بحث كثيراً وسط الآلات الموسيقية عن آلة يشعر معها بالألفة والحنان فلم يجد عازف العود العراقي البارز نصير شمة سوى العود، حتى أصبح من أشهر الموسيقيين في العزف على هذه الآلة، لذلك لم يكن غريبا أن يترأس بيت العود العربي، لكن الغريب هو تزايد الدعوات ضده في الآونة الأخيرة مطالبة إياه بالتنحي عن منصبه في بيت العود.
التقيناه لوضع النقاط على الحروف بشأن موجة الهجوم ضده التي تصاعدت بعد عقد الملتقى الدولي للعود الذي أقيم أخيرا بالقاهرة. وهذا نص الحوار.
* على الرغم من إنجازاتك الموسيقية، تعرضت لموجة هجوم شديدة ، لماذا؟ ـ بصراحة هذا السؤال أبحث له عن إجابة له منذ ما يقرب من 13 عاما، والغريب أن الحرب لم تبدأ ضدي من القاهرة ولكن من موطني الأصلي العراق ، فواجهت العديد والعديد من المشاكل ودبرت لي المكائد حتى أصبح البعيدون عن هذا المجال يظنون أننا نتصارع من أجل مكاسب مادية أو للحصول على مناصب معينة، وأنا بطبيعتي أرفض دائماً الخوض في غمار تلك المشاكل وأترك الأمور تسير بطبيعتها وإذا طلب مني الإجابة عن أي سؤال أو استفسار فلا أتردد.
قرار بالتنحي
* لكن كلامك هذا لا يوضح السبب الحقيقي وراء الهجوم عليك.
ـ إدارة بيت العود بالقاهرة جعلت الكثيرين يشعرون بالغيرة الشديدة لمستوى النجاح الذي وصلت إليه، خاصة بعد أن زار هذا الصرح القائم ببيت الهراوي عدد كبير من مثقفي مصر وأثنوا عليه لدرجة أنهم أطلقوا عليه بيت »نصير شمه« وليس بيت العود، لكن هذه الإشادة جعلت عدداً من الموسيقيين يطالبونني بالتنحي عن رئاسته دون أسباب واضحة سوى أنني أتبع المدرسة العراقية في العزف وأتجاهل المدرستين المصرية والتركية.
هل تتجاهل بالفعل المدرستين المصرية والتركية في العزف؟
هذا لم يحدث علي الإطلاق، وأتحدى أي عازف اتهمني بذلك بأن يستطيع عزف مقطوعة واحدة من القطع المهمة التي تجمع تلك المدارس، والدليل على ذلك خريجو بيت العود الذين أتقنوا العزف في المدارس الثلاث، ويظهرون في الحفلات سواء في مصر أو خارجها كأفضل عازفين على الإطلاق، وأنا لن أتخلى عن المدارس الثلاث، سواء بقيت رئيسا لبيت العود أم تمت تنحيتي عنه.
ما رأيك في موقف وزير الثقافة المصري تجاه من يهاجمونك؟
أنا أدين بالشكر للوزير فاروق حسني والذي أعاد لي الثقة في نفسي وقال للجميع: إنني صاحب فكرة ملتقى العود الدولي المصري الذي أقيم بدار الأوبرا المصرية نهاية الشهر الماضي، ودافع عني بكل حيادية، ويكفي أنه قال: إن من يهاجمون شمة لم يسعوا من قريب أو بعيد للعمل علي إثراء الحياة الثقافية الفنية، كما أشار إلى أن ما يحاك ضدي ما هو إلا امتداد لسلسلة الهجوم غير المبرر علي منذ اختياري رئيساً لبيت العود.
* يتردد أن رئاستك للملتقى الدولي للعود السبب في اشتداد الهجوم عليك؟
ـ لقد كنت صاحب الفكرة، لذلك تم إسناد رئاسة الملتقى إلي في هذه الدورة فقط وقد وضعت مع مشرفي وزارة الثقافة أسساً لإدارة الملتقى خلال السنوات المقبلة، وإن كان أولها هو تكوين لجنة عليا تقوم باختيار رئيس دوري غير متكرر، لذلك لن أكون رئيسا للدورة المقبلة، لكن سيتم اختيار رئيس جديد من قبل لجنة مشكلة من قامات موسيقية من مصر وخارجها.
الشهرة والنجومية
* ألا ترى علاقة بين الهجوم عليك وتصريحك بأن مصر لم تصنع شهرتك؟
ـ هذا الكلام غير منطقي، فأنا أعيش في القاهرة منذ عام 1995، أي ما يقرب من 15 عاماً وأكثر وأعشق نيلها وترابها، وعندما حضرت إلى القاهرة كنت في بداية مشواري الموسيقي فكانت سبباً في شهرتي، لكن أثناء وجودي في العراق أيضا كنت قد حققت شهرة كبيرة حيث حصلت على 50 جائزة قبل الحضور إلى مصر، ورغم ذلك أعتبر أن مصر هي السبب في وصولي للعالمية، لذلك أنا مدين بالفضل لها، ولن أغادرها قبل أن يتحرر العراق ويعود كما كان.
