في زماننا هذا أصبح للحقيقة ألف وجه، وقد حاولت السينما الجادة المؤمنة برسالتها، تمزيق الأقنعة الكثيفة والخوض بشجاعة متحدية كل المحظورات والتهديدات للوصول إلى قلب الحقيقة، ولم تكن رحلة تلك السينما سهلة بل كانت على العكس ضد التيار وشديدة الإرهاق والمعاناة.

والفيلم الوثائقي »متى المسكين®. الراهب والبابا« للمخرج إياد صالح، من هذه النوعية من الأعمال وقد نال إعجاب الكثير من النقاد وأعضاء لجنة التحكيم بالدورة ال41 لمهرجان الإسماعيلية الدولي للأفلام التسجيلية والروائية القصيرة. وأرجع البعض عدم حصوله على جوائز بالمهرجان، إلى حساسية الموضوع الذي يتناوله حيث يسرد الفيلم السيرة الحياتية للراهب »متى المسكين«، المثير للجدل رغم أنه لم يخرج من الدير الذي كان يعيش فيه لسنوات طويلة قبل مماته.والخيط الذي يجمعه هذا الفيلم في رسالة واضحة كالشمس، هو موقف الإنسان من السلطة التي تتحكم في حياته ومقدراته، سواء كانت تلك السلطة هي سلطة الجهاز السياسي الحاكم أو سلطة بعض رجال الدين، أو سلطة القوى المتطرفة التي تحاول أن تفرض أفكارها بالقوة والحيلة وأحيانا الخداع.

وجاء أيضا توقيت عرض »متى المسكين« في ظل حالة الجدل شهدها الشارع المصري مؤخراً بشأن تصريحات الأنبا بيشوي والتي تناولت بعضا من آيات القرآن، وقابلها المسلمون بحالة من الغضب والسخط، بالإضافة إلى حالة الهياج بين شباب عنصري الأمة المصرية بسبب ارتداد هذا عن الإسلام أو تراجع تلك عن المسيحية، فهل من الممكن أن يتسبب هذا الفيلم الجديد في إثارة مزيد من البلبلة وخروج مظاهرات جديدة للإشادة به أو إدانته؟.

الفيلم كما أخرجه إياد صالح ـ خريج كلية الإعلام ـ فتح كثيرا من الملفات مستعينا بوجهات نظر متعددة لصحافيين ومؤرخين ورجال سياسة ودين، وانطلق الجميع في تفسيرات تاريخية لملف الأب متى، وهو الملف المسكوت عنه طويلا ولا توجد عنه أي معلومات متاحة، حيث عاش متى في الصحراء راهبا بإرادته الخاصة تاركا خلفه صراعات وخططا تدور رحاها في قلب المدينة.

وهو أيضا الملف الذي عمل البابا شنودة رأس الكنيسة الأرثوذكسية المصرية، عشرات السنين على إبعاده عن الأضواء لما فيه من أمور شائكة قد تظهر المزيد من الحقائق حول تنظيم الأمة القبطية ودور البابا في إذكاء روح الفتن في مصر، لذلك تحاول الكنيسة استخدام نفوذها لمنع بث الفيلم وهو ما يتوقعه البعض مثلما فعلت مع عدد من الأعمال السينمائية التي تحاول مناقشة سيئات الكنيسة المصرية، وكان آخرها منع فلم (أجورا) الذي يتعرض لمقتل العالمة المصرية هيباتيا على يد البابا كيرلس الرابع في الإسكندرية قديما، والذي عرضته صالات السينما في الإمارات وبعض دول الخليج بداية هذا العام.

ويستعرض فيلم »متى المسكين« قصة هذا الراهب منذ اللحظة التي قرر فيها أن يبيع كل ممتلكاته ويوزعها على الفقراء ويدخل الدير ليصبح أول جامعي يدخل سلك الرهبنة الذي كان قبلة للأميين وقليلي التعلم وخاصة الفقراء، فقد حصل متى على بكالوريوس الصيدلة ليمر بكل المراحل التاريخية من عام 1948 .

ويتناول الفيلم كل القضايا السياسية والدينية التي بالرغم من أن متى كان بعيدا عنها إلا أنه كان له دور ملموس في التأثير عليها. الراهب متى المسكين اختارته مجلة النيوزويك الأميركية من أهم أربعة رهبان في العالم.

وله العديد من المواقف، فهو مفكر ورجل صاحب أفكار دونها في كتبه التي بلغ عددها 811 كتابا، فيها ما هو عام نحو الإنسانية، وبها ما هو خاص بمصر في تحقيق المجتمع المتسامح والمتجانس البعيد عن أي طائفية ونزاعات دينية، وتدرس تلك الكتب في كل مدارس اللاهوت في العالم ولكن في مصر كثير منها محظور وتحذر الكنيسة دائما من تعليمها أو حتى مطالعتها.

مدة الفيلم 25 دقيقة واستغرق الإعداد والتصوير له حوالي سنة، وهناك 21 ضيفا تم استضافتهم في الفيلم للحديث عن متى المسكين، منهم أستاذ القانون والوزير السابق يحيى الجمل، والمؤرخان ميلاد حنا وكمال زاخر، وأستاذ علم اللاهوت وقسيس كنيسة مسطرد عبد المسيح بسيط، والكاتب الصحافي عادل حمودة، إضافة إلى ضياء رشوان ودكتور عاطف العراقي، وفايز فرح وأندريا زكي.

ويغوص المخرج إياد صالح في التعتيم الذي مارسته الكنيسة على سيرة متى المسكين الذي كان يدعو دائما إلى فصل الكنيسة عن الدولة، معتبرا أن الخلافات تكون دوما بين الشعوب والحكومات لا بين المسلمين والمسيحيين، وهي الأفكار التي ما زال يدعو إليها المحذرون من الفتنة الطائفية بغض النظر عن الأسباب السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تؤدي إليها.

لكن اليوم، يعتبر بعضهم في الكنيسة المصرية أن هذه الأفكار تضر بحقوق المسيحيين، وهو ما يفسر وجهة النظر التي طرحها الفيلم عن تهميش تاريخ متى المسكين ومنع توزيع مؤلفاته، وعدم الاستعانة بتلاميذه في أي مهمات دينية، رغم كونه أحد أبرز معلمي »مدارس الأحد« في بدايات ظهورها ومشرفا على تعليم عدد كبير من قيادات الكنيسة المصرية الحاليين وبينهم البابا شنودة نفسه.

الإسماعيلية ـ أسامة عسل