ينافس فيلم »شتّي يا دني« للمخرج اللبناني بهيج حجيج على جائزة »اللؤلؤة السوداء« في الدورة الرابعة من مهرجان أبو ظبي السينمائي التي بدأت فعالياتها الخميس الماضي.
ويتعرض الفيلم لقضية حساسة في التاريخ اللبناني المعاصر، من ملفات الحرب الأهلية التي دمرت بيروت طوال عقدين في سبعينات القرن الماضي، وهي قضية المخطوفين الذين فقدوا خلال الحرب ولم يعودوا الى اليوم. ويروي حجيج، الذي سبق له أن أخرج »زنار النار« قبل سبع سنوات، ويعرض فيلمه الأربعاء المقبل، قصة رجل خطف في منتصف الثمانينات، وبعد اختفائه 0 2 عاماً عاد الى حياته الطبيعية، غير ان عودته مريضاً ومحطّماً ومنفصلاً عن الواقع، تهز عائلته وتحدث فيها اضطراباً، وتربك مشاريع ولديه وزوجته. ويلتقي الرجل العائد امرأة تنتظر عودة زوجها المخطوف هو الآخر منذ 0 2 عاماً، وتنشأ علاقة صداقة عميقة بينهما.
بيروت التي رحبت بفيلم حجيج، استقبلت أيضا عملا ابداعيا آخر يتناول القضية ذاتها وهو كتاب أصدرته »أمم للتوثيق والأبحاث« عن مفقودي الحرب تحت عنوان »®®. ولم يعودوا«. مراسلة »الحواس الخمس« في بيروت تربطها علاقة قرب »شخصي« مع هذا الملف. في التقرير التالي تكشف سر علاقتها بالسيدة التي استوحى حجيج من حياتها احدى شخصيات فيلمه.
»على الأرجح®. لا«
عندما وقعت عيناي مصادفة على كتاب »®®. ولم يعودوا« الذي أصدرته جمعية أمم للتوثيق والأبحاث اللبنانية، في كتب صديقي، شعرت برهبة. سألته قبل أن أفتحه، هل توجد في هذا الكتاب أسماء كل المخطوفين والمفقودين؟. قال: على الأرجح لا، فقد بحثت عن قريبي ولم أجده. لماذا؟.
أجاب: يجب أن يُبلّغ أحد أقربائه أو أصدقائه عنه وإلا كيف ستعرف الجمعية به. أخذت الكتاب، واحتضنته. لم أجرؤ حتى على فتحه مباشرة. انتظرت حتى عدت في المساء إلى البيت. وضعته في غرفة الجلوس وناديت أمي. سألتها أن تبحث عن علي®®. لم أجرؤ على التفتيش عن صورته بعد 62 سنة على اختفائه. خفت ألا أعرفه. لقد نسيت ملامحه. وحدهما صوته الهادر وقامته الطويلة، ما أذكر.
عندما اختطف علي كنت صغيرة جداً. كنت في الخامسة من عمري. لكنني لا أعرف لماذا ما زلت أذكر تفاصيل زيارته الأخيرة الى بيتنا. حديثه مع أبي حول صيد السمك.
إعجابه بالصنارة التي كان أبي يضعها في زاوية غرفة الجلوس. قهقهاته. كلماته®®. الأرجح أن قصةّ أمه الصبية الجميلة هي السبب. كانت أمه امرأة تقدمية متحررّة ومثقفة. هي ابنة عمي وصديقة أمي وأبي الحميمة.
السيّدة الجميلة التي كانت السكرتيرة التنفيذية لرئيس تحرير صحيفة لبنانية محلية في أوائل الثمانينات، تبدّلت أحوالها تماماً بعد اختفاء ولدها الوحيد الذي قضى أبوه القبطان على متن سفينة غرقت في البحر. وبين اختطاف علي ووفاة زوجها، فقدت والدها اثر نوبة قلبية أصيب بها عند سماعه انفجاراً قوياً حيث يقطن ابنه.
