يبدو أن النجاح الذي حققه مسلسلا »العار« »اختفاء سعيد مهران« هذا العام ومن قبلهما »الباطنية« قد أثار شهية المنتجين وكتاب السيناريو للرجوع إلى أفلام سينمائية قديمة سبق عرضها بهدف تحويلها إلي مسلسلات .
ومن ثم الاستفادة من شهرتها، فقد كشفت شركات الإنتاج عن قيامها بشراء ما يقرب من 11 فيلماً سينمائياً لإعادة كتابتها من جديد كمسلسلات درامية يتم عرضها العام المقبل. واللافت أن أغلب هذه الأفلام لقمم فنية مثل محمود المليجي وتحية كاريوكا وسعاد حسني وفاتن حمامة ومحمود عبدالعزيز حتى فيلم محمد هنيدي الأخير »مبروك أبو العلمين حمودة« تقوم إحدى شركات الإنتاج بإعادة صياغته في صورة دراما كوميدية ليلحق بالعرض الرمضاني. فهل تحولت الدراما إلى وسيلة للسطو على إبداع الكبار، وما الفائدة التي تعود على الدراما من جراء استنساخ أفكار الأفلام القديمة؟.
أرض محمود المليجى
أول الأعمال السينمائية التي قفزت إلى ذهن الكتاب والمنتجين هذا العام، هو فيلم »الأرض« للفنان محمود المليجى، حيث بدأ الكاتب عبد الرحمن كمال إعادة كتابة الفيلم من خلال معالجات دقيقة على الرواية التي كتبها الراحل عبد الرحمن الشرقاوي قبل أكثر من نصف قرن، لأنه، على حد تعبير كمال، يعتمد علي الرواية الأصلية ولم ينظر إلى الفيلم في محاولة منه لتقديم شيء مختلف، حيث لا يتهمه أحد بالاقتباس أو النقل أو السرقة.
ووفق آخر المعلومات عن العمل فقد قامت شركة العدل جروب بشراء قصة الأرض من الورثة ليقوم الفنان جمال سليمان ببطولة المسلسل الذي يسير في نفس خط الفيلم ويجسد المعاناة التي يتعرض لها الفلاحون علي أيدي الرأسمالية والإقطاعيين.وحول الاتهامات الموجهة للقائمين عن العمل باستغلال نجاح الأعمال السينمائية القديمة، رد عبد الرحمن كمال أن استثمار نجاح الأفلام السينمائية درامياً ليس عيباً حتى لو سبق تقديمها في السينما أو المسرح أو التليفزيون، موضحا أنه يقوم بإعادة صياغة عمل أدبي، وهذا عرف متفق عليه في جميع الدول.
وكشف المؤلف أنه ظل يكتب في الرواية على مدار عام فائت ولاتزال تحتاج إلى أكثر من 9 أشهر حتى يتم تقديمها بشكل يليق بمكانة الكاتب الراحل عبد الرحمن الشرقاوي، مؤكداً أن المسلسل يحمل رؤية مختلفة تماماً عن فيلم الأرض الذي قام ببطولته محمود المليجي وعزت العلايلي وأخرجه يوسف شاهين، حيث يتضمن معالجة جديدة ويقتصر علي الرواية فقط.
عالم سمارة
ويكرر المؤلف مصطفى محرم التجربة نفسها مع المخرج محمد النقلي في مسلسل »سمارة« الذي سبق وقدمته النجمة الراحلة تحية كاريوكا وتقوم شركة كينج توت بإنتاجه، فيما تقوم بدور البطولة الفنانة غادة عبد الرازق، وسمية الخشاب.
وعن تلك التجربة يقول محرم إن الدراما الجيدة في قصة»سمارة« كانت سببا رئيسيا في إقباله على كتابة هذا العمل، خصوصا أنه يقوم بتقديم معالجة جديدة للقصة مع الاحتفاظ بالفترة الزمنية التي تدور فيها الأحداث، لافتا أنه يتم التركيز علي خط درامي لم يكن ظاهراً في الفيلم ولم يلاحظه المشاهد وهو علاقة »سمارة« بالطبقة الأرستقراطية.
لفت محرم أنه تمسك بفترة الأربعينات التي كانت تدور فيها أحداث الفيلم، وسوف يحاول من خلال الديكور إعطاء المشاهد إيحاء بأنها الفترة نفسها التي تمت فيها الأحداث، مشيراً إلى أن إعادة تقديم الأعمال الأدبية بالذات تكون في صالحها شرط وجود كاتب يستطيع أن يستثمرها في أكثر من شكل وبوجهات نظره متعددة.
