الموضة والأناقة هما حالة نفسية في المقام الأول أكثر منهما حالة للتباهي أو الاستعراض، وليس أدل على هذا التحول من درس أو محاضرة في ألوان الموضة. في السابق كانت تعنى بتنسيقها حتى لا يكون المظهر نشازاً للغير وحتى يتناسب مع لون البشرة، بينما الآن فهو لا يتجاهل الحالة النفسية، بل العكس، يركز عليها.

ولا شك انك تتذكرين شركة »كولور مي بيوتيفول« وترجمتها »لوِني بالجمال«، فقد خبا نجمها وظهرت محلها شركة أخرى هي (كولور مي كونفيدانت)أو (لوني بالثقة) وهذا بحد ذاته يلخص التحول الجاري في عالم الموضة وفى السياق تقول فيرونيك هاندرسون، المديرة الفنية للشركة الأخيرة: »هناك أشياء كثيرة يمكن الحصول عليها بفضل الألوان ومن الخطأ تقسيمها إلى خانات حتى تناسب المرأة، في وقتنا الحالي لا يمكن ان تقول للمرأة أن بشرتها باردة أو دافئة (ربيع أو شتاء) فلا أحد يريد ان يوضع في خانة، فهذا الأمر انتهى منذ خمس سنوات تقريبا®. الموضة والمرأة تغيرا، بدليل انه منذ عشرين عاما مثلا لم يكن بالإمكان الحصول على حذاء بألوان متنوعة«.

وتضيف: »نحن لسنا محللين نفسانيين، لكننا ندرك اهمية الألوان وقوة تأثيرها، وسواء كانت الجلسة بغرض مواكبة الموضة أو لأغراض أخرى، فإن الألوان يمكن ان تكون جد مؤثرة في النفس وفي الآخر، تمنح الثقة وتشعر بالراحة والتميز.

لذلك ليس غريبا أن مستشاري الألوان حاليا ينظمون جلسات للتعرف على الإنسان قبل ان يتبرعوا بآرائهم أو يدلوا بمقترحاتهم فيما يناسب من درجات أو لا يناسب، إلى جانب حرصهم على فهم الإشارات التي يريد الزبون إرسالها للآخر: القوة مثلا أو النعومة وغيرهما.

بيد أن هاندرسون تعلق على مظهر اللون الواحد من الرأس إلى أخمص القدمين بأنه لا يناسب الشخص الخجول أو الذي لا يريد لفت الأنظار، لكن المؤكد أن طريقة غاليانو في ترجمة اللون الواحد والمتوهج، وكما طرحها على منصات عروض الأزياء، فيها الكثير من المرح والأناقة على حد سواء، حتى وإن لم تكن مناسبة للشخصية الخجولة. فالمرأة الآن تريد ان تلبس ألوانا تعكس شخصيتها ومزاجها ولا تقبل على الوان فقط لأنها مضمونة، وانعكاس هذا التوجه واضح ايضا في اختيارها لمجوهراتها واكسسواراتها.

إذا كنت جريئة، أو فقط أصابتك حالة من الملل تريدين الخروج منها أو التمرد عليها، اختاري لونا قويا يناسبك، عدا الأسود طبعا، وطبقي هذه الفكرة فقد تفاجئين بالنتيجة وما عليك إلا ان تتذكري انه عندما نسق إيف سان لوران في السبعينات اللونين الوردي والأحمر مع بعض في فستان واحد لم يكن الأمر معروفا من قبل وكان مفاجأة مرحب بها إلى الآن وكما تعمد المرأة إلى تغيير لون شعرها كلما أرادت الخروج من حالة الملل كذلك ستعمد إلى الألوان المتوهجة في أزيائها اليومية ،لكن سواء كانت هذا أو ذاك فالنتيجة أنها لعبة ممتعة تنجح دائما في إخراجنا من حالة الجمود أو الملل التي تلم بنا بين الحين والآخر.

