تمثل عروض مهرجان الإسماعيلية للأفلام التسجيلية والقصيرة ظاهرة ملفتة للانتباه، فهي وإن دلت على شجاعة صانعي تلك الأعمال، تدل أيضا على ميلاد تيار واع لدى بعض الجهات والمؤسسات السينمائية لتقديم هذه النوعية التي تفتقد غالبا إلى الجمهور، وكذلك إلى منافذ عرضها، ومن ثم يبقى رصد ميزانيات لإنتاج هذه الأفلام مغامرة غير محمودة العواقب أحيانا، لعدم تحقيقها دخلا يساعد على استمرارية تواجدها بشكل فعال، ورغم ذلك تبقى تلك الأفلام فنيا حالة خاصة تواصل الاشتباك مع أحداث الواقع، وتعبر عن سينما أخرى جادة تقول شيئا ما يستحق التوقف عنده وتأمله.

دفتر الأحلام

من أسبانيا يأتي فيلم (خطط سيسيليا) الروائي القصير ـ 21 دقيقة، لتعبر من خلاله مخرجته بيلين جوميز سانزـ تتعاون مع بعض مواقع الانترنت كناقدة سينمائية ـ عن أحلام فتاة تدعى سيسيليا تعثر على يوميات طفولتها في اليوم الذي سبق عيد ميلادها الثلاثين، وهو دفتر مليء بأحلام تريد تحقيقها لكنها مع دخولها العام الثلاثين لم تحقق أيّا منها، ومن ضمن هذه الأحلام هو امتلاك شقة والزواج، وفي الندوة التي عقدت بعد الفيلم عقبت المخرجة قائلة: من الصعب جدا الآن في أسبانيا أن تجد شقة خالية لتعيش فيها وحدك بعيدا عن أهلك كما يفعل الأوروبيون عادة نظرا لغلاء الشقق هناك وعدم وجود العمل الذي يحقق عائدا قويا يكفي لشراء تلك الشقة.

رجل قاس

وفي الفيلم الألماني (ندبات ملموسة) روائي قصي ـ 03 دقيقة، للمخرجة جوليان انجلمان، والذي حصلت من خلاله على دبلوم من أكاديمية فنون الإعلام في كولونيا، وقد عرض للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي الدولي عام 0102 بقسم مشهد السينما الألمانية، تتناول الأحداث قصة فتاة متزوجة برجل قاس أنجبت منه 3 أطفال وحامل في طفلها الرابع ولكنها تخفي هذا الحمل نظرا لمعاملة زوجها القاسية والذي يأتي بصديقته إلى المنزل دون مراعاة لمشاعرها، فتضيق الحياة بالفتاة خاصة بعد هجر زوجها لها وانتقاله للعيش مع صديقته الأخرى، فتقرر أن تقتل طفلها الذي تحمله في بطنها، وتفعل ذلك فعلا وتلد الطفل في الحمام وتقتله وتخفيه، وعقبت المخرجة خلال الندوة التي أعقبت عرض الفيلم أن في ألمانيا جرائم شبه يومية عن أمهات يقتلن أبناءهن لسبب ما.وهنا نجد في شكوى أسبانية بغلاء الشقق وأخرى ألمانية تقتل طفلها نمطا ليس غريبا على مجتمعاتنا العربية، ويعكس في استجلاء حجم تلك المشاكل ومرددوها السيكولوجي والسوسيولوجي على الأفراد والمجتمعات رغم اختلاف مشاربها.

حرب غزة

ويعكس فيلم (حكاية حرب) وثائقي طويل ـ 24 دقيقة، للمخرجة بهية النمور، وهي فلسطينية ولدت في الأردن وأخرجت عددا من الأفلام الوثائقية لقنوات الجزيرة، لحظات حساسة تجمع بين الأرشِيف الحقيقي للحرب والدراما التي تشارك في تجسيد هذا الواقع المؤلم، فقد تناولت الأحداث قصة حرب غزة الأخيرة وما تم فيها من جرائم إسرائيلية، وعمل الفيلم على جمع أكبر قدر من المواد الأرشيفية والتسجيلية من قناة القدس الفضائية، حيث تم عرض لقطات لقتل رجال الدفاع المدني والإسعاف، وأخرى ترصد الصهاينة بعربات الإسعاف، وعرضت أيضا مشاهد لهجوم قوات الاحتلال على أحد المستشفيات رغم وعد بعدم التعرض لذلك المستشفى.

وامتلأ الفيلم كذلك بالقصص الإنسانية الدامية فتجد طبيبا أثناء أدائه لعمله في إنقاذ المصابين وإسعافه أحد الأطفال الذي غطاه سواد الانفجار وأخفى ملامحه، فيجده يناديه بأبي فيفاجأ الدكتور أن هذا الطفل هو ابنه ومصاب بتهتك في عظامه وبعض الإصابات الأخرى، وما يكاد يفيق من المفاجأة حتى يجد طفلا آخر يناديه من خلفه بنفس الكلمة فإذا هو ابنه الثاني مصاب ومنزوع الصدر تقريبا فيسقط الأب في صدمة وينقله زملاؤه للرعاية ويتولون إنقاذ أبنائه.

كما تعرض الفيلم لعملية قصف القنوات الإعلامية العاملة هناك كقناة الأقصى التي تعرضت تارة للقصف وأخرى للقرصنة لتهبيط روح المقاتلين المعنوية، وأيضا عرضت المخرجة صورا لقصف قناة أبوظبي هناك في غزة بعد أن كان مسؤولوها قد حصلوا على وعود من قوات الاحتلال بممارسة عملهم دون أي قيود، ولكن يعيب الفيلم تعامله المباشر مع الأحداث الذي جعله أقرب إلى ريبورتاج صحافي، خال من جماليات السينما الوثائقية، ويبقى للفيلم حسنة تجميع مادته الأرشيفية الذي بدا واضحا المجهود الذي لعبته المخرجة للحصول عليها.

رحلة فانتازية

أما فيلم التحريك المصري (أسطورة النيل) 3:02 دقيقة، للمخرج أيمن كامل، وهو يعمل في مجال الجرافيك منذ فترة، ويساهم بإبداعه في العديد من الإعلانات التجارية، فقد تعرض للعديد من الانتقادات خصوصا لعدم وضوح فكرته وقيام مخرجه بحشد أكبر كم من مشاهد الجرافيك لماكينات وتشكيلات حديدية عملاقة ممزوجة ببعض الصور الفرعونية، حيث يستعرض الفيلم في قصته رحلة فانتازية على صفحة النيل لاستكشاف وإحياء الأفكار الأسطورية لهذا النهر الساحر، وخلال هذه الرحلة المستوحاة من بعض الرموز الفنية الرائعة، ننتقل إلى عالم سحري للقدماء المصريين لنرى معجزاتهم، ولكن يبدو الفيلم في النهاية اقرب لبرومو إحدى القنوات الفضائية، وقال مخرجه في الندوة التي أعقبت عرضه انه علم أن الفراعنة لم يكتشفوا الحديد فأراد تقديم تلك الفكرة رغبة منه في تطوير الفن المصري وتقديم رؤية جديدة محورها أن الفراعنة لو كانوا اكتشفوا الحديد لصنعوا منه أشياء عظيمة، وهذا الفيلم شارك في مهرجان أنيماجو السينمائي بألمانيا، وحصل على جائزة أنطوان سليم للعمل الأول في التحريك بالمهرجان القومي للسينما المصرية السادس عشر.

الإسماعيلية ـ أسامة عسل