الآباء والأمهات كالشموع المضيئة في منازلنا، وهم الكتاب المفتوح الذي نتعلم منه معنى الخير والحب والوفاء، لكن هناك كثيرا من المسنين فقدوا الأهل والسند وأصبحوا أمانة في أعناق المجتمع الذي من المفترض التصدي لمشاكلهم ورد الدين لهم بمنحهم الحنان والعطف والرعاية، فهناك ظروف مختلفة قد تؤدي إلى خضوع كبار السن إلى تيارات تقودهم إلى حيث لا يشاءون، منها موت الأقربين أو ضيق ذات اليد .
ومنهم من لم يمنحهم الله الخلفة فكبروا وانشغل الناس عنهم في غياب الأبناء وهناك منهم من جار بهم الزمن نتيجة عقوق الأبناء. ووسط هذه الظروف تجد في أي بلد عربي أو أجنبي عشرات البيوت المخصصة لرعاية المسنين، الذين أصبحوا في ذمة المجتمعات، حسب علماء الاجتماع والذين أكدوا في أكثر من مناسبة أن المتغيرات التي يشهدها المجتمع تجعله غير قادر وحده على تحمل المسؤولية ولابد من أن يكون لمنظمات المجتمع المدني دور مهم وكذلك الجمعيات المعنية والدولة نفسها بجانب المواطنين.
هناك كثير من ضحايا الظروف والفقر أو العقم أحياناً منهم »سلامة أ.أ« رجل في السبعين من عمره هدّه المرض يجلس في منتصف سريره داخل أحد دور المسنين ينظر إلى التلفاز سألناه عن قصته ضحك ثم صمت لوقت قصير ثم قال:
أنا للأسف لم يرزقني الله بأبناء وكان لي شقيق واحد يكبرني ب5 سنوات تقريبا توفاه الله قبل سنوات طويلة وعشت في بيت الأسرة الذي يجمعنا وأبناء شقيقي وبناته وعندما اشتد بي المرض أصبحت زبونا دائما للمستشفيات المجانية وحتى عندما أذهب إليها أحتاج إلى من يرافقني وفي أغلب الأحيان لا أجد وأتحمل آلامي في صمت، فكل الأبناء أصبحوا كبارا®.
منهم من تزوج وبقي في هذا المنزل ومنهم من هاجر بحثاً عن لقمة العيش وهكذا حتى زارني صديق عزيز علي وقال لي رغم حبهم لك وحبك لهم فلن تقبل أن تكون عبئاً عليهم فبكيت لأنني فعلاً أشعر بذلك فاقترح علي أن أذهب إلى دار المسنين واختار لي هذه الدار التي أجد فيها حاليا رعاية كاملة.
ويستطرد عم سلامه قائلا: رفض أبناء أخي الشديد للفكرة وإصرارهم على بقائي مع وعدهم بتوفيق أوضاعهم لرعايتي، موقف أبكاني أكثر، ولكن أحمد الله كثيراً لأنهم لا يغيبون عني أبداً وفي شهر رمضان والأعياد أكون معهم باستمرار.
هذه قصة إنسانية تعبر عن التكافل الاجتماعي الكبير في مصر على الرغم من أن هناك ظروفا قاسية جداً جعلت هذا الرجل ينتقل إلى دار المسنين وكأنه يعيش بين أفراد أسرته إلا أن هناك من أصبح أكثر حاجة، وغيرها كثير من المواقف والمآسي.
قصة زوجة
الحاجة فاطمة قالت: كنت أعيش مع زوجي وانقطعت الصلات بيننا وبين أهلنا البعيدين ولدينا منزل في أحدى الأحياء كنا نعيش فيه أنا وزوجي الذي توفي بدار المسنين قبل أعوام وهو في الثمانين من العمر، وأضافت: عندما وقع صريع المرض وكنت وقتها أنا نفسي مريضة كان لدينا معاش يكفينا بالكاد .
وكان هناك أحد أصدقاء زوجي من الأثرياء الذي خدم معه زوجي فترة يزورنا كل شهر ويضع في يد زوجي 005 جنيه وعندما رأى حالنا ولا نجد من يخدمنا طلب منا استئجار خادمة ترعانا وبالفعل أتينا بها وبدأت معنا بشكل جيد ولكنها لم تتحمل وضعنا المرضي فبدأت تتأخر في إحضار طلباتنا.
وتتمرد علينا ونحن قليلي الحركة وأخيراً استغنينا عنها، حتى جاء أحد الجيران للسلام علينا ورأى وضعنا واقترح علينا أن نسكن في أحد بيوت المسنين لنجد من يخدمنا وبالفعل رتبنا أوضاعنا وقمنا بتأجير شقتنا ونزلنا هنا والمكان جميل جداً وكل شهر أتلقى معاش زوجي وأتسلم إيجار الشقة وأساعد من معي بقدر ما أستطيع.
ولكن رغم هذه الظروف الإنسانية إلا أن كثيرا من دور المسنين أصبحت جاذبة بعد أن كانت طاردة وهي لم تعد تلك البيوت التقليدية التي كانت تأوي المسنين وتقدم لهم بعض الخدمات، بل هناك العديد من الظواهر الإيجابية في خدمة المسنين من المجتمع، والتي نتمنى أن تكون دائمة وتشكل إضافة خدمية مهمة في حياة هؤلاء.