فالملاحظ أن المصممين ما إن يلمحوا لنا بعودة اللون الأسود، أو الألوان الغامقة أو الترابية، حتى ينهالوا علينا بشلال من الألوان الصارخة والمتضاربة ويصيبونا بالحيرة، فمنذ سنتين تقريباً كانت كل المؤشرات تقول بأن الأسود والدرجات الغامقة عموماً، ستسود، خصوصاً وأن ميوتشا برادا هي التي بعثت هذه الرسالة العلنية على منصات ميلانو.

ولا شك ان هذه الرسالة لقيت ترحيباً كبيراً من قبل المرأة، التي تحن دائما للأسود: الصديق المخلص الذي لا يخذلها في كل المناسبات، وفي أغلب الحالات بما فيها تلك التي تعاني منها من اختزان الماء والانتفاخ.

والدليل على هذه العلاقة الحميمة ما خلصت له دراسة أجريت في بريطانيا كانت نتيجتها أن الأسود يشكل 14% من خزانة أية واحدة منا. لكن فرحة المرأة بهذه الرسالة لم تطل، إذ سرعان ما فاجأنا جون غاليانو، مصمم دار كريستيان ديور، برسالة مختلفة تماماً، رسالته تقول بأن الألوان الزاهية التي تحتفي بالطبيعة في أجمل حلتها، سيكون لها مكانة بارزة في ساحة الموضة.

فقد أرسل عارضاته في ألوان زاهية من رؤوسهن إلى أخامص أقدامهن، أما الجديد هنا فهو أن كل عارضة تخايلت بلون واحد متوهج من رأسها إلى أخمص قدمها عكس باقي المصممين الذي يميلون إلى تنسيق درجات الوان مختلفة إلى حد التضارب مع بعضها.

أما المثير في عرض غاليانو ان المرأة، مهما أحبت الأسود وبادلته الإخلاص، إلا انها لا بد وأن تقع في حب ما طرحه، أو على الأصح فكرة المظهر الذي اقترحه، فاكتفاء غاليانو بلون واحد في الزي وعدم التضييق عليه بالألوان المتضاربة كان ضربة معلم، رغم انها قد تصيب البعض الآخر ببعض التوجس والخوف، كونها فكرة لم تكن تخطر على البال من قبل ولم تكن يوما موفقة، بل وانتقدت ملكة بريطانيا، إليزابيث الثانية، كثيرا لهذا السبب بالذات، لكنه، وهنا تكمن عبقريته، اكسبها صبغة عصرية لا يمكن تجاهلها.

فهي تختلف عن أسلوب الثمانينات، مثلا، حيث شاعت موضة التنسيق بين حقيبة اليد والحذاء، وإن لم يكن الأمر حينها من باب التنسيق بقدر ما كان من باب التباهي والقول بأن صاحبتها لها الإمكانيات لكي تشتري اكسسوارات غالية ومن نفس الماركة واللون والخامة.

فتلك الحقبة لخصت مفهوم، إذا كنت تمتلك ثروة وإمكانيات فاستعرضها ولا تخجل. كما تختلف عن أسلوب التسعينات حيث شاعت موضة »القليل كثير، فالألوان الترابية والحيادية كانت هي الرائجة، وساد حينها ما يشبه الرعب من المبالغة في أي شيء، الأمر الذي كاد يودي بمستقبل بعض المصممين الذين كانوا يعتمدون على »اللوغو« أو اسم ماركتهم مطرزا بالبنط العريض على الصدر أو عند الجوانب.

فالكل كان يتجنب تنسيق الألوان مع بعض، ولم يتوهج حينها شيء سوى نجم المصمم جيورجيو ارماني الذي ارتبط باللون البيج والألوان الترابية عموما طوال العقد، لكن وكما العادة، فإن كل شيء يزيد عن حده ينقلب إلى ضده، وعندما يطول يصيب بالتخمة.

وربما هذا ما ولد موضة الألوان والقطع المتضاربة، أو مفهوم التناقض المتناغم، الذي انتعش بصورة كبيرة منذ بداية الألفية، وما دامت الثقافة العامة تشجعه وتقبله، فإن العين ايضاً تبدأ في التعود عليه، بل وتفضيله.

دبي ـ رشا عبد المنعم