من بين تعريفات عديدة للنقد السينمائي، يرى الناقد الأردني عدنان مدانات »أنَّ أهم تعريف للنقد هو بناء علاقة ثقافية بين الجمهور والفيلم والسينما بشكل عام؛ بمعنى: ليس من المهم في النقد ما يطرحه من رأي في فيلم معين، بل ما يسببه النقد من بناء علاقة ثقافية بين الجمهور والفيلم؛ أي أن يجعل الجمهور يشاهدون الأفلام فيفكرون بها، لا أن يكتفوا بالاستمتاع أو عدم الاستمتاع«.
(نيسيمازين) أبوظبي السينمائي تحرك مياه النقد الراكدة »نيسي ماسا« شبكة أوروبية من المحترفين السينمائيين الشباب والمتحمسين لفن السينما ممن جربوا أولاً إنتاج مجلة يومية حرة في إطار ورشة عمل لصحافة السينما أثناء مهرجان كان السينمائي عام 6 00 2، ثم أقاموا منذ ذلك الوقت ورشات عمل في مهرجانات بإيطاليا وإيران وفنلندة وتركيا وهولندا والبيرو والبرازيل. تضمنت مهمتهم خلال الدورة الرابعة لمهرجان أبوظبي السينمائي والتي انتهت بالأمس، إصدار ثمانية أعداد من مجلة باللغتين العربية والإنجليزية استعرضت الأفلام ومقابلات ومقالات اختصاصية وأخباراً وصوراً من المهرجان.
فريق تحريرها تسعة شباب لا تقل أعمارهم عن 81 ولا تزيد على 53 عاما، جاؤوا من أنحاء العالم للمشاركة في ورشة (نيسيمازين) التي تعقد للمرة الأولى في منطقة الشرق الوسط، والتي ركزت هدفها على تعليم طرق الكتابة المختلفة عن الأفلام وصانعيها، وذلك بالتعاون مع مشرفين اثنين محترفين من فريق عمل »نيسي ماسا« ومحرر من مجلة فارايتي المتخصصة في شؤون السينما، يقوم بمراجعة المواد التحريرية وإبداء الملاحظات عليها.
وحول تجربتهم الجديدة وأبرز التحديات التي واجهوها والانطباعات عن المهرجان العربي، يستطلع (الحواس الخمس) بالكلمة والصورة آراءهم في الوقفات التالية:
تشير جودي ليستر (بريطانية الأصل تجيد الفرنسية والإيطالية لكونها دارسة للغات تحب السينما وتعمل مع »نيسي ماسا« منذ ثلاث سنوات.
وهي المحررة المسؤولة من الشبكة الأوربية لسينما الشبان) إلى أن الشبكة غير مدعومة حكوميا ولا تهدف إلى الربح، بدأت نشاطها في عام 2010 الذي شمل حتى الآن 23 دولة، لتعليم المحررين الصغار وتوجيههم على كيفية الكتابة عن الأفلام، بخلاف دعم الأفلام والبحث عن المواهب الجديدة، مع التركيز على فكرة تلاقي الثقافات، وهذا يتماشى مع توجهات مهرجان أبوظبي الذي يساعد صناع الأفلام الشباب.
وتضيف جودي قائلة: المكتب الرئيسي للشبكة في باريس هو الذي ينظم كل شيء ويصدر الأعداد المطبوعة من المجلة التي تكون فقط خلال فترة إقامة المهرجانات، بالإضافة إلى نسخة إلكترونية دائمة من هذه المجلة على الموقع الإلكتروني الرسمي ل»نيسيمازين« http://www.nisimazine.eu
HYPERLINK وحول كيفية الاتفاق مع مهرجان أبوظبي لتفعيل هذا النشاط قالت جودي:
تقابلت مع كلان كول واليس خوري من »أبوظبي السينمائي« في دورة مهرجان كان الماضية وأطلعتهما على الإصدار الخاص بنا وأعجبتهم الفكرة، وقاموا بدعوة الشبكة بعد الإعداد والتجهيز لكافة الترتيبات، ومنها اختيار العناصر المشاركة في ورشة الكتابة.
