق بتوفير الرعاية لطاقمه أثناء وجودهم للترويج له في دبي خلال المرحلة المقبلة، متسائلاً عن حقيقة شعارات تؤكد وجود دعم محلي للسينما الإماراتية، بعد أن تمكن من الحصول على تمويل فرنسي كامل لعمله الأول.

ووصف المخرج الإماراتي الشاب (42 عاما) نفسه ب»المحظوظ«، بفضل اختيار المنتج سيريل ديلاي بموهبته الإخراجية، مضيفاً: »تركت العمل التلفزيوني كمقدم برامج في قناتي »دبي« و»سما دبي« الفضائيتين من أجل دراسة الإخراج في باريس المدينة التي شهدت اختراع السينما وتاريخها حافل ويمتد إلي أكثر من مئة عام في هذا المجال، ولم أكن أعلم بأنني سأكون على موعد مع هذا الاحتفاء الفرنسي بدعم أحد أبناء دولة الإمارات«.

واسترسل المنتج سيريل ديلاي في حكاية معرفته بالكعبي قائلا: تعرفت اليه في باريس خلال جلسة مع صديق على مقهى وعرفت أنه إماراتي، فأبلغته أن لي شركة إنتاج مكتبها الرئيسي في فرنسا ولها فرعا في مدينة دبي للاستوديوهات، وأخذته للعمل في مكتب فرنسا ليكتسب الخبرة بعد معرفتي بأنه جاء لدراسة السينما، ولم أتردد في دعمه ونظرا لسابق تعاملي وأسرتي مع النجم جان رينو .

حيث ان عائلتي تعمل في مجال الإنتاج لأكثر من 23 عاما، وافق الممثل الفرنسي على عمل الفيلم القصير (16 دقيقة)، في تجربة لم يقدم عليها منذ أكثر من 51 عاما، وكانت مبهرة له بعد أن أشاد بإمكانيات الكعبي في الإخراج، حيث استخدم في العمل كاميرا واحدة فقط، بالإضافة إلى أنه الوحيد الذي قام بالمونتاج من دون تدخل أحد من المشاركين الفنيين معه بالفيلم.

وأضاف ديلاي: »هذه التجربة الجميلة قادتنا إلى تجربة روائية أخرى سيُكشف عنها قريباً، على نحو يجعل من شراكتي مع الكعبي شراكة ثنائية مثمرة، متمثلة في فيلم طويل يتم تصويره بين دبي وباريس بنجوم عالميين«.

ـ أسامة عسل