معظم الحركات الإبداعية في العالم ازدهرت لأن هناك نقادا وقفوا الى جانبها قيموها وصوبوها وفرزوها تبعا لخصائص كثيرة خصصت لها وجعلتها ذات قيمة إنسانية وجمالية خاصة.
ولعل حالة المسرح دونا عن باقي الفنون والمظاهر الثقافية تعد من أصعب المهمات التي يمكن ان يواجهها ناقد ما حال تناوله العرض بمضمونه الفكري وشكله الجمالي والحوامل التي اعتمد عليها من أجل تعميق الجانب الإنساني فيه. وفي كل الحالات تلك مهمة صعبة يواجهها ناقد مختص ربما بصعوبة عمل المخرج والممثل، ولكن أصعب ما يواجهه المخرج بعد العرض المسرحي هو كلمة ناقد تقصف ظهر عمله وتجعل حلوله وأفكاره تمضي مع الريح ®.! ذلك كان المفتاح الذي أشار بعض ضيوفنا فيما نعرض له عبر هذه السطور ، قائلين : ليس هناك حركة نقدية واضحة في الإمارات بل هناك غياب كامل لناقد لم يواكب العملية المسرحية منذ نحو ربع قرن وذهب الدكتور حبيب غلوم للقول إن العملية المسرحية سقطت بكل عدتها وعتادها.
في حين لفت الدكتور يوسف عيدابي في رأي قريب لأرض الواقع إلى أن ما يقال عن العروض هو نقد شئنا أم أبينا والساحة ستنضح بما فيها بعد وقت وصبر.
المسرح الإماراتي بلا نقاد، حالة يعيشها هذا المسرح منذ أعلن عن ولادته وهي حالة غير صحية وبدائلها ربما في متناول ضيوف ملف المسرح في هذا العدد
غياب الناقد يحوّله إلى ثرثرة
لا يمكن النظر للنقد الانطباعي أو ما يقال خلال الندوات التطبيقية عقب العروض المسرحية والمادة الإعلامية التي تكتب عادة في الصحافة على أنها نقد متأخر للعرض المسرحي لأنه بحال من الأحوال كل تلك التصورات هي تعبير عن ردة فعل ضمن تصور ما تجاه العرض المسرحي«.
هذا ما عبر عنه الناقد الدكتور يوسف عيدابي وهو أكاديمي مسرحي وأستاذ جامعي سوداني ومتابع لأيام الشارقة المسرحية ومعظم المهرجانات المسرحية الخليجية والعربية في تعليقه على حضور الناقد المسرحي في المشهد المسرحي المحلي .
ويشير الدكتور يوسف في حديثه مع »الحواس الخمس« أن العلاقة الحميمية بين المتلقي والمؤدي سرعان ما تقدم نفسها فور الانتهاء من العرض المسرحي وهذا مظهر نقدي شئنا أم أبينا، بل حالة يمكن تطويرها وصهرها وتحسينها وهي تتذبذب صعودا وهبوطا ولا يجوز عدم احترامها لأنها بالنهاية موضوعية وليست عكس ذلك.
أما عن الشق الأكاديمي المتعلق بلغات العرض المسرحي فيمكن التعبير عنه في المجلات الاختصاصية والمؤتمرات المسرحية ، فهي المكان الأنسب لمناقشات وجدل أكاديمي حول عرض مسرحي ما بل قد يكون من المجدي التعرض للعرض المسرحي ضمن هذا الحيز الزماني والمكاني.
ويأمل الدكتور يوسف أن يكون هناك تفاعل مسرحي في الشأن المحلي يفرز نقادا مسرحيين وعلينا ألا نستعجل الأمور على حد تعبيره، فالجو ينضح حتما بما فيه، وربما المؤسسات والجهات المسرحية تحتاج إلى خلق موجهات وأهداف إستراتيجية ضمن فترة زمنية ما بهدف إيجاد تصور نقدي مسرحي ما بتأهيل كوادر للمستقبل ضمن دعم خاص وموجه للعملية المسرحية او فلنقل للعلمية النقدية المسرحية .
وأي عرض مسرحي هو بحاجة لناقد ما لأن العلمية الإبداعية قد لا يكتب لها الاستمرار والتألق دون حركة نقدية مسايرة ويشير الدكتور يوسف أخيرا ان هناك حالة حراك مسرحي وليس هناك حركة مسرحية متكاملة والثانية تستلزم حضور كل مقومات الحركة المسرحية التي لا تقوم بلا ناقد.
