هذه سُنة الحياة، السفر والترحال بحثاً عن الرزق®. آباء وأمهات يتنقلون من بلد إلى آخر لتحقيق دخل أفضل وضمان حياة مستقرة لأبنائهم®.

لكن ما ان يسافر الأب والأم حتى تتصاعد الأفكار وتتوالى الاقتراحات من الأبناء في كيفية الاستمتاع بأوقاتهم، وغالبا ما يمضون في طريق الانحراف نتيجة توافر المال لديهم وضعف الرقابة على تحركاتهم من ناحية أخرى، وهو ما تكشفه إحصائيات حديثة تذكر أن 0 9% من هؤلاء الأبناء يتعرضون للإدمان ويصلون إلى مراحل متقدمة من الانحراف في غياب القدوة. »الحواس الخمس« رصدت قصصا لشباب وفتيات كانوا ضحية سفر الآباء والأمهات الى الخارج.

»ك.م.ت« طالب في السنة الثانية بإحدى الكليات الجامعية يقبع حاليا في أحد السجون بجريمة قتل وترجع قصته إلى أنه وجد نفسه في شقة خالية وليس معه غير شقيقته التي تدرس أيضاً في إحدى الجامعات في السنة النهائية، تركهما الأب والأم وهاجرا إلى دولة خليجية .

حيث يتقاضى فيها والدهما راتبا محترما، لم يجد الابن من يرشده إلى الطريق الصحيح فاعتاد الخروج ليلاً مع أصدقاء السوء الذين جعلوه كبيرهم لما يتمتع به من مزايا أولها أن والده يرسل له مبلغاً كبيرا شهرياً هو وشقيقته فعرف طريق الديسكو والملاهي الليلية وكان يجلس بينهم وهم حوله يعظمون فيه وهو بالطبع سعيد بهذا الإطراء.

ورغم صغر سن الابن إلا أنه كان يتقمص دور الزعيم، فاختلف ذات يوم مع أحد أصدقائه بسبب التنافس على حب فتاة، وكانت النتيجة أن أطلق »ك« على صاحبه رصاصة من مسدس والده فأرداه قتيلاً وأصاب آخر كان معه في نفس الطاولة، ورفاقه يهتفون ويصفقون تحت تأثير المخدرات وأكواب البيرة، وهو الآن في انتظار حبل المشنقة متهما بالقتل العمد مع سبق الإصرار.

وفي أقواله قال الطالب القاتل: والدي كان يرسل لنا أنا وشقيقتي 1500دولار شهريا وفتح لنا أيضا حسابا في البنك ليكون أمانا لنا حتى لا نحتاج إلى شيء، فأصبحت أعود إلى المنزل مع خيوط الفجر يوميا ولا أحد يسألني، فأدمنت المخدرات والخمر والنساء وبعد أن ينتهي المصروف أذهب إلى البنك وأسحب ووالدي يعلم مدى حجم الصرف ولكن لا يسألني لماذا كل هذا الصرف حتى أصبح بالنسبة لي ماكينة فلوس.

وأشار أنه ذات يوم أحب فتاة ولكنها أحبت صديقا له من نفس الشلة رغم أنه هو الذي يصرف عليهم، فحاول أن يقنعه بالابتعاد فرفض وسبب له ذلك إهانة أمام شلته فقرر الانتقام لكرامته بقتله.

الإشباع العاطفي

علماء الاجتماع أكدوا بأن المال لن يكون تعويضاً كافياً، حيث تؤكد د. نادية عبد القادر أن المال جزء من المتطلبات الحياتية ولكن أهم منه الإشباع العاطفي وهذا إذا افتقده الأبناء يصبح الأمر خطيرا وله انعكاسات نفسية سلبية لفقدهم هذا الجانب المهم وحتى لو كان هناك من الأقرباء الذين يكلفون برعاية هؤلاء الأبناء والبنات في غياب الأبوين أو الأب فلن يستطيعوا تعويضهم هذا الجانب مهما كانوا قريبين منهم، ولذلك ينشؤون وهم يفتقدون أهم عنصر يجب أن يتوفر لدى هؤلاء وهو الإشباع العاطفي.

خسارة مستمرة

تقول فتاة أخرى تدعى سامية أ.أ: تخيل نحن بنتان®. أنا في الثانية ثانوي وأختي في السنة النهائية في الإعدادية، سافر أبي وأمي وتركانا في بيت العائلة المكون من 3 شقق®. أنا وأختي في شقة وحدنا وخالي يسأل عنا دائماً ولكنه يخرج صباحاً ويأتي مساء ويمر علينا إذا كنا محتاجين لشيء®.

