يتسامرون ويتجاذبون أطراف احاديثهم، وبعد الانتهاء من رشف قهوتهم يتركون آلامهم وآمالهم في باقي فنجان القهوة، وكل ينصرف الى همومه وأحلامه .. لعلها حال شللية المقاهي المنتشرة في دبي ومراكزها، فهذا شاب من سوريا وآخر من لبنان وثالثهم مغربي، وفي الطرف المقابل تجلس مجموعة من الجنسيات الأخرى يضحكون ويبكون، ويبقى المكان شاغرا بانتظار زبون آخر.
«الحواس الخمس» استطلع آراء مرتادي «الكوفي شوب» واطّلع على ان مختلف زبائن المقاهي، إما تجمعهم كثرة التعود على ارتياد المكان او جنسيتهم بحكم الحنين الى الوطن واستعادة ذكرياته ، ولكن لا احد يعلم عن الآخر اكثر مما يريد الطرف المقابل ان يعرف عنه ، انها قصة مكان ، فإلى التفاصيل .
تمضية وقت
يقول علي الجندي مجال عمله الكمبيوتر والذي ارتاد مقهى «سبريم » انه يمضي معظم وقته في المقهى ثم يذهب الى السينما ليطالع فيلما جديدا وبعدها يعود الى المقهى، وفي بعض الاحيان لا يدفع ثمن مشروبه نتيجة الاستمرارية والثقة التي يتبادلها مع القائمين عليه، الا انه يؤكد تنفس عشق لبنان من خلال الذين يرتادون المقهى كل يوم وان علاقته مرتبطة بالمكان اكثر من الاشخاص لأن التقرب من الآخر يجعله جزءا من حياتك ومشاكلك، لذلك انا بالغنى عن اي جديد يطرأ على حياتي التي اعتدتها، فمعظم النار من مستصغر الشرر، فالكثير يجلسون ويتعرفون خليك ولكن النتيجة كلهم تعايشهم المشاكل المالية خصوصا، ومنهم من تنقطع اخباره ومنهم من دخل السجن نتيجة المعاملات البنكية.
ملح العلاقة
اما فادي الميس المسؤول عن المقهى فيقول: انا اعرف كل مرتادي المقهى ولكن بحكم العشرة والتكرار تنشأ بعض الصداقات التي اسميها ملح العلاقة، ويبقى معظمها بحكم التعود، فعملي يفرض علي مسايرة الجميع وتلبية طلباتهم من خلال الموظفين الذين يعملون بالمقهى، ولكن شروط المهنة تقول: بقدر ما تكون صداقات بقدر ما يكون هناك زبائن، فهذا وقت عملي الذي يشبه اي وظيفة سواء صحافي او مهندس او طبيب، وبالمقابل تراني اسامر الكل ولكن عند انتهاء عملي الطويل للأسف اغلق هاتفي وأنتبه لحياتي الشخصية والتزاماتي، ولكن عندي صداقات واذا تأخروا أتصل بهم.
الحنين للوطن
أما محمد الحوي موظف في مصنع زجاج فيعزو ارتياد مكان واحد رغم كثرتها في دبي الى التعود على الخدمة الجيدة، وبعض الاحيان وقوع المقهى وسط دبي، فهو قريب على الكل، واخيرا فإن الاشخاص الذين يأتون ان لم تنشأ بينهم صداقات فهم يعرفون بعضهم بالوجه وكل يسلم على الآخر ويسأل عن حاله، حتى ان مسؤول المقهى يتصل بنا في احيان كثيرة عندما لا نأتي يوما او يومين ليطمئن على حالنا، وبالتالي القهوة تعكس ألفة ولا تكون صداقات، فأنا كل الذين أجلس معهم هنا لبنانيون، فالغربة تشعرك بالحنين للوطن الذي تراه من خلال الاشخاص، ولكنك فعلا تجد طاولة يجلس عليها لبنانيون، واخرى مصريون، وثالثة سوريون او مغاربة، فيبدو ان المقهى مكان لالتقاء الاصدقاء، وليس لتكوين صداقات .
