أوانٍ من الخزف بتشكيلات رائعة، وحلى متنوعة من الخرز، وشنط ومقتنيات خاصة من الخوص، طرح وأغطية للرأس بألوان بديعة، سجاد وكليم برسوم وألوان تنم عن ذوق رفيع، كلها منتجات يدوية بديعة لا تخطئها العين لتميزها ودقتها وجودتها وجمالها. إنها من إبداعات فتيات وسيدات البيت النوبي فى مدينة الأقصر التاريخية بصعيد مصر؛ فما هي حكايته، وما هو السر وراء هذا الإبداع؟
السر والحكاية أن تلك المنتجات تمثل تراثا عريقا وأصيلا وتعبر عما يتسم به الإنسان النوبي من لمسات ذوق وفن انعكست على هذه الصناعات الحرفية والبيئية، وأنشئ المركز الحضاري النوبي فى الأقصر بهدف الحفاظ عليها وهو أحد مشروعات خطة التنمية الشاملة لمدينة الأقصر.وقد تكلف إنشاء المركز الحضاري النوبي فى الأقصر 51 مليون جنيه مصري »نحو 227ر2 مليون دولار«، ويقع فى مكان متميز يربط البر الشرقي للأقصر بالبر الغربي، حيث يلاصق المركز كوبري الأقصر العلوي فوق نهر النيل.
وجاء إنشاؤه ليعكس الاهتمام الكبير بالتراث النوبي وتقديم نموذج فني للحياة المعيشية فى المجتمع النوبي، وأشهر منتجات أهل النوبة فى محافظة الأقصر، والتي تتم بخبرات وأيدي شبان وفتيات قرية منشية النوبة جنوب مدينة الأقصر والملاصقة للمركز الحضاري النوبي.
تاريخ عريق للنوبة
فى البداية يحكى جمال عبداللطيف، احد أبناء النوبة، تاريخ قرية منشية النوبة فى الأقصر، ويقول إن قريته يعود تأسيسها إلى عام 1933 بعد الهجرة الثالثة للنوبيين بعد المرحلة الثانية لخزان أسوان والهجرة الرابعة عام 1946 بعد بناء السد العالي، فى حين كانت الهجرة الأولى عام 1980 عند بناء خزان أسوان واتجهت إلى السويس والثانية كانت عام 1921 واتجهت إلى الزقازيق.
والقرية تبعد عن الأقصر 7 كم جنوبا ويتبعها 6 نجوع هي الشوشاب والغربياب والسنبلاب والأنصار والسكوراب والوليباب، وهي أسماء عائلات عريقة بالنوبة، فى حين استقرت عائلتا العقيلات والمالكي فى قرية البغدادي منذ عام 1933.
ويضيف: »بالطبع الإنسان النوبي جاء وهو يحمل معه ثقافته الخاصة وعالمه الثرى لكافة الفنون وعاداته وتقاليده التى ظل حريصا عليها حتى الآن«.
ويقول إن التراث النوبي يشمل أوجه الحياة المتعددة من أزياء ولغة وأطعمة وطقوس خاصة فى الأفراح والمواسم والأعياد، وإن لمسة النظام والفن والذوق للإنسان النوبي انعكست على كل تصرفاته الحياتية، سواء فى بناء منزل واسع له فناء وحديقة، وإن وجود شجرة أمام كل بيت شيء أساسي، وكذلك حرصه على عمل مصارف للسيول، وتنظيم الشوارع وحرص المرأة النوبية على النظافة أمام البيت.
عادات وتقاليدويشير إلى بعض الطقوس الخاصة بهم فى المواسم الدينية مثل عاشوراء، حيث يقومون بتكسير البلح، وإضافة لوبيا وحلبة وغليها معا حتى يصبح قوامها غليظا، كالمربى، كما يتم حرق الحبال كرمز لقصة سيدنا موسى مع سحرة فرعون.
كما أن هناك عادة قديمه جدا من عادات النوبة وتتم فى أول أربعاء من شهر محرم واسمها »أربع مادور«، حيث يتم جمع 7 قبضات، و7 أنواع من الحبوب ويتم وضعها فى قدر كبير، وتخلط؛ وهي رمز لقصة سيدنا يوسف مع السنوات العجاف.
أيضا من العادات الخاصة بهم في سبوع الطفل عمل أرز باللبن أو العصيدة أو المديدة وتوزيعها على الجيران، وزفة المولود والأم حتى النيل، وقيام الجدة بغسل وجه الطفل بماء النيل والدعاء له على ضفاف النيل.
وكذلك غسيل ملابس المولود، ويلاحظ أن معظم هذه الطقوس مزيج من الديانات المختلفة اليهودية والمسيحية والإسلامية. وأضاف أن الأسر النوبية تتميز بالألفة والترابط والتكافل الاجتماعي فى السراء والضراء، ومن ثم لا يوجد بينهم شاذ أو منحرف أو لص نهائياً .
الحفاظ على التراث
وعن أهمية الحفاظ على التراث النوبي بجميع مشتملاته، وخصوصا الحرف والمنتجات البيئية والحرفية، وأهمية استمرارية نقلها من جيل إلى جيل، أو من خلال التدريب؛ فهذه مهمة المركز الحضاري النوبي في الأقصر، والذي يقول عنه الدكتور سمير فرج صاحب فكرة إقامة المركز الحضاري النوبي:
إن الإنسان المصري حافظ على تراثه عبر العصور المختلفة على الرغم من الغزوات والغزاة الذين حاولوا طمسه، سواء كان فنا فرعونيا أو قبطيا، والذي ترك زخارف جميلة، أو الفن غير الإسلامي الذي تميز بالرسوم الهندسية والأرابيسك.
وبالطبع فإن الإنسان النوبي حرص على تاريخه وعاداته وتقاليده وتراثه، واستوحى الفن النوبي الألوان والنقوش الزاهية المستوحاة من الطبيعة، وخاصة الشجر والنخيل والنجوم، كما استخدم الخامات الطبيعية مثل الجريد والقطن والحرير وأوراق الشجر.
وأكد فرج أن المركز الحضاري النوبي هو مؤسسة تحرص على التدريب فى المقام الأول باعتباره أداة لزيادة الخبرات، وتعلم الحرف القديمة، إضافة إلى الخبرات الشخصية والحياتية والتميز القروي والقدرة على التعامل والتكيف وقبول الآخر، وأضاف أن الحرف اليدوية تعلم الكثيرين القيم مثل الصبر والتركيز وإتقان العمل علاوة على والذوق والحس والفن، علاوة على أنها مصدر للدخل والرزق.
وأضاف أن البيت النوبي يشمل خمس حرف أساسية، وهي الجريد والخرز والسجاد والكليم والخزف والفركة، وسيتم إضافة حرفه سادسة وهي نقش الحنة .
وأوضح سمير فرج أن هناك الكثير من التطوير والأفكار الخلاقة من المنتظر تنفيذها فى المرحلة المقبلة لهذه الحرف الجميلة، مثل إعادة أحياء الأدوات المنزلية والمستلزمات الحياتية مرة أخرى، مثل السلات والمراوح في قسم الجريد وسعف النخل، وكذلك إعداد وحدات إنتاج صغيرة فى البيوت النوبية لهذه الحرف وإعدادها لاستقبال الرحلات والزيارات، وإحياء حرفة رسم الحنة كعادة متوارثة وعليها إقبال كبير، وبالطبع تجيدها فتيات وسيدات النوبة.
»د ب أ«- »الحواس الخمس«

