لعل واحدة من مزايا العرض المسرحي البحريني »الباص« هو تجسيد الباص تجسيدا مجردا على خشبة المسرح، حيث تلعب تلك الكتلة الصفراء الكبيرة دور الناقل والمحرك على تقديم عرض مسرحي، فيه الكثير من عملية الجذب لعرض يحمل بصمة الكوميديا والضحك.
قصة العمل قدمت ضمن رحلة يقوم بها هذا الباص في الصحراء، حيث يتعطل فجأة، ومن ثم يبدأ الركاب بعرض قصصهم ومشكلاتهم تباعا ليكون العرض عبارة عن قصص متلاحقة يجمعها الزمان والمكان فقط بحكم عملية التوقف تلك، ومن هنا نجد أن اللعبة المسرحية التي اعتمدها المؤلف تقوم على عرض من باب المصادفة لقصة طويلة تتخللها محطات فيها من الطرافة الكثير التي تعنى ببناء عرض مسرحي متكامل.في البداية نشير الى ان قصصا مماثلة سبق ان تطرقت لها مختلف وسائل الفنون في السينما والمسرح والتلفزيون محققة حضورا خاصا ومعالجات مختلفة ضمن هذا القالب الدرامي الشيق.
جمالية اللعبة المسرحية في تشكيلاتها وعوالمها المتنوعة والمتداخلة التي انتظمت في توالد سردي مستمر عبر لعبة مسرحية تتمثل في »ثيمة الباص«، أو إطار الباص الذي يعتبر تقنية تزيد من ديناميكية #السرد وتناميه المستمر الذي طاف وتناول العديد من القضايا والموضوعات التي تتعلق بالثقافة والمجتمع، والدين، والدولة والفرد والجماعة.
وقد كان لتوليف ومقاربة نصوص أنطون تيشكوف الروسي ومحمد الموصلي العربي دور في كسر المفارقات الثقافية، وعكس الهمّ الإنساني المشترك. لقد كان لمركزية الباص، وسائقه #دور فني في فن الخلق المسرحي من خلال تقنية الفلاش باك أو فنية الاسترجاع في نقطة معينة، ومن ثم الرجوع إلى اللحظة التي توقفت أو تركت عند مفرق ما.
فمثلا عندما كان الملا أو المطوع يسرد على سائق الباص حكاية (الرجل والعقد) كانت حركة السينوغرفيا تشكل وعيا في الإهمال والتغاضي عن هذا السرد والخروج من إطار الباص إلى عالم (الرجل والعقد)، وكذلك عندما كان ذاك الشاب المبدع الطموح يشكي همه إلى صاحب الباص توقف السرد ليخرج إلى عالم (زوجة الأب) التي تمثل السلطة القامعة التي تقتل الإبداع وتستبد في مواجهة حرية الكتابة والتفكير.
وهكذا دوليك كانت المسرحية يتناوب فيها السرد اللغوي والفنيات العالية ضمن حالة التنوع والتجدد لتخلق حكايات جديدة لا تتوقف؛ فمن (الرجل والعقد) إلى (لمن أشتكي همي) إلى (الحرباء) إلى (الخطيب) إلى (زوجة الأب) كلها نقاط لتقنية الفلاش باك، ومن هنا كان لهذا دور في سد أي لحظة ملل أو سأم قد تحدث عند الجمهور.
وكانت مركزية (سائق الباص) أقرب ما تكون إلى الشكلية الموظفة، وكان هذا واضحا عند إرجاء سرد حكاية السائق إلى خاتمة المسرحية، وقد استنكر بعض الجمهور على حكاية (السائق) التي كانت حسب رأيهم مقحمة قسريا على المسرحية، فلقد كانت حكاية السائق تحكي مأساة فقدان ابنه الوحيد الذي راح ضحية مرض هذه الأيام H1 N1 انفلونزا الخنازير.
من الأشياء التي أضفت على جو المسرحية حضورا لطيفا شخصيتا (السكّير) و (الملا)، وكان كلاهما في الباص، وبهذا يتعمق مفهوم (الباص) كرمز لحياة الفرد والمجتمع، والحياة لا يتوقف فيها الزمن ولا ترجع فيها عقارب العمل والإنجاز، والإبداع إلى الوراء، وإنما هي دائمة الصيرورة والتقدم، ولكننا نجد أنفسنا أمام شخصيتين تعبران عن واقع مر يتمثل في ثنائية الانفلات والالتزام (السكير) و(الملا).
وهذان نوعان من الناس يعيشان فيما بيننا في هذه الحياة؛ فالأول منغمس في اللذة ولا يعرف أين هو من خريطة الإبداع والعمل #في هذه الحياة، ولا يدري إلى أين هو المصير أو المستقبل. والثاني (الملا) الذي يعرض لحال رجل الدين المتزمت في الواقع العربي.
ظل تشيكوف
مسرحية عرضها مسرح جلجامش البحريني. . نصّ المسرحية قائم على جملة من التوليفات بين عدة نصوص للكاتب الروسي أنطوان تشيكوف، والكاتب العربي د. محمد الموصلي والنصوص هي : (الرجل والعقد، لمن أشتكي همي، الحرباء، الخطيب، زوجة الأب) قام بإخراجها: الفنانان البحرينيان نضال الدرازي، وياسر ناصر، اضافة إلى الفنان علي بحر، ومشاركة نخبة من الفنانين الشباب.
عباءة جديدة
تحدث المخرج نضال الدرازي عن العرض قائلا: تعتبر الكويت من اكبر الدول الخليجية التي احتضنت رواد المسرح، وقيام فرقة بحرينية مثل فرقتنا بالعرض هنا هو شرف كبير، وان نشارك الاخوة الكويتيين في هذا العمل الذي سنقدمه كعمل ثقافي بحريني يعتبر بقعة ضوء في الحياة، وهذه نقطة كبيرة لصالحي كمسرحي بحريني، وهناك هدف آخر وهو خروج المسرح البحريني من عباءة المسرح الجاد.
ولا يمنع من ان يقدم الكوميديا ويحقق حضورا جماهيريا له في كل الاحوال، الى جانب العروض المهمة التي نتابعها في دول الخليج، ولما تم ترشيح العمل للمشاركة في مهرجان المسرح العربي الذي اقيم في تونس كانت هناك توصية من لجنة التحكيم بأنهم محتاجون الى أعمال غير جادة في طرحها وفيها جانب من الكوميديا، وممكن خلال تلك التوصية ان ننجح في اعادة الجمهور للمسرح.
مضمون العمل والقضايا التي تناقش هي للكبار، والفحوى من النص هي مشاكل اجتماعية خليجية وعالمية ليس لها حدود، ومن الممكن ان تطرح في اي مكان وزمان، وتبقى المعالجة هي ما يجعلها ابنة شرعية للبيئة والفن أم لا.
وعن اختيار الاسم أجاب قائلا: اسم المسرحية يرتبط بالمجتمع البحريني القديم، لأن من كان يستخدم الباص في النقل هم العوائل والصغار والكبار. والجميل في الموضوع هي الحميمية التي تخلق داخل الباص من لحظة صعود وجلوس الشخص مع اناس آخرين، وهي الامور التي انقرضت ولا توجد حاليا، وفيها ذكرى وتناول جميل للقضايا اليومية؛ فمثلا تأتي المرأة وتتكلم عن امورها، ويأتي شخص آخر ويتكلم عن همومه، ومع تقدم الوقت في سرد الأمور يعتبر هو الفارق الزمني في الموضوع.
دبي - ناهد حمود

