مجرم إرهابي أم ثوري مناضل ؟ قاتل للأبرياء أم مدافع عن حقوق المظلومين ؟ هكذا هي رؤية العالم للشخصيات التي تترك أثراً معروفاً في التاريخ، ولقد تمت معاملة العديد من رسل السماء والزعماء السياسيين والمفكرين والمنظرين بهذه الطريقة، حيث ترى فئة الجانب الذي تريده من «العملة النقدية»، بينما ترى الفئة الأخرى جانبها الثاني، ولئن أردنا أن نسرد تاريخ الأسماء المختلف حولها عبر التاريخ لما اكتفينا بأوراق المطابع في العالم، وهذا ما يصوّر مشهد الفيلم الروائي الذي سيعرضه مهرجان أبوظبي السينمائي الدولي عن شخصية «إيليتش راميرس سانشيز» عبر فيلم «كارلوس- ثمن ابن آوى» هذه الشخصية التي عرفتها الأجيال المتعاقبة في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي وباتت أسطورة في مجال العمليات المنظمة المسلحة والصراع مع أجهزة المخابرات الدولية المتعددة.

فيلم «كارلوس- ثمن ابن آوى» الذي أخرجه أوليفييه أسايس وأنتجته محطة «كانال بلوس» المشفرة ويجري عرضه للمرة الثانية في العالم العربي في مهرجان أبوظبي السينمائي بعد أيام بيروت السينمائية؛ جرى تصويره بنسختين؛ إحداهما تلفزيونية وتبلغ مدتها 5 ساعات ونصف الساعة وجرى عرض هذه النسخة في مهرجان كان الماضي خارج المسابقة الرسمية، أما القائمون على مهرجان أبوظبي فآثروا عرض النسخة السينمائية التي سيجري عرضها في قصر الإمارات مساء اليوم؛ وتبلغ مدة العرض ساعتين و93 دقيقة وهو ما يقارب نصف مدة النسخة التلفزيونية، كما أن هذه النسخة من الفيلم تتنافس داخل مسابقة الأفلام الروائية الطويلة في المهرجان مع 41 فيلماً آخر من مختلف البلدان، منها 3 أفلام عربية، ويبدو أن اختيار المبرمجين وإدارة المهرجان لهذا الفيلم على وجه التحديد جاء موفقاً إلى حدٍ كبير، فشخصية «كارلوس» ذات أهمية كبيرة للمنطقة العربية، وسيسهم عرض الفيلم بإثراء حالة النقد والجدل حول ما سيظهر عليه الرجل في سرد سيرته بين الحياد والانحياز، وربما تعمق الجدل والنقاش من النقد السينمائي والفني البحث إلى السياسي والفكري الإيديولوجي، فنحن «كعرب نناقش السياسة حتى في الحب وسرير الزوجية وطبخة الفاصوليا»، وهذا ما نتوقعه بعد هذا الفيلم.

لأننا شاهدنا مقاطع مطوّلة من الفيلم عبر بعض مواقع الإنترنت؛ فإننا نجزم بأن المخرج وإن ادعى حياديته في تصوير حياة كارلوس ودوافعه لتتخذ حياته ما اتخذته من مسارات شائكة؛ إلا أن ذلك لم يمنع من تشويه بعض الحقائق وإضافة بعض «البهارات» التي تقتضيها حرفة السينما لجذب المشاهد، ولنأتِ إلى بعض ردود الأفعال التي رافقت ظهور الفيلم في أوروبا، فمن سجنه في «بواسيه» غرب العاصمة الفرنسية باريس رفض كارلوس الذي يقبع هناك منذ عام 7991م؛ الكثير من التفاصيل المتعلقة بتنفيذه لعمليات مشهورة عبر التاريخ، ومن بينها عملية احتجاز وزراء البترول بمنظمة «أوبك» في فيينا عام 5791م، حيث أكد كارلوس أن الشهادة التي أدلى بها من يظهر في الفيلم بدور رفيقه اللبناني أنيس النقاش (يؤديه الممثل اللبناني رودني حداد) أن من أمر وأوعز بتنفيذ تلك العملية الشهيرة هو رئيس النظام العراقي السابق صدام حسين هي شهادة باطلة ومزورة؛ بينما يؤكد كارلوس وبعض تلميحات أنيس النقاش ذاته في كتاب «أسرار خلف الستار» الذي ألفه صقر أبو فخر وصدر في بيروت أن تلك العملية كانت بإيعاز وتمويل مباشر من الزعيم الليبي معمر القذافي، ويبدو أن المخرج والجهة المنتجة قاموا بمعاكسة المقولة العربية «الضرب في الميت حرام» بالنسبة لإلصاق العملية بصدام حسين، كما يبدو أن شهر العسل الغربي مع طرابلس الغرب بات يؤتي ثماره، ورغم أنه يحق للسينمائي ما لا يحق لغيره - إذا ما اقتبسنا هذه المقولة من عالم الشعر- إلا أن ذلك يضعنا أمام تساؤلات خطيرة إذا ما ناقشنا الأفلام التي توثق لحياة شخصيات عالمية -بغض النظر عن شرورها وخيراتها- أو أحداث كبرى في حياة البشرية، وهذا ما لا ننوي فعله في الوقت الراهن.

