يعد مهرجان الإسماعيلية للأفلام التسجيلية والقصيرة والتجريبية وأعمال التحريك، الوحيد في الشرق الأوسط الذي تجمع مسابقته الرسمية هذه النوعية من الأفلام معا، والتي غالباً ما تحظي بمتابعة كثيفة عند عرضها إلى جانب الأفلام الروائية الطويلة في بعض المهرجانات السينمائية الدولية.

وفي توجه أصبح سمة أساسية للمهرجان لا تقتصر عروض أفلامه على قصر الثقافة بالإسماعيلية فقط، بل تمتد العروض لتشمل أماكن عديدة متنوعة، منها المقاهي (مقهى المثلث، الجوهرة، سلطانة، وبورسعيد)، والمدارس (مدرسة التكنولوجيا، المجمع التعليمي، ومدرسة أم الأبطال) والنوادي (نادي الشجرة، النادي الاجتماعي، المركز الثقافي الفرنسي)، ومدن محافظة الإسماعيلية (أبو صوير، فايد، التل الكبير، القنطرة شرق، القنطرة غرب)، وهذا التقليد السنوي الذي بدأه مهرجان الإسماعيلية واستمر علي مدار الدورات السابقة وحتى الدورة الرابعة عشر التي انتهت فعالياتها منذ أيام، تقليد يميز المهرجان عن غيره من مهرجانات السينما التسجيلية والقصيرة حيث تصل العروض إلى الناس باختلاف طبقاتهم وثقافتهم.

رصد (الحواس الخمس) في زيارات ميدانية مدى استقبال بعض الشرائح التي يقل لديها الوعي العام بطبيعة وأهمية الأفلام التسجيلية والقصيرة لهذه العروض التي تقريبا لا يشاهدونها علي مدار العام إلا من خلال شاشات المهرجان، وهذه العروض يمكن الاستدلال منها على أن هناك جمهورا يمكنه تذوق هذه النوعيات من الأعمال تماما مثلما يتذوق الأفلام التجارية، كما أن استقبال المشاهدين لها يمكن من التنبؤ باجتياز الأفلام القصيرة والتسجيلية حاجز تحقيق الربح إذا ما خصصت لها دور العرض مكانا ولو محدودا بين عروض أفلامها.

وخلال الاستطلاع التالي نرصد بالكلمة والصورة ردود الأفعال حول هذه التجربة في الوقفات التالية:

يشير محمود عبدالسميع مدير التصوير السينمائي والمشرف على العروض اليومية الخارجية للمهرجان، إلى أن البداية كانت من خلال قهوة المثلث والتي يمتلكها الحاج صلاح الذي رحب بالفكرة، وجمهور المقهى عنده من العمال والمتعلمين ومستويات اقل في المعرفة، وهناك أيضا مقهى بورسعيد بالإسماعيلية وغالبية زبائنها من المثقفين والشعراء والكتاب وتلقيهم أعلى للأفلام والموضوعات، بالإضافة إلى مقهى سلطانة المليئة بأصحاب الحرف اليدوية والأسطوات في مجالات مختلفة، وهذا يدفعنا إلي انتقاء عروض الأفلام لتتناسب مع كل فئة، ونراعي ذلك أيضا في المدارس حيث نقدم أعمال التحريك للمدارس الابتدائية وبعض العروض الأخرى القصيرة والوثائقية التي تراعي المراحل العمرية لطلاب الإعدادية والثانوية، وفي المجمل العام من خلال الجلسات مع صناع الأفلام والنقاد وهذا الجمهور المختلف في ثقافاته ومعرفته تكون الحوارات ممتعة وتخرج بعيدا عن التحليل والنقد إلى زوايا جديدة تنعكس بالفائدة على الجميع.

قضايا عامة

وحول الأفلام التي تجذب جمهور المقاهي يؤكد عبدالسميع أنها ترتبط عادة بقضايا عامة تستحوذ على تفكيره، مثل الأعمال التي تتناول القضية الفلسطينية وما يتعرض إليه الفلسطينيون في الأراضي المحتلة ويتابعها بشغف واندماج كامل، أو الأفلام التي تمس حياتهم وواقعهم ويعلقون على مدى صدقها أو بعدها عن المشاكل التي يتعرضون لها، ومثال ذلك عرض فيلم عن حياة عمال التراحيل، وعلق عليه ملاحظ أنفار أكد عمق ما تم طرحه وحقيقة المواضيع التي تناولها العمل، ويحدث ذلك في مناخ هادئ ننتقي له عددا من المخرجين والنقاد والصحافيين والسينمائيين الذين يجيدون النزول بأفكارهم إلى هذه الفئات المتعطشة للحوار والدردشة باستفاضة تشمل أدق التفاصيل.