جليس المسنين
هي مهمة إنسانية أقبل إليها الشباب بحب كبير تحت مسمى »جليس المسنين« براتب لا يقل عن 500 جنيه ولا يزيد عن ألف جنيه للجليس الواحد وهي وظيفة لخريجي الجامعات تبنتها وزارة التضامن الاجتماعي في مصر عبر جمعية الأسرة التابعة لها.
وقد تم عمل دورات عديدة لتدريب هؤلاء والقادمين الجدد عن كيفية التعامل مع كبار السن نفسياً وصحياً ولا يمكن لأحد الالتحاق بهذه المهنة إلا بعد التأهيل الكامل من علماء النفس وأساتذة الاجتماع نسبة لصعوبة المهمة وهناك شروط صعبة لقبول طالب هذه الوظيفة حيث لا يمكن قبول أي طالب بمجالسة المسنين إلا بعد نجاحه في هذه الدورات التأهيلية، والرجوع لأسرة المسن قبل الموافقة النهائية للجلوس مع أي مسن وتشارك الأسرة أيضا في تعيينه وتقوم بدفع راتبه.
رسالة اجتماعية
وحالياً هناك الكثيرون اهتموا بهذا العمل من الخريجين وأحبوه جداً وتفاعلوا مع المسنين بشكل لافت.
هاجر، خريجة جامعية منذ عامين قالت: كنا نعتقد أن دورنا في هذا العمل يقتصر على تفقد حالتهم الصحية والنفسية والتعامل معهم على هذا الأساس لكن بمرور الوقت اكتشفنا أنه رسالة اجتماعية مهمة لا تتجزأ من عواطفنا وبالرغم من أننا عندما عملنا في هذه الدور كانت نظرتنا له مختلفة حتى إننا لم نخبر معارفنا وأصدقاءنا به تفاديا للحرج وقبلناه تحت دعاوى هو خير من البطالة، ولكن وجدناه عملا مهما بل أسمى وأفضل من أي عمل آخر.
أما »حاتم.أ« فقال: جلوسنا مع المسنين لم يعد في مفهومنا وظيفة، بل يعني جلوس الأب إلى ابنه نتحدث معهم عن كل شيء وعن همومهم واحتياجاتهم وصحتهم، وكذلك نتحدث أيضا عن همومنا فنحاول التخفيف عنهم فنجدهم يخففون عنا وبلغ بنا الحال أن تكون لنا علاقات بالمسنين أكبر من أي علاقات أخرى فهم أصحاب خبرات في الحياة.
وبقدر ما نحاول أن نعطيهم تجدهم يعطوننا أكثر، وجدنا بعضهم في حالة يأس من الحياة نسبة لمرضهم أو عدم زيارات ذويهم ومعارفهم لهم ومنهم من أحس بأن نحن أهله وتغيرت نفسياتهم؛ فنحن نرافقهم للطبيب ونسأل عنهم قبل أن ننام.
ولكن الشاب أحمد فوزي طرح رؤيته الجديدة تجاه المسنين بما يكشف عن تطور إيجابي في علاقات أفراد المجتمع ببعضهم حيث قال: أنا بعد أن فشلت في الحصول على وظيفة قبلت هذا العمل من أجل الأجر الكبير مقارنة بأجر الوظيفة الحكومية.
ولكن بعد فترة وجيزة اكتشفت أن كل أموال الدنيا لا تساوي لحظة واحدة مما نجلسها مع أحدهم، فهؤلاء مخزون ضخم من الخبرات المتراكمة والإمكانيات العقلية الكبيرة فضلا عن الأمومة والأبوة والعطف والحنان، وكذلك هم مخزن كبير للذكريات التي يمكنك أن تتعلم منها ما لم تتعلمه من الكتب وقال: حمدت الله كثيراً بأنني لم أجد وظيفة من القوى العاملة لأنني كنت سأفقد هذه الفرصة لأعيش مع ناس بدأت أحس بهم وبأنهم الأقرب لي.
ولكن لفت نظرنا لدى زياراتنا لإحدى دور المسنين أن بينهم رجلا مسنا يبدو أن له قيمة في المجتمع سألنا عنه الإدارة فوعدونا بمقابلته مع الالتزام بعدم ذكر اسمه الحقيقي فقالوا: إنه يعيش بيننا وتعمد إخفاء اسمه وعندما التقيناه قال لنا أنا اسمي الموجود في ملفات الدار غير الاسم المستعار الذي أتعامل به .
وذلك حرصا على وقار واحترام الوظيفة التي كنت أشغلها وقال: إن هناك عوامل كثيرة قادته إلى بيت المسنين الذي دخله بكامل إرادته وأكد بأنه يدرك أن المجتمع المصري كان يمكن أن يساعده بقوة ولكن فضل هذه الحياة لأسباب قال: إنه وحده يعلمها، وأشار وتابع: لكن الحياة هنا في هذه الدار استهوته.
القاهرة : دار الإعلام العربية