حين شاهد «كارلوس» فقرات مطولة من الفيلم في سجنه الفرنسي الذي يقبع فيه منذ عام 7991م بتهمة قتل 3 من أفراد الأمن الفرنسي عام 5791م بعد أن جرى تسليمه من قبل السلطات السودانية -التي تعاني من مشاكل حالية مع الغرب- بواسطة فخ نصب له؛ نقلت عنه الصحف الفرنسية تعليقات شديدة اللهجة تتعلق بسيناريو الفيلم، مفادها أن هذا الفيلم «تزوير متعمد للتاريخ وأكاذيب ملفقة»، وهو لا يعني بها تملصه من العمليات التي قام بها، بل بسير تلك الأحداث والشخصيات المرتبطة بها وطرق تنفيذها، وهو ما نقلته عنه زوجته المحامية إيزابيل بيري التي تدافع عنه في المحاكم الفرنسية، وأضافت على لسانه:

«إن إظهار رجال مصابين بالهستيريا يحملون رشاشات ويهددون أشخاصا عزل أمر سخيف كليا، وكنا بخدمة القضايا الإنسانية وأبرزها القضية الفلسطينية والحركة اليسارية المناضلة من أجل الشعوب في العالم، ولقد كنا فرق كوماندوس رفيعة المستوى، وأنا لا أحتج دفاعا عن نفسي، بل دفاعا عن رفاقي شهداء الثورة، فقد سبق وتناولتني شخصيا أفلام وكتب في الماضي تضمنت أخطاء كثيرة عني».

شبّهت المحامية إيزابيل بيري هذا الفيلم بالأكاذيب التي لفقتها الإدارة الأميركية السابقة حول أسلحة الدمار الشامل العراقية لغزو العراق، وطالبت بتعويض يبلغ 42 مليون يورو، ورأت أن الفيلم يقدم شهادة إدانة مزورة لكارلوس وأنه أصدر الحكم عليه قبل نطق حكم المحكمة التي ستنعقد في مايو 1102م، وأشارت المحامية إلى انتهاك صنّاع الفيلم لمبادئ حقوق الإنسان وإصدار أحكام مسبقة على شخص لا يزال بذمة التحقيق وبين أيدي العدالة، ومن أبرز التهم الموجهة لكارلوس في فرنسا: مقتل 5 من رجال الأمن سنة 2891م، تطويق مجلة الوطن العربي في ذات العام وقتل أحد المتعاونين مع السلطات الفرنسية، اعتداء محطة مرسيليا - قتيلان- محطة ليرميتاج عام 3891 -ثلاثة قتلى- وعشرات من التهم الأخرى التي إن أدين بها سيحكم عليه بأحكام تقرب من 051 سنة وفق القوانين الفرنسية

يؤدي دور كارلوس الممثل الفنزويلي إدغار راميريس، ورغم محاولات المكياج تقريب الشبه بين الممثل وكارلوس؛ إلا أن ذلك لم يجد نفعا، فكاريزما الشخصية طغت على أجواء الفيلم، ولم يتقمصها الممثل راميريس بصورة تناسبها، إلا أن مساعد كارلوس «الذراع اليمنى» الألماني يوهانس فاينريش أدى دوره ببراعة الممثل ألكسندر سيشر، ومن الفنانين العرب يؤدي أحمد قعبور دور الزعيم في الجبهة الشعبية «وديع حداد»، كما يؤدي الفنان اللبناني طلال الجردي دور القيادي في الجبهة علي العيساوي والذي نقل عنه «أنها المرة الأولى الذي يتناول فيلم حياة كارلوس بقراءة لأفكاره وهواجسه الإنسانية»، ومن لبنان يشارك في الفيلم أيضاً رودني حداد وأنطوان بلابان وفادي أبي سمرا، وقد جرى تصوير الفيلم في ستة عواصم هي: بيروت، الخرطوم، باريس، لندن، برلين وبودابست.

حين عرض فيلم «كارلوس» في أيام بيروت السينمائية قبل فترة وجيزة؛ اعتصم المئات من مؤيدي مؤسسة الحرية ومن بينهم هاني سليمان وأحمد جابر «أبو الفدا» رفيق كارلوس وأنيس النقاش وعشرات غيرهم وطالبوا بوقف عرض الفيلم باعتباره إساءة للتاريخ النضالي للمنطقة وأن الفيلم يحمل أكاذيب كبيرة، فاستاء الفنان أحمد قعبور من ذلك وخرج إلى منصة المسرح مخاطباً المعتصمين والجمهور قائلا: «من الأفضل أن تعتصموا ضد الأنظمة العربية التي سلمت كارلوس»، فرد عليه الجمهور: «نعم سنعتصم، وسننشد أغنية (أناديكم)»!

أبوظبي- محمد الأنصاري