التوعية والتثقيف

ويتعرض عبد السميع للمجهود الشاق اليومي الذي يستمر طوال فترة المهرجان الممتدة على مدار أسبوع كامل قائلا: العروض الخارجية تكون صباحية في المدارس والنوادي والمراكز المتخصصة ومسائية في المقاهي ومدن محافظة الإسماعيلية، حيث يتم إعدادها بأحدث أجهزة العرض التي تقدم أربعة عروض صباحا ومثلها مساء في أماكن مختلفة، تهدف إلي التوعية والتثقيف وتساهم في انتشار نوعية أخرى من الأعمال بعيدة تماما عن الأفلام التي تقدم في صالات السينما التجارية.

ترحيب مشرف

وينقل عبدالسميع بعض صور التفاعل مع جمهور آخر هم طلاب مدرسة التكنولوجيا وهي مدرسة داخلية للمتفوقين بعد الإعدادية، ويتم تقديم عروض للأفلام صباحا ومساء في مدرجها الذي يستوعب ألفين طالب، وأعمار هذا الجمهور تتراوح ما بين 41 و61 عاما، وبعد عرض فيلم (حكاية حرب) الذي يتناول حرب غزة الأخيرة تم تقديم الدكتور مصطفى الإسناوي وهو ناقد سينمائي مغربي ليدير الحوار مع الطلاب، بالإضافة إلي رياض أبو عواد مدير الوكالة الفرنسية وهو فلسطيني مقيم بالقاهرة، وكان الترحيب مشرفا جدا لحب المصريين للعرب، واستمر التصفيق للفيلم والضيوف لأكثر من خمس دقائق، عكست مدى استيعاب واهتمام هؤلاء الطلاب بهذا الحدث الخاص.

وتباينت آراء الجمهور بين الوعي والاستيعاب للمهرجان وأهدافه وكذلك أفلامه، وبين السلبية واللامبالاة أحيانا تجاه ما يعرض، ويعلق مجدي عبدالسلام ـ طالب إعلام ـ بقوله: إن من أهم ما يميز مهرجان الإسماعيلية، أن معظم مشاركاته تأتي من الشباب الذين لا تتجاوز أعمارهم الثلاثين، ولهذا فهو حقا مهرجان الشباب، لكن هذا لا يلغي وجود مشاركات مصرية متميزة وقادرة علي المنافسة الدولية وتشريف اسم مصر، مثل الفيلم التسجيلي (جيران) للمخرجة تهاني راشد، والفيلم التسجيلي (قطار الحياة) للمخرج شكري ذكري، والفيلم الروائي (لعبة) للمخرجة مروة زين، والفيلم الروائي (النشوة في نوفمبر) للمخرجة عائدة الكاشف، وهذه الأعمال يستند مخرجوها لقيم مختلفة هي التي تقودهم إلى النجاح المتتالي، أما الآراء المختلفة وان كانت ضد الفيلم فلا تمثل عداء مع صاحب العمل، ولكن تضيف للفنان وتدفعه إلى أن يتجاوز أخطاءه في العمل التالي.

في حين يرى عصام الجمل ـ نجار مسلح ـ أن أفلام المهرجان التي يشاهدها على المقهى نوع من «الفرفشة» والتغيير بعيدا عن مباريات الأهلي والمنتخب وخسارتهما التي تحرق الدم، ويعيب على بعض الأفلام التي تتحدث في مشاهدها بالإنجليزية عدم وجود ترجمة، مؤكدا أنه يعرف القراءة والكتابة وراسب ابتدائية، لكن هناك حسب كلامه أميون يحتاجون إلى أفلام بسيطة تناسب معرفتهم. فيما يؤكد الحاج إسماعيل مباشر ـ تاجر فاكهة صعيدي ـ أن موضوعات بعض الأفلام تتجاوز فهمه كرجل شرقي يرفض أن تخرج المرأة على «كيفها» من المنزل من دون علمه، وأنه يعتبر الرجل هو سيد البيت الذي لا ترد له كلمة.

عروض المقاهي

بينما يعتبر مصطفى عبد الله ـ أديب إسمعلاوي ـ أن تجربة عروض الأفلام في المقاهي مجدية وإيجابية، فيقول: ظاهرياً تبدو المقهى مجرد مكان ترفيهي واجتماعي، ولكن في حقيقة الأمر المقاهي المصرية لعبت دوراً كبيراً في تاريخ مصر الحديث، المقاهي في القرن الماضي والتي بدأها اليونانيون في مصر كانت مصدر جذب لكبار الأدباء والمثقفين والفنانين مثل نجيب محفوظ الذي كتب معظم رواياته على المقاهي، والقهوة لعبت دوراً في الحركة الاجتماعية بكافة مجالاتها، يعني سواء كان في السياسة أو الثقافة أو الأدب، وكذلك الفنون، وفي كل المجالات كان لها دور واضح على امتداد مصر كلها، سواء كان في الريف أو في المدن الصغرى أو القاهرة العظمى، فهؤلاء الناس المجتمعون داخل المقهى لا شك يدور بينهم حوارات ويدور بينهم نقاشات وعروض الأفلام تجعل من كلامهم مفيد وفي المضمون إذا كانت تتعرض لمشاكل من الواقع الذي يعيشون فيه.