إمبراطورية فاتن حمامة
وكما أوشك محرم على الانتهاء من كتابة مسلسل »سمارة«، أوشك لينين الرملي علي كتابة المسلسل الدرامي »إمبراطورية ميم« المأخوذ عن قصة فيلم بالاسم نفسه قامت ببطولته »فاتن حمامه« قبل أربعين عاماً وحقق نجاحاً جماهيرياً باهراً، حيث من المقرر أن يتناول المسلسل ظروفاً مختلفة تخضع للتغيرات السياسية والاقتصادية التي تحدث الآن، كما سيضيف الكاتب عددا من الأحداث تتعلق بالتكنولوجيا الحديثة والطبقات الكادحة.
شفيقة ومتولى
ويبدو أن مسلسل »شيخ العرب همام« الذي قام ببطولته الفنان القدير يحيى الفخراني كان سبباً في تأخير مسلسل »شفيقة ومتولي«، احدي روائع التراث الشعبي الذي قامت ببطولته سعاد حسني وأحمد زكي، وهو ما يؤكده منتجه أحمد الجابري الذي ظل يفكر في المسلسل على مدار عامين كاملين وكان يخشى أن يلتقط أحد الفكرة ويسرع بتناولها خصوصا أنه صاحب فكرة إعادة طرح الفيلم في مسلسل درامي.
وعن سبب اختياره لقصة من التراث الشعبي، يقول الجابري إن الذي شجعه على ذلك أن القصة غير مملوكة لأحد، ولا يمكن لأي وريث أن يتحكم في العمل الفني أو يحاول إيقافه بأي طريقه من الطرق، خصوصا أن قصة الفيلم تتجلى فيها أسمى معاني الأخوة المفقودة والتي نادراً ما نجدها في مجتمعنا.
وفي رأي الجابري فإن إعادة صياغة الأفلام القديمة الناجحة سلاح ذو حدين، فمن الممكن أن تحقق نجاحاً مدوياً ومن الممكن أيضا أن تلقي فشلاً ذريعا، لكن النجاح الحقيقي يكون دائماً من نصيب الأعمال المأخوذة عن روايات أو أعمال أدبية لأن كثيراً من الأعمال الدرامية المأخوذة عن أفلام لم تلق أي نجاح يذكر على الرغم من موجات الإشادة التي تمر حولها.
أمير الانتقام
في حين يرد الفنان هاني رمزي على المشككين في فيلم »أمير الانتقام« المقرر أن يقوم ببطولته هذا العام، وادعائهم بأنه صورة طبق الأصل من فيلم »أمير الانتقام« للفنان أنور وجدي قائلاً: التشابه بين الفيلم والمسلسل في الاسم فقط بينما لم يتم اقتباس أي جزء من الأحداث، لافتا إلى أن المخرج أشرف سالم أراد تغيير الاسم حتى لا يحدث لبس عند المشاهد إلا أنه رفض لأن المسلسل يأتي في إطار كوميدي 001% بعيداً عن أحداث الفيلم تماماً وتدور قصته حول شاب ثري يعود من رحلة كفاح بالخارج.
شيماء العرب
وعلى النهج نفسه يسير المخرج عصام شعبان الذي يبدأ قريبا تصوير مسلسل »الشيماء« من بطولة عشرات الفنانين العرب، منهم صابرين وقمر خلف وغسان مسعود ويوسف شعبان ومجدي كامل ومادلين طبر.
وحسب المعلومات المتوفرة يقدم المسلسل أحداثا كثيرة لم تكن موجودة في الفيلم الذي لعبت بطولته سميرة أحمد وأحمد مظهر وأخرجه حسام الدين مصطفي، حيث استطاع المؤلف محيي الدين مرعي تحويله إلي مسلسل ديني امتدادا للأحداث الموجودة في الفيلم دون أن يتعرض لها سوى في الحلقتين الأولي والثانية للربط بين الأحداث فقط.