حيث تواصلت معهم عن طريق الانترنت قبل أن نلتقي هنا، ومنهم من يملك سنوات من العمل في الصحافة، وبعضهم لا يزال يدرس، وكان الاتفاق المبدئي يشترط أن يكونوا أربعة من العرب وأربعة من الأجانب، ولاعتذار بعض العرب في اللحظات الأخيرة، تم الاكتفاء بنسرين من مصر.
وهي الوحيدة التي تجيد العربية، مع ليلى التي تقيم في إسبانيا وهي من أصول لبنانية، وسميرة الجزائرية المولودة في فرنسا، وسنراعي في الدورة المقبلة ضرورة وجود العنصر العربي بكثافة لأننا عانينا من عدم وجود مترجمين فصدرت المادة التحريرية أغلبها بالإنجليزية مع نسبة تتجاوز 51% باللغة العربية وبها بعض الأخطاء.
وتؤكد جودي ليستر أن مجلة »نيسيمازين« تختلف تماما عن النشرة اليومية للمهرجان، لأنهم يتناولوا الأفلام باستقلالية تامة وبوجهة نظر أخرى لكونهم ليسوا تابعين لأحد، ولكن النشرة اليومية للمهرجان تهتم أكثر بالفعاليات من خلال الصور ومتابعة النجوم مع كتابات لنقاد متخصصين في عرض الأفلام، أما طريقة التعليم التي يتبعونها فهي ممارسة فعل الكتابة نفسه، ثم يأتي بعد ذلك المناقشة وتصحيح الأخطاء من خلال »جي فايسبك« وهو محرر متخصص من مجلة »فارايتي« يحضر يوميا لمدة ساعتين يراجع ويتحاور مع الجميع.
وترى إليزابيث لينجلت جسلن (32 عاما درست السينما وتعمل محررة بإصدار الشبكة على الانترنت وترغب في أن تكون مخرجة أفلام) أن تجربتها الأولى مع الإصدار المطبوع رائعة في مهرجان أبوظبي، وتعلمت منها حرفية الكتابة التي ستساعدها في سيناريوهات أعمالها المقبلة.
أما فرناندو فسكس (0 3 عاما من البرتغال، درس السينما والصحافة وعمل في مهرجانات السينما في بلده وانجلترا) فيأتي عمله الذي يراه ممتعا مع »نيسيمازين« منذ أسبوع فقط، وأتاحت له هذه الفرصة مشاهدة بعض الأفلام الإماراتية والعربية القصيرة حيث تعرف إلى ثقافة أخرى كان يجهلها تماما.
وتؤكد سميرة مستباحي (32 عاما، مولودة في فرنسا ومن أصول جزائرية تعمل صحافيه منذ ثلاث سنوات في أبوظبي) أن الأفلام العربية مشوقة جدا، وهذا يدفعها إلي متابعتها دائما من خلال مهرجانات (الخليج، الدوحة ترايبكا، ودبي)، وجاءت تجربتها مع مهرجان أبوظبي ثرية، حيث تعلمت أشياء جديدة تفيدها في الكتابة عن الأفلام بعمق أكثر ووجهة نظر مختلفة، وترى أن المهرجانات العربية تملك المناخ المناسب لمساعدة صناع الأفلام وإبرازهم دوليا.
وتقول ماتا ألدرز (72 عاما، من أصول هولندية، تعمل مصممة جرفيك وتقوم بتنفيذ صفحات المجلة) أنها تعمل مع »نيسيمازين« منذ سنوات وتجري تحسينا في شكل المجلة من مهرجان لآخر، وتلتزم بقطعين للمجلة (A3، A4) واختارت القطع الأخير ليكون في مهرجان أبوظبي، ورغم عدد الصفحات المحدود تحاول أن تكثف فيه المواد التحريرية، التي تم تبوبها تحت عناوين كبيرة مثل بورتريه، بقعة ضوء، قراءة، مقابلة، فيلم اليوم، صورة، والافتتاحية.
