قالوا في الاغاني «لا تلعب بالنار تحرق أصابيعك»، ولكن أن تكون مهنتك الدخول في النار، مع العلم أنها يمكن أن تحرقك كاملا؛ فهنا المخاطرة، ولكن هذا ليس صعبا على رجال نذروا أنفسهم فداء للبلد وقاطنيه. هي تجربة فريدة قدمتها لنا، نحن الصحافيين، إدارة الدفاع المدني في دبي تحت عنوان «اعلام الطوارئ»، التي تشكل إحدى استراتيجيات تدريب الجهات المشاركة مع الدفاع المدني في خدماته، ومنها الخدمات الميدانية في مواقع الحوادث والأزمات، لنكون قادرين على القيام بإجراءات السلامة الصحيحة لإنقاذ أنفسنا، ومن معنا سواء في مواقع العمل الميداني «مواقع الحوادث والأزمات والكوارث»، أو في المكاتب في حالات الطوارئ.
وتأتي أهمية تنفيذ هذه الدورات للإعلاميين بأسلوب احترافي، كي توفر لنا إمكانية معايشة الظروف الشبيهة بظروف الحوادث والأزمات ومعرفة السبل الوقائية لمواجهة المخاطر والوقاية منها. تنفسنا الصعداء عند الانتهاء من العمل، وكل ظننا أن ما نقوم به الأصعب على وجه الكون، فكلنا كثيرو الشكوى، ولكن عندما هيئت لنا الفرصة للعمل كرجال دفاع مدني تغيرت الحال، حيث بدأ العمل عندما بدأت المحاضرة النظرية بإشراف ضباط مخضرمين، يتقنون مهنتهم ولا يتوانون عن تقديم النصح والإرشاد، خصوصا اذا علمنا ان كل دبي مربوطة تقنيا بإدارة الدفاع المدني من خلال رموز للمناطق، فما أن يدق جرس الانذار في برج ما، او بناية حتى تستنفر قوى الدفاع المدني بكل معداتها.
ووسائل الاطفاء؛ فلكل حريق وسائل اطفائه؛ فحريق السيارة يختلف عن حريق البرج، والذي حذروا منه ان النار تشتعل في نقطة ثم تنتقل الى نقطة اخرى، وهناك اسباب كثيرة للحريق، فكما يتم اطفاء النار كذلك الضباط مدربون على معرفة الاسباب ولا يعرفون للتهاون طريقا، فتراهم يبتسمون ويجيبون عن كل الاسئلة، ولكن عندما تقع الواقعة؛ فلا مكان للتواني، او التساهل لان الوضع مرتبط بحياة اناس، وممتلكات، فينسون انفسهم واهلهم في سبيل البلد، بعد انتهاء الدورة النظرية.
كان الحبور يملأنا فنزلنا الى ساحة التدريب، وسرعان ما كشر الضباط عن انيابهم، وكأننا في ساحة الوغى، وأصبح الضبط والربط السمة الاساسية لجنود شباب في مقتبل العمر، يزمجرون ويكونون على أهبة الاستعداد في ثوان معدودة؛ فالوقت بالنسبة لهم حياة. وبدأت دورتنا بالتالي: كيف يطبق الدفاع المدني شروط الوقاية والسلامة في المباني، ماهي المخاطر في موقع الحادث وكيف يتعامل القائد معها.
خدمات الدفاع المدني، انسانية، وغير قابلة للتأجيل، ولا تنتهي إلاّ بزوال الخطر، كيفية إنقاذ الأشخاص المحصورين في بيئة الخطر، كيفية مكافحة الحريق ومخاطر تطوره، دور أجهزة التنفس كمنقذة للحياة، ومكوناتها وكيفية استخدامها، التعرف إلى الاخطار التي تواجه رجل الاطفاء والاشخاص الاخرين في موقع الحادث وطرق الوقاية منها، ماهي المواد الخطرة وكيفية الوقاية منها في موقع الحادث؟
كما تلقينا تطبيقات عملية وميدانية في كيفية ارتداء ملابس الاطفاء والانقاذ واستخدام معدات الاطفاء، مهارات اقتحام المباني المغلقة المليئة بالدخان لانقاذ المحصورين، كيفية مكافحة الحريق واقتحام المبنى الذي تندلع فيه النيران، تدريب عملي للانقاذ بالحبال والسلالم؟ بعدها ذهبنا إلى غرف الملابس وكل بزة موضوعة في مكانها المخصص. حملنا امتعتنا وتوجهنا الى ساحة التدريب، وبدأوا يعلموننا كيفية ارتداء البزة التي تزن كثيرا، وبالكاد استطعنا تحملها، ثم انتعلنا البوت، ذي الساق العالية.
والقفازات والخوذة؛ فلم نعد نستطيع حراكا بعدها قام احد الضباط المشرفين علينا بتعليمنا كيفية حل الخرطوم، والذي يتجاوز العشرين مترا، ومن ثم يشترك اثنان بالضغط على مقدمته، والاخر بحمله على مستوى الكتف والركض به، وهنا لاطفاء الحريق، بعدها نقوم بطيه بشكل دائري يبدأ من الصفر، ثم ينتهي بالشكل المعهود لفة كاملة، واذا كنا على عجلة او هناك حريق اخر لا نطوي الخرطوم بل نلفه بشكل اكس على اذرعتنا، وكانت العملية مجهدة وبشق الانفس حتى انني اشرفت وزميلي مصطفى الزرعوني على الإغماء ما جعل الضابط المسؤول يتندر بالقول «هل انتم شباب، انا اعاقب اي جندي تأخر بالوقت او سبب مشكلة بلف وفك الخرطوم عشرين مرة، فلكم ان تتصوروا.
فقلنا له يا سيادة الضابط انتم حباكم الله بالقوة والصبر والانضباط، ونحن بلانا بالتدخين؛ فشتان ما بين الحياة العسكرية والحياة المدنية، بعد ذلك توجهنا الى سيارة المطافئ، وكل اخذ مكانه، سرعة في الحركة والقدرة على التصرف وكانت تجربة بقدر فرادتها الا انها اخذت منا تعبا وجهدا كبيرين.ثم بعد ذلك توجهنا الى اطفاء الحرائق وبمواد مختلفة منها الماء والرغوة والسائلة، وما ان انتهينا من يومنا حتى اصبح الزملاء المشاركون بالدورة يشكون أوجاعا عضلية كثيرة، وانا كنت واحدا من المنسحبين .
دبي - عبد المنعم الشديدي