وتواصل الفتاة قائلة: أكملت الثانوية ودخلت الجامعة في كلية التجارة وأنا في السنة الأولى التقيت أحد زملائي بالصدفة وتقرب مني وكنت أحتاج بالفعل إلى أحد يحسسني بأنني موجودة في الحياة وهو أيضاً والداه مسافران ويسكن وحده، بدأنا نتكلم كثيراً ونلتقي وتطور الأمر وبدأت أتردد عليه في منزله ودائماً ما أقول لشقيقتي أنا أذاكر مع زميلتي ربما أقيم معها يومين وأتصل بخالي أستأذنه ويأخذ أختي إلى منزله في غيابي .

وهو سعيد لأنني أذاكر ولكن لم يسألني يوما من هي صديقتي وأين تسكن؟ وحتى عندما عرف والدي وكذلك والدتي أنني أقيم لدى صديقة لي لم يسألا، والحصيلة ورقة »عرفي« صغيرة عليها توقيعنا واشترط أن تكون معه وحده وأقنعني بأنها قد تقع في يد شقيقتي وتحدث لي مشكلة ®.

وحدث ما كنت أتوقعه، حيث التقى هذا الشاب بأخرى وبدأ يتهرب مني، فما كان منى الا أن عدت والتزمت المنزل لا أخرج كثيرا ولكني عدت إليه بدون عذريتي وكرامتي، وقبل الدخول للسنة الثانية في الكلية كنت قد تحررت ولم أجد شيئاً أخاف عليه أو أفقده وعشت حياتي، ولاأزال أسهر وأغيب تحت مظلة الاسم الوهمي لصديقتي، وحتى الآن لم يسألني أحد ماذا أريد؟ فأنا من أقرر وأفعل ما أريد، فالخسارة قائمة بكل الحسابات، ولدي الاستعداد أن أخسر أكثر.

علماء النفس يرون في هذه الظاهرة مسألة خطيرة ومدمرة للأبناء خاصة أن أغلب هؤلاء الأبناء الذين يعيشون هذه الظروف انحرفوا واتجهوا إلى طريق لا عودة منه حسب الدكتورة سامية صادق أستاذ الطب النفسي التي أكدت بأنه حتى في وجود الأم مع الأبناء تجدها تلجأ لآخرين من أقربائها أو جيرانها طلبا للمساعدة في حل المشكلة أو بشكوى الأبناء أو لاستفسارهم في أمر يهم الأبناء لافتة أن هذا فيه خطأ كبير خاصة إذا وثق الأبناء في هذا الشخص أو أحسوا بأنه يعوضهم عن شيء يفتقدونه فهذا يعني اهتزاز صورة الأب في نظر الأبناء وأحياناً في نظر الزوجة، ولكنهم دائماً ما تجدهم مجبرين؛ لأنهم في حاجة إلى رجل لقضاء حاجة لهم لا يستطيعون هم أن يقوموا بها.

وأشارت صادق أن هناك بعض الأمهات يحاولن القيام بدور الأب والأم في آن واحد، لكنهن في مثل هذه الحالات ورغم نجاح بعضهن إلا أن الأغلبية يفشلن في هذا الدور.

تراخ وإهمال

تقول فاطمة 54 عاماً: زوجي غائب عن البلاد منذ حوالي 41 عاماً، يأتي كل عام لشهر واحد والأولاد تحت رعايتي وكنت قد سافرت معه لمدة 3 سنوات عند تسلمه العمل في دولة خليجية ورجعت مصر نهائياً؛ لأن الأولاد أصبحوا في سن الدراسة وبقيت معهم وربيتهم أفضل تربية إلا أن أحدهم كان متمرداً جدا حاولت معه بالضرب والتهديد وبدأت أراقبه بعد أن فقدت الأمل في إصلاحه خاصة.

وبعد رسوبه في الإعدادية ونصحني بعض الجيران والأهل أن ألحقه بصنعة ربما يتعلم منها فعمل مع ميكانيكي نعرفه وبعد شهور قليلة تغير كثيراً وأصبح وكأنه رجل البيت ولديه نزعة عدوانية فاكتشفنا أنه يتعاطى مخدرات، حاصرته بقوة ولكني وجدته هو الذي يحاصرني بمشاكله كل يوم. تقول الخبيرة الاجتماعية الدكتورة سامية الساعاتي:

إن ذهاب رب الأسرة إلى دولة أخرى وعلاقته بأسرته تصبح مرهونة بأيام لا تزيد على شهر في العام وهذا في رأيي تراخ من الآباء تجاه مسؤوليتهم التربوية، خاصة أن البعض من الآباء يعتقد بأن ابنه إذا بلغ سن العشرين يجب أن يعتمد على نفسه وترفع عنه الرقابة وبالتالي يسافر دون إدراك أن ابنه في أخطر مرحلة من حياته حيث تتشكل في هذه السن شخصية الشاب بكاملها.

القاهرة ـ دار الإعلام العربية