أما ماثيو داراس (0 3 عاما، من فرنسا، درس السياسة وعلم الاجتماع، وهو مدير تحرير المجلة)، يتحدث عن صغره وحبه للرحلات مع عائلته حيث كان دائم النظر من شباك السيارة يتخيل ما الذي سيكون عليه في المستقبل، ما يعني أن لديه رؤية سينمائية منذ سنوات عمره الأولى، ويسترسل قائلا:
دراستي ساهمت في عشقي للسينما وقد كنت عضو لجنة التحكيم في مهرجان الخليج السينمائي، ومن واقع احتكاكي بالمهرجانات الدولية أرى أن الأفلام الإماراتية تتطور عاما بعد عام، ويضيف ماثيو: لا أتردد في إعطاء خبرتي لفريق العمل من أجل تحسين مستواهم وخروج المجلة بالمضمون الذي يجذب الجمهور إليها.
وتشير ليلى حطيط (82 عاما، لبنانية الأصل وتعيش في أسبانيا، درست السينما بأميركا، وتعرض أفلام وبرامج عربية في البيت العربي بمدريد) أن تجربتها مع الكتابة رائعة وهذه هي المرة الأولى التي تعمل فيها بمهرجان عربي، ساعدها بمنحة آفاق لتمويل الأفلام الوثائقية، وجعلتها الفعاليات المختلفة تلتقي بصناع سينما من جميع أنحاء العالم، ولكونها متخصصة في المجلة بعمل المقابلات الصحافية ركزت على الجانب العربي وتجارب الشباب الجديدة مع تسليط الضوء على بعض المخرجين المهمين ومنهم بيني بيكر وهو أميركي وأعماله تتجاوب معها المهرجانات وتسعى إليها.
وتؤكد نسرين الزيات (03 عاما، من مصر، تعمل صحافية في روزاليوسف، درست علم الاجتماع، ولها تجربة وحيدة كمخرجة في مجال الفيلم القصير)، أنها فوجئت وسعدت كثيرا بقبولها في الورشة التي سعت إليها لتتعلم وتضيف إلي خبرتها تجارب أخرى من خلال احتكاكها بأجانب، وأحست بذلك من اللحظة الأولى لاختيارها وظهر مع الأفكار التي تبادلتها مع جودي قبل بدء العمل بشهرين عن طريق التواصل بالانترنت، وتضيف نسرين:
التعليم ليس ألف باء في مدرسة، بل يأتي عن طريق الاستفادة من المناقشات، واكتشفت أنه لا توجد في العالم العربي أسس للنقد السينمائي، وكل ما يكتب لا يخرج عن كونه انطباعات شخصية أكثر منه تحليل ورؤية فنية.
ويعلق الناقد المصري كمال رمزي على التجربة قائلا: واجب على كل صحافي أن تكون لديه خبرة ودراية بعالم السينما، والمسألة لا تكون بالنسبة له قراءة في فراغ، بل من الضروري أن يكون عنده منهجية بشكل أو بآخر.
وهذا لا يتأتى إلا بنوع من الدراسة تحققها مثل هذه الورش التي يجب أن تنقسم إلي قسمين، عام يشمل كل المهتمين وبالذات الصحافيين ومن يكتبون التقارير التلفزيونية أو الإذاعية وما إلى ذلك، وخاصة لمن يريدون التخصص في النقد السينمائي، ومثل هذه الورش موجودة بكثرة في فرنسا، وتجري أحيانا دراسة كاملة عن كلير أو رينيه من زوايا مختلفة يمكن أن يشملها كتاب بعد ذلك.
بالتأكيد هذه الورشة مفيدة ولافتة، هذا ما يؤكده رمزي، ويواصل قائلا: السؤال المهم أين العرب في تنظيم مثل هذه الورش؟، ويحسب لمهرجان أبوظبي السينمائي أنه قام باستضافتها، حيث أصبح مؤسسة أوسع بكثير من كونه مهرجاناً يعرض أفلام ويقدم جوائز، ومن ضمن جوانبه المشرقة أنه يشارك في تفعيل هذا النوع من الورش التي ستتطور أكثر في الدورات المقبلة، وهذا يدفعنا إلى مزيد من الأسئلة:
لماذا لا يكون هناك مؤسسة عربية تقوم بهذا العمل؟، خاصة أن لدينا نقاداً ومخرجين وكتاب سيناريو متميزين، ولا يعني ذلك إلغاء الخبرات من الخارج لأنه يحقق خبرة مزدوجة بين العرب والأوروبيين.
أبوظبي - أسامة عسل