الصبية المرحة التي خسرت أغلى 3 رجال في حياتها دفعة واحدة. »علي أملي الوحيد في هذه الدنيا®®. لا أقدر احتمال فقدانه®®. ليس للحياة طعم إن لم يكن فيها®®. يا الله تساعدني كي أجده®®.«، هذه الجمل التي كانت تردّدها متحدثة الى أبي، والدموع تنهمر صامتة على خديها، محفورة في ذاكرتي.
الصيف لم يأت
تقول لي أمي إن نايفة نجار طرقت أبواب كل المسؤولين والوزراء والنوابو وحتى تجار الأسلحة وزعماء الميليشيات، في تلك الفترةو حيث كان اللبنانيون يتنفّسون البارود بدل الهواء النقي®®.
لكنها لم تصل الى نتيجة. كتبت رسائل على مدى تسعة شهور الى فلذة كبدها المراهق ابن الرابعة عشرة. كتبت إلى خاطفيه وإلى الذين خُطفوا معه في السيارة نفسها التي كانت تقلّهم الى قرية القماطية (جبل لبنان) مسقط رأس أمه، ليقضي عطلة الصيف®®.
لكن الصيف لم يأت، والشمس لم تشرق من يومها، لأن الأم الحزينة قرّرت بعد سماعها أن كل الذين خطفوا قُتلوا بالرصاص أو ذُبحوا، أن تضع لمأساتها حلاً جذرياً. نايفة نجار فقدت الأمل®®. انتحرت. بل انتحروها 3 مرات.
لكن قصة نايفة الموثّقة في حجيج، ليست الوحيدة. فهناك 0 0 0 7 1 أم فقدن أولادهنّ وقصصهن لا تنتهي.
توثيق لمأساة 0 5 6 شخصاً
تتوالى صور المفقودين وتواريخ ولاداتهم واختفائهم في 522 صفحة من كتاب »®®. ولم يعودوا«. كأنهم في تلك الصور ينظرون إلينا بعتب سائلين عن حقّهم في العيش بيننا.
كأنهم ينتظرون في هذه اللقطات أن نحدّثهم عن أهلهم، عن العائلة وأين أصبحت، عن الوطن وكيف صار®®. عيونهم الثاقبة المحدّقة وقتذاك في عدسة الكاميرا، تُحرّض الناظر إليهم الآن ليسأل عن رفاتهم أو أثرهم، ليردّ شيئاً من اعتبارهم، حتى ولو صاروا جثثاً تحت التراب.
شفاههم تكاد تنطق وتصرخ: نحن كنا هنا وكانت لنا قصص وحكايات حزينة وحلوة في أحياء بلدنا وشوارعه التي سرقتنا من يومياتنا ونثرت أحلامنا في الهواء الملوّث بالبارود والحقد. هنا كان لنا أطفال وبيوت. هنا كان لنا أحبة وعشاق. وهنا لم يعد لدينا شيء®®.«.
الطريقة البسيطة في إخراج الكتاب بدت ذكية جداً، إذ تتتالى صور المفقودين بحسب تسلسل الأحرف الأبجدية لأسماء عائلاتهم، كأنهم منتشرون على الطرق حيث اختطفهم المسلحون وأوقفوا ساعة أعمارهم قسراً.
الصور المتراصةّ على الصفحات غير المتشابهة، تُشعر الناظر إليها وكأنها هاربة من شيء ما، من القناصّ أو المسلّح أو المغتصب أو الخاطف. إنها صور هاربة من الزمن، من الخوف®®. ومن الحرب نفسها. صور ليس لدينا سواها لتدلّنا إليهم أو تُذكّرنا بهم أو تُحفّزنا على المضي في اقتفاء آثارهم. إنها الدليل القاطع على أن المفقودين ليسوا أرقاماً تباع في مزادات السياسيين.