بدوره يرى المخرج حسن رجب أن ثمة غيابا كاملا لناقد مسرحي اختصاصي عن الحركة المسرحية الإماراتية، مشيرا الى أن كل ما يكتب من مقالات نقدية يخضع لاعتبارات كثيرة وغالبا ما يحكى من نقد خلال الندوات التطبيقية يجري تسويقه على أساس أنه رأي لأحدهم وفي كل الأحوال لا يوجد نقاد واكبوا الحركة المسرحية في الإمارات بمعنى التحليل النقدي والرؤية الأكاديمية .
وما يثير الغرابة حسب ما قال حسن بأنه ومن خلال كل هذه الضجة التي تثير حول المسرح والمسارح لا يوجد ناقد إماراتي مهتم بالمسرح وهذه بحد ذاتها خيبة أمل كبيرة ، مشيرا الى ان ما يكتب في الصحافة غالبا لا يرقى لمستوى ولا يوجد تقييم موضوعي للعروض المسرحية التي تقدم على خشبات المسارح .
ولم يلفت رجب خلال عمله في المسرح كمخرج مقالا نقديا رافق تقديم أعماله الإخراجية بل على العكس معظمها كانت تصب في مديح زائد او هجاء مقابل ولعل الحركة المسرحية في الإمارات تحتاج حقا كي يتاح لها أن تزدهر إلى هامش نقدي حر.
ويشدد الدكتور حبيب غلوم على ما قاله حسن رجب لأسباب يقول إنها موجبة في التعاطي مع العمل المسرحي الذي يفتقد للخط البياني الصاعد، معلنا سقوط العمل المسرحي أساسا نتيجة أسباب كثيرة أهمها نزوع الفنانين المسرحيين باتجاه التلفزيون وغياب الدعم النقدي عن تظاهرة المسرح الإماراتي .
ويلفت غلوم الى أنه حاول ومنذ اثنتي عشرة عاما اي منذ ان أنهى دراسة الدكتوراه على إيجاد مساحة للعمل ضمن الجامعات وضمن ما سماه النقد الأدبي او المسرحي ففشلت مساعيه على الرغم من تعدد الجامعات وكثرة عددها في الإمارات وهذا بحد ذاته لا يعطي إيحاء بأن هناك اهتماما بالعملية المسرحية او اهتماما بالعلمية النقدية ككل.
وربما يحتاج المسرح قبل أي شيء آخر إلى الإيمان بدوره في بناء المجتمع وأهميته كما قال في حديثه إلينا وربما نتيجة لهذه الخيبة التي يتحدث عنها غلوم فقد أصر على عدم حضور الندوات النقدية التي تجري عقب العروض المسرحية لإحساسه أنها ليست بالمستوى المطلوب ولا طائل منها.
والرأي الذي يقال لا يؤخذ على محمل الجد واما ان يتحول المرء الى مداح على طول الخط وإلا فإنه سيصنف على القائمة السوداء من قبل صناع العمل ولأجل هذا فضل الدكتور حبيب كما قال الصمت إزاء ما يحدث وإزاء ما يشاهد.
ويشير الزميل الإعلامي أسامة مرة مسؤول الإعلام في دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة إلى أن هناك معايير غائبة تجاه المواضيع الإبداعية في الإمارات لغياب الناقد الاختصاصي عنها بل عن معظمها.ويشير مرة المشرف على نشرة أيام الشارقة المسرحية والمعنونة ب»الأيام« أن الخوض في هذا الموضوع شائك، فالحركة المسرحية لديها معاناتها في أكثر من مجال والإعلام له أولوياته التي تسبق شروطه المهنية .
ولكن على العموم الإعلام يتعامل مع الواقع المسرحي كما يتعامل مع الشأن الرياضي فاما أن يقتل المسرح حبا أو يقتله نقدا دون أن تتوفر لدى بعض الأقلام الشروط الموضوعية في تناول العروض المسرحية ذلك أن الساحة العربية عامة تفتقر إلى عدد من النقاد في مجالات المسرح والتشكيل والأشكال الأدبية الأخرى مما يخلق إشكالية في العلاقة بين الإعلام والمسرح وتنسحب تلك الإشكالية سلبها وإيجابها على العاقة الإنسانية بين الإعلاميين والمسرحيين.
مع العلم أن الرعاية المعنوية والمادية التي تقدم في الإمارات للحركة المسرحية لو توافرت في مكان آخر لاحتلت موقعا متقدما على الصعيد العالمي، ولعل واحدة من المهام المتوقعة في هذا السياق لقاء الكادرين المسرحي والإعلامي لتحقيق الوصول إلى ميثاق شرف يتسم بالشفافية لقبول الرأي الآخر لما فيه مصلحة الحركة المسرحية التي حققت لا شك منجزات يطمح المرء للمزيد منها.
دبي - جمال آدم

