ليس معروفاً على وجه التحديد لماذا عرف العرب المونودراما ولماذا ازدهر على خشبات مسارحهم®.؟ سؤال يطرحه أحد النقاد المسرحيين العرب متسائلاً عن جدوى مسرحيات الممثل الواحد التي لا تعبر بالضرورة عن واقع العرب المتخم بأحداث وقضايا مختلفة، وتجول مشكلاتهم لتؤلف مهرجاناً يومياً فيما لو أتيح لكل القضايا ان تخرج إلى المسرح.

ويبدو أن ضرورات أخرى قد ساعدت في ازدهار فن المونودراما ومسرحيات الممثلين الاثنين، وربما هذا من باب توفير في المصاريف وسهولة في التنقل والسفر وقد بات العرض بممثلين أقل مرحباً به في المهرجانات، وموضع ترحاب لدى المؤسسات الثقافية المنتجة لأن في هذا تماشياً ومتطلبات المسرح الفقير بالدعم والانجاز.والمونودراما كفن ارتبط ببدايات المسرح الأولى عند اليونانيين، فمنذ نشأته، اعتمد المسرح، وبعد أن كان لا يعدو كونه طقوساً تعبدية، على الممثل، الذي انتقل مع المسرح اليوناني القديم من مرحلة السرد إلى مرحلة التمثيل مع أول ممثل قدمه التاريخ للبشرية وهو ثيسبيس Thespis.

والذي أخذ من إسمه المصطلح الانجليزي Thespian ويعني مسرحي أو ممثل، إذ يعد (ثيسبيس) مرجعاً متطوراً في إعطاء المسرح إطلالته الأولى بل ربما تمظهره الأول والذي كان يحكي في اللقاءات التي تجمعه بعشاق المسرح وما أكثرهم في ذلك الزمان، يحكي حكايات، ويشد شغف الجمهور إلى تلك التنويعة في تقديم شحصيات حكايته من خلال الأقنعة والملابس والصوت والتكوين الجسماني، ومن هنا فهو يعتبر المؤسس الأول لهذا النشاط البشري.

المونودراما العربية ولدت من دون إجماع وتتلاشى بلا إبداع

كما هو أصل الفنون جميعها لا يبدو أن هناك ميلاداً حقيقياً للمونودراما وليس معروفاً تماماً أين ولدت للمرة الأولى قبل ثيسبس الذي تطرقنا إليه قبل قليل، وتروي بعض المراجع الرسمية أن المونودراما بصيغتها المعروفة اليوم يعود تاريخ ظهورها، إلى مطلع القرن الثامن عشر على يد المسرح الألماني جوهان كريستيان برانديز (5371-9971)، الذي أعاد الحياة لفن ثيسبيس واستحضره في مسرحياته التي كان يقدمها بنفسه وبشخصية واحدة بمرافقة الجوقة.

ويعود أوَّل نص مسرحي يصنف كمونودراما مكتملة الشروط الفنية إلى الفيلسوف والمفكر الفرنسي جان جاك روسو وكان ذلك عام 0671 م، وهو نصه (بجماليون)، ولم يسمها مونودراما بل جاءت التسمية هذه من أحد النقاد الفرنسيين وبعد قرن كامل من تقديمه لهذا العمل.

بدأت نصوص هذا الفن الصعب تتكاثر ويصبح لها صوت وحضور واهتمام في العالم، ولعل أحد الذين نبهوا لأهميته الكاتب المسرحي الروسي الكبير انظوان تشيخوف في نصه الشهير (مضار التبغ) ووصفه بالمونولوج في فصل واحد، وكتب الفرنسي جان كوكتو نصه (الصوت الإنساني)، وكتب يوجين أونيل نصاً مونودرامياً بعنوان (قبل الإفطار)، بينما كتب صموئيل بيكيت (شريط كراب الأخير) وكل تلك المحاولات يصفها الدارسون بالنموذجية والمثالية وهي كانت عبارة عن تقديم الممثل الواحد ضمن المنطق العفوي للمونودراما.

ويشير الناقد الأردني غنام غنام إلى أن فن المونودراما أتيح له الازدهار في معظم بقاع أوروبا بعيد الحرب العالمية الثانية كردة فعل على ما حدث من ويلات ودمار، وتعبيراً على عزلة الإنسان التي جاءت كرد فعل عنيف على الهزائم والحروب والخيبات التي عاشتها البشرية.