هنيدى ومحمود عبدالعزيز
ولم تكن كلاسيكيات السينما القديمة هي التي تجذب المؤلفين لإعادة صياغة تلك الأعمال في شكل درامي لكن الفنان الكوميدي محمد هنيدي قرر أن يخترق الدراما التليفزيونية هذا العام من خلال فيلم »رمضان مبروك أبو العلمين حمودة«، الذي يعكف حاليا مؤلفه يوسف معاطي على تحويله إلى مسلسل درامي من 03 حلقة بعد أن أكتشف هنيدي أن هناك أحداثا مهمة كان من المقرر أن يتم ضمها للفيلم كمكمله للأحداث لكنه لم يستطع لأن مدة عرضه تصل إلى ساعتين فقط.
ويبدو أن أفلام الفنان محمود عبد العزيز هي أكثر الأعمال السينمائية جذباً للكتاب والمنتجين، فقبل أن ينتهي عرض مسلسل »العار« الذي قام ببطولته في بداية الثمانينات وشاركه في البطولة حسين فهمي ونور الشريف قررت احدي شركات الإنتاج تحويل فيلم »أبناء وقتله« الذي قام ببطولته مع نبيلة عبيد لمسلسل يقوم ببطولته خالد الصاوي ويتم حالياً البحث عن كاتب يستطيع صياغته بشكل لا يتعارض مع أحداث الفيلم حتى لا يندرج تحت مظلة السرقة والاقتباس.
وفي أول تجربة درامية لها تستعد هيفاء وهبي لتجسيد الشخصية نفسها التي قدمتها شادية في فيلم »زقاق المدق« في محاولة لفرض أفكار عصرية علي أحداثه دون الإخلال بالقصة الحقيقية، وهذا ما يؤكده السيناريست محمد صفاء عامر المرشح لكتابة أحداثه.
الوقوع في الفخ
لكن السؤال الذي يطرح نفسه ونحاول الوصول إلى إجابة من خلاله®. لماذا يطلق اسم رواية أو فيلم شهير عليى مسلسل إذا لم تكن بينهما أي صلة®. هل هي قلة أسماء أم استسهال أم استثمار لنجاحات قديمة وهل يمكن أن يؤثر ذلك بالسلب في العمل القديم؟
توجهنا بهذه الأسئلة إلى الكاتب محفوظ عبدالرحمن فأكد أن العمل الثاني إذا كان متميزاً فهذا يعتبر إضافة وإذا فشل فلن يؤثر علي نجاح العمل الأول خصوصا أن المشاهد تابع العمل الأصلي وتفاعل معه®. ولفت أن المقارنة في كل الأحوال صعبة للغاية، لكن النجاح في النهاية يتوقف علي مدى جودة العمل ومدى الإضافة التي يتم تقديمها.
مط وتطويل
في حين اعتبرت الناقدة السينمائية ماجدة موريس أن إعادة تقديم الأعمال السينمائية القديمة في مسلسلات جديدة مكونة من 03 حلقة بمثابة مط وتطويل ووصفت الظاهرة ب»الموضة« التي يتنافس عليها المنتجون للاستفادة من نجاح الأعمال القديمة.
واعتبرت موريس أن جميع التجارب التي سبق تقديمها لم تكن موفقة سواء في »العار« أو »الباطنية« وتساءلت: كيف يمكن لعمل فني وقعت أحداثه في ساعتين أن يتحول إلى مسلسل مكون من 0 3 حلقة بما يعادل 5 2 ساعة على الأقل، فلا يصلح هذا إلا بالمط والتطويل حتى يحمل المسلسل تفاصيل أكثر تضاف إلي الفكرة الأساسية لجعل المشاهد يبتعد بذهنه عن الفكرة الأساسية للمسلسل خاصة أنه شاهد هذا العمل في شكل جرعة مكثفة عشرات المرات.
ولن يقتنع أبدا بصورته كمسلسل.إلى هنا يري الناقد الفني عصام زكريا أن المؤلفين يلجأون لأقصر الطرق للنجاح ويحاولون بناء نجاحهم على أكتاف العظماء، لافتا أن ما يحدث في مصر تكرر في أميركا مع بداية الألفية الثالثة، وفشلت معظم الأعمال إلا فيما ندر، لأن دائماً الأصل هو الأًصدق والتجارب التي حدثت في مصر منذ 5 سنوات لم تحقق أي نجاح يذكر مقارنة بالفيلم لكنها للأسف أصبحت موضة: البطل فيها الكسل والاستسهال من جانب المؤلفين والمنتجين.
القاهرة - دار الاعلام العربية