احتفظ بواحدة لنفسك. قد تصبح واحداً منهم
تُقلّب الصفحات الحاملة وجوه زهاء 0 5 6 مفقوداً، تُفكّر لو كنتَ واحداً منهم. تتساءل ماذا كان حلّ بك الآن؟ ما ستكون حال أهلك وذويك؟ أصدقاؤك هل ما زالوا يذكرونك؟ زوجتك هل ما زالت تنتظر رجوعك؟ أولادك على أي سرير ينامون، وفي أي صحن يأكلون؟ هل مازالت أمك حية أم توفيت وهي تتشوّق لعناقك؟
تُفكّر أنك، أنت الناظر الى هذه الصور، قد تصبح واحداً من المفقودين في المستقبل إذا اشتعلت الحرب التي ترقد كالجمر تحت الرماد. فالبلد في حالة غليان الآن، والفتنة تنتظر شرارة. وإذا فكّرت أكثر ستجد أن لبنان في حالة حرب أهلية دائمة لم تنتهِ يوماً، تأتي مستترة حيناً ومعلنة أحياناً. تعود الأسئلة الى ذهنك وتسأل نفسك: »بعد هذه التجارب الأليمة في اعتبار الدولة المفقودين أمواتاً، هل سيتجرّأ أحدهم بالتفتيش عني أو عن جثّتي؟
هل سيكون هناك جمعية مثل »أمم« لتبحث على الأقل عن صورتي الشخصية وتُدوّن مكان اختطافي أو نشاطي السياسي أو قصصي التي لم أكتبها؟ هل سيكتب أحد الصحافيين عن معاناة أهلي وزوجي وأطفالي طوال سنوات فقداني؟ من هنا تأتي أهمية مشروع أمم للتوثيق والأبحاث، التي استطاعت أن تجمع جهود أفراد وجماعات مثل لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين في لبنان، ولجنة دعم المعتقلين والمنفيين اللبنانيين (سوليد)، ولجان أخرى®.
وتضيف إليهم جهداً يُحسب لها تاريخياً في إعطاء قضية المفقودين بعداً إنسانياً صرفاً. فالجمعية تعاونت مع كل من له علاقة ولو بعيدة بهؤلاء المفقودين، ومع هيئات المجتمع المدني والأهلي لتبحث وتوثّق أي معلومة تردها أو تكتشفها، من أجل تفعيل هذه القضية، مركّزة جهودها على الذاكرة الشفهية لذوي المفقودين.
وهكذا تخطّت »أمم« مهمة التوثيق الى البحث الجدي، وحثّ السلطات على عدم النسيان وعدم التهرّب من التاريخ الذي لا بدّ أن يعيد نفسه في بلد يعيش فيه المواطن في حال من القلق الدائم. وقد لا تكون مصادفة أن يتبنى رئيس الجمهورية اللبنانية الحالي ميشال سليمان في خطابه عند تسلّمه زمام الرئاسة، قضية المفقودين والمعتقلين التي تبناها بيان رئاسة مجلس الوزراء عند تولي الرئيس سعد الحريري الحكم.
والأرجح أن اللبنانيين الذين وصل عدد المفقودين بينهم 71 ألف مواطن، ما عادوا يثقون بوعود رؤسائهم وحكوماتهم، لكن الأمل يبقى على رغم اليأس والحزن®®.
لم يقتصر عمل »أمم« على جمع هذه الصور والتواريخ، ولا على التجوال في مختلف المدن والمناطق اللبنانية لعرضها، ولا على إصدار هذه المعلومات في كتاب قد تصدر منه طبعة ثانية تضم عدداً أكبر من صور المفقودين، بحسب غالية ضاهر المسؤولة عن هذا الملف في الجمعية. فالجمعية سعت الى نشر فريق من المتطوعين في المناطق اللبنانية وفي المخيمات الفلسطينية في لبنان، ليبحثوا عن أسماء مفقودين لم يُبلّغ عنهم بعد.
هذا ولم يتوقف العاملون في هذا المشروع عن إجراء مقابلات مع أهالي المفقودين ليُخبروا عن قصص ذويهم ونشاطاتهم ويومياتهم، »علّها تكون مادة لفيلم طويل أو روايات« على ما قالت ضاهر. وأفادت بأن »الوقت هو المعرقل الوحيد لهذه الشهادات الحيّة، لأن عدداً كبيراً من أهالي المفقودين كالأمهات والآباء والأشقاء تخطوا الستين من العمر، ومنهم من بدأت ذاكرتهم تخونهم، أو وافتهم المنية«.
بيروت - رنا نجار