عبرت خلال مشوارك الطربي بصوتك الجميل في عدد من المقطوعات الموسيقية ، فلماذا لم تكرر التجربة؟
هذه التجارب الغنائية لها ظروفها الخاصة، فأنا لست مغنياً، لكنني مثل كثير من الملحنين أمتلك صوتاً دافئا، لكنه في نفس الوقت لا يصلح كصوت موسيقي طربي، وأعتبر أن التجربة التي جمعتني بالمطربة لطيفة من أهم التجارب الغنائية في حياتي، وتأتي بعدها تجربتي مع المطرب صباح فخري الذي طلب مني المشاركة في أوبريت ضمن عدد من المطربين العرب.
أنت صاحب رحلة طويلة بالعود من النيل إلى الفرات إلى الأندلس وأوروبا ، فهل ترى أن العود قادر على منافسة الآلات الغربية؟
حاولت أن أوضح للعالم بأكمله خلال رحلتي الفنية أننا أصحاب ذوق فني وحضارة كبيرة تمتد إلى 7 آلاف سنة، ووجدت أن العود قادر على منافسة جميع الآلات الحديثة؛ لأن عمره يمتد إلى عمر الحضارة الفرعونية، ويعد من أقدم الآلات الموسيقية التي استخدمها الإنسان القديم في العزف، والنتيجة أن بدأ عدد من الدول إعادة العود إلى الفرق الموسيقية من جديد، خاصة في الموسيقى الكلاسيكية.
لماذا اخترت العود من بين الآلات الموسيقية؟
عندما كنت في الثالثة عشرة من عمري ووجدت المدرس يحمل العود شعرت معه بألفة غير عادية، وكانت رغبتي كبيرة في حمله واحتضانه ليجاور قلبي، وشعرت في البداية أنني أحمل ابني، وبدأت رغبة جارفة عندي في مداعبة أوتاره، فاشترى لي والدي أول عود حقيقي في حياتي، وبدأت أقضي 10 ساعات يوميا في العزف عليه، مما أثر في دراستي؛ فاضطر والدي لتكسيره بعد أن لاحظ أن مستواي العلمي ينحدر بشدة، وبعد أن أثبت تفوقي اشترى لي عودا آخر، ونظمت وقتي بينه وبين الدراسة.
عود «الفارابي»
ماذا يميز نصير شمة في العزف على العود عن غيره؟
يكفي أنني استخدمت أصعب عود في العزف عليه وهو عود »الفارابي« ذو الثمانية أوتار، وليس العود التقليدي ذا الأربعة أوتار، حيث عمدت إلى صناعة عود بتلك الأوصاف بعد أن قرأت في إحدى المخطوطات أن »الفارابي« أول من عزف على عود من 8 أوتار.
هل هناك فرق بينه وبين العود التقليدي من ناحية الصوت والنغمة؟
العود ثماني الأوتار يعطي العازف حرية كبيرة في الأداء ويمكنه من تقديم أي قطعة موسيقية بأربعة أشكال مختلفة، ويستطيع العازف المتمكن صنع أفضل الألحان بهذا العود بالرغم من أنه مختلف ومعقد، في حين يعتبر العود العادي محدودا جداً، حيث يخرج أربعة أصوات فقط ويعطي مدى صوتيا ضعيفا بسبب مساحة الأوتار المحدودة.
هل يستطيع طلابك في بيت العود أو في المعهد العالي للموسيقى بتونس العزف على العود الثماني بنفس الجودة؟
طريقتي الخاصة في العزف شرط أساسي لتدريس العود في جامعة تونس، كذلك في بيت العود بالقاهرة، حيث أقوم في البداية حتى لا أكون ديكتاتوريا في تصرفاتي بعمل دورات مكثفة للطلاب لتدريبهم على العزف على العود الثماني، وبعد أن أشعر أنهم قد وصلوا إلى مرحلة متميزة أبدأ معهم التدريب الحقيقي.
ما المقطوعة القريبة من قلبك ؟
مقطوعة »رحيل القمر« هى المقطوعة التي لم أنجز مثلها في حياتي؛ لأنها خرجت مغلفة بمشاعر وأحزان حقيقية حيث كتبتها بعد ساعات من وفاة شقيقتي، فصورت معها رقتها وحنانها وروحها الجميلة من خلال الموسيقى.
ألف ليلة وليلة
أتمنى تقديم أوبرا »ألف ليلة وليلة« بحيث أكتب موسيقاها وأقوم بإخراجها ويتم تقديمها تحت سفح الهرم، مثل »أوبرا عايدة« التي تم تقديمها منذ أيام ولفتت أنظار العالم إليها.