وهذه ردة فعل طبيعية لما حدث مع مطلع القرن وحتى منتصفه، إذ أن مختلف أنواع الفنون صارت تميل باتجاه التأكيد على هذه العزلة التي عرفت كعنوان عريض لمرحلة اتسمت بالهزيمة وأيضاً ترافقت هذه المراحل بولادة مسرح العبث أيضاً.

والعرب عرفت هذا الفن من خلال حالات التأثير والتأثر المختلفة، ولكن ظل فن المونودراما أسير حالات السرد ولم يتطور كثيراً ليكون تعبيراً عن أفعال ومقاربات فنية وحركية للواقع بل على العكس تتهم الآن معظم عروض المونودراما بالثرثرة وهذا ما يعيبها وما يقلل من حجم الإقبال عليها.

أما الكاتب والباحث السوري فرحان بلبل فيؤكد أن اتساع رقعة المونودراما المسرحية عند العرب لم يكن بسبب نجاح هذا الفن بل على العكس هو نتيجة لانفراط عقد الفرق المسرحية العربية الكبيرة وهذا لا يعني بالضرورة أن هناك ازدهاراً لهذا الفن الصعب والمعقد والذي انحسر عنه توجه الفنانين والفرق لقلة الموارد المالية وسهولة السفر إلى مهرجانات عربية وأجنبية .

ولا يعني هذا أن المونودراما تعيش في أفضل حالاتها لا سيما وأن هناك الكثير من الأسماء التي زجت بأسمائها في هذا المعترك الصعب دون دراية وفهم منهم لآلية العمل او كتابة النص المونودرامي الذي يعتبر احد أصعب أنواع الفنون المسرحية ولكن ومع غزارة كتاب الدراما صارت الكتابة للمونودراما هي من أسهل أنواع الكتابة في المسرح.

ويؤكد المخرج والممثل المسرحي الإماراتي حبيب غلوم مقدم أول تجربة مونودراما في الإمارات العربية المتحدة أن المونودراما كفن يعتبر من أصعب الفنون الدرامية، والتجربة التي قدمها كانت تتويجاً لعلاقته مع فن الممثل الواحد عقب عودته من دراسته الأكاديمية، منبهاً إلى أن الخوض في غمار المونودراما من قبل المسرحي المختص يعتبر امتحاناً حقيقياً له في مجال فهم المسرح والعملية المسرحية أساساً لأن المونودراما درس في الإيقاع وبناء الشخصية.

وتكثيف الأفكار وبناء الفضاء المسرحي وكل ما له علاقة بالعملية المسرحية من ألفها إلى يائها لذا يبدو الاستسهال الذي صارت تقدم من خلاله المونودراما يبدو أنه يفضي الى نوع من الاستسهال والتقديم غير الموظف لهذا الفن وكله في النهاية بسبب عدم وجود الدعم المادي للأعمال المسرحية الكبيرة وتراجع دعم المهرجانات الآخر عن استضافة عروض بطاقم كبير كل هذا انسحب سلبا على عدم ولادة فرق كبيرة وأعمال كبيرة فتراجعت الأحلام وتقزمت صوب المونودراما وبأفضل الحال لعروض الممثلين الاثنين.

وهذا لا يعني أن ما نشاهده هو تعبير عن حب المونودراما بل على العكس من ذلك، لافتا الى أن الفجيرة قدمت مهرجانا مسرحيا اختصاصيا لتسليط الضوء على هذا الفن المهم وبحال من الأحوال المهرجان مدعاة اعتزاز وفخر مع تأكيدنا على ضرورة الوقوف على بعض النقاط التفصيلية لجعل عجلة المهرجان تمضي بسرعة باتجاه الأمام.

لذا أطلقت دولة الإمارات مهرجان الفجيرة للمونودراما والذي استضاف فرقا مسرحية عربية واجنبية عام 3 0 0 2م، وتبعتها جمعية الثقافة والفنون بالطائف وأقامت مهرجانها الأول للمونودراما في ذات العام، ومهرجان المونودراما التي أعلنت فرقة الخليج بالكويت عن إقامته في مايو 2008، ومهرجان المونودراما في العاصمة السعودية الرياض والذي نظمته جمعية الثقافة والفنون بالرياض في يوليو 8 0 0 2م.

دبي - جمال آدم