امتداد للمكتب
اما يوسف ابن الصحراء فله رأي يتعلق بحميمية المكان، فبحكم السفر وشعبية المكان فإنك تعيش اجواء بلدك ، فدبي صنعت تمازجا يحاكي كل الاذواق، وما عليك الا الاختيار، فهناك الاماكن (فايف ستار) ولها ناسها، وأنا أرتادها ايضا، ولكن يبقى لشارع الرقة حنين وحب لأنه يذكرك بكل شيء؛ بشوارع الوطن وشوارع فرنسا، انه شارع حي لا يهدأ، وبالنسبة للمقهى الذي أرتاده للأمانة لم اكوّن به صداقات، بل اعتبره امتدادا للمكتب انهي وانجز ما تبقى لي من أعمال فيه من خلال مقابلة الاشخاص الذين نتعاون معهم، وانا طلبت من مسؤول المقهى بأن الطاولة التي اجلس عليها الا يكون فيها الا كرسيان لكي لا يأتي من يجلس عليها، ولكن هذا لا يمنع انني عرفت بعض الاشخاص بما فيهم انت، ونسلم على بعضنا البعض، والآن عرفت اسمك وعملك، للامانة هناك بعض الامور الصغيرة تحدث من بعض الجالسين من خلال التصرفات الولدانية او الضحك بصوت عال من دون مراعاة لحرمة الجالسين، وكأن المكان ملكهم، وهذا ليس محصورا بجنسية معينة، بل بطيش شباب، بالتالي كل مسؤول عن تصرفاته وسلوكه، فأنا من رأيي المكان له سحره وتأثيره، فمثلا ترى بعض الناس يجلسون في مقاه لا تحتوي على اي وسيلة من وسائل الراحة، ولكن ارتباط المكان ببيئة الانسان له دور في التأثير في حياته وتقاليده.
سمر وشكوى
راجيش «س.ل» يؤكد أنه يأتي هو وصديقه مرة في الاسبوع وهي كافية لبث شكواهما والتسامر حول البلد والاهل، خاصة انه لم ينزل الى بلده منذ عامين، ولكن هنا يشعر انه ببلده لكثرة مواطنيه الذين يذرعون الطريق مجيئة وذهابا، وهذا يعطيه شعورا بالطمأنينة، اما صديقه راجو باهان فيعتبر ان يوما بالاسبوع يكفي لملاقاة الاصدقاء، اما يوميا ، فهذه تصبح عادة، وكذلك ماديا بها مشكلة، خاصة ان راتبي ليس كبيرا، ولكن طلعة بالاسبوع لا تضر ولا نختلط مع احد .
المقهى بديلا
وتقول مونيكا اليكس فلبينية موظفة سكرتيرة في «سبا» انها تأتي كل يوم هي وصديقاتها واصدقاؤها ليجلسوا ويشربوا الشوكولاتة الساخنة ويبقوا حتى ساعة متأخرة، خاصة ان الطقس بدأ يتحسن، وتقول ان الشعب الفلبيني اكثر الشعوب على الارض يحب تكوين الصداقات، حتى إن لها اصدقاء بالمئات على المواقع الالكترونية، وبالتالي لا مشكلة عندها ان يكون اصدقاؤها من بلدها او عربا او اجانب، وتعتبر كثرة الاصدقاء رصيدا للشخص في الحياة ضد نائبات الدهر، فرب صديق لك لم تلده امك.
ودبي عالم في مدينة ، فهي تجمع كل الجنسيات على ارضها، وبالنسبة لي لا ضير من كثر الاصحاب وخاصة الفتيات، انا من خلال المقهى تعرفت إلى العشرات من الفتيات الفلبينيات، وكلهن يجتمعن هنا لأن المسكن يكون مزدحما «شيرنق» لذلك المقهى يكون بديلا للبيت .
مشاهدات
تعتبر مجموعة من الصحافيين من مختلف الجرائد والمجلات، وجميعهم مختصون بالشأن الرياضي مقهى «سبريم» مكانهم المفضل، حتى ان احدهم يغني كل يوم للفنان فريد الاطرش، بعض الزبائن طاولاتهم مخصصة لهم حتى لو تأخروا عن المجيء ، فهي محجوزة ، الكل في احدى المقاهي يعرف الآخر، ولكن شكلا وليس اسما، حتى انهم يتبادلون السلام .
دبي ـــ عبد المنعم الشديدي
