البائعون المتجولون موجودون عبر التاريخ، ومنذ أن تفتحت أعيننا نرى الباعة المتجولين التقليديين يطرقون أبوابنا، ويعرفون أخبارنا وتربطهم علاقات جيدة مع كل الأسر التي يترددون عليها إذا كانوا يحملون بضائعهم على أكتافهم وهم يجوبون الأحياء بأرجلهم، أو على ظهور الحمير أو على دراجتهم أو غيرها من الوسائل ®.
ولكن هؤلاء لهم نشاطات محددة وأغلبهم من كبار السن من النساء والرجال وارتبط عملهم بسلع محددة مثل: اللبن والبلح والفواكه والأواني المنزلية والخضار، أو العاملون في مجال الروبابيكيا وغيرهم®.ولكن الظاهرة الجديدة التي بدأت خلال الأعوام الأربعة الماضية هي ظهور بائعين متجولين من نوع خاص، هم خريجو كليات ومعاهد حاصلون على شهادات جامعية ودبلومات عليا ومتوسطة عكس البائعين الجائلين التقليدين الذين ارتبط نشاطهم بمنتجات بيتية أو المنتجات التي يشترونها من المزارع الريفية بأثمان قليلة ثم يقومون ببيعها في الأحياء.
وكل منهم له طريقته في النداء على الشقق والمحلات ويعرفهم السكان من أصواتهم وأحياناً ينتظرونهم®. وهؤلاء إذا غاب أحدهم لعدة أيام تجد الأسر تسأل عنه أقرانه وزملائه حتى يعرفوا أسباب الغياب .
وإذا كان مريضا أو في شدة تجد الأسر ترسل له مبالغ بسيطة مع أبناء منطقته وزملائه حتى تزول شدته®.
بائعون مثقفون
ولكن بائعي اليوم المثقفين أولاداً وبناتاً تجد نشاطهم يتركز في المقاهي بشكل أكبر ثم المارة بالشوارع، وبعضهم يذهب إلى المنازل في الأحياء ويعرض بضاعته .
واللافت أنهم يبيعون كل شيء من خلال عشرات الشركات التي تشتري السلع الاستهلاكية ولعب الأطفال والأدوات المنزلية التي يسهل حملها وأدوات التجميل والعطور وحجارة البطارية وشواحن الموبايلات والأواني المنزلية وحتى الكتب الجديدة .
وهؤلاء يستوقفونك ويعرضون عليك سلعهم وعندما يجدونك غير مستجيب يصرون على أن ترى بعينك، ويحدثونك حديث العارف بمزايا السلعة وأهميتها وطريقة استعمالها وتجدهم أيضاً مقنعين جداً .
فتيات جامعيات
فتاة في الحادية والعشرين من عمرها جميلة جداً استوقفتنا لتعرض بضاعتها وسألتها عن مكاسبهم فقالت: بالنسبة®. . ولكن سؤالي الثاني كان أن هذا العمل مع كثير من الغرباء والأمزجة المختلفة ألا يجعلك خائفة ويعرضك لمشاكل أنتِ في غنى عنها ردت بثقة كبيرة قائلة:
أنا حاصلة على ليسانس آداب ومنذ العام الماضي لم أجد عملا وظروفي الاقتصادية لا تحتمل البقاء في المنزل أكثر من ذلك واحتياجنا للمال زاد حتى جاء أحد زملائي في الجامعة وعرض علي الفكرة.
وتواصل قائلة: ترددت في بادئ الأمر؛ ولكن لم يكن لدي الخيار وبالفعل فوجئت بمضايقات ولكنني اكتسبت الخبرة على مدى عام كامل في كيفية التعامل مع الناس وأذكر أن أحدهم استوقفني أكثر من ثلث ساعة يقلب في بضاعتي وأخيراً قال لي إنه يحتاج إلي كميات من هذه السلعة ويفضل أن أحضر إلى منزله حتى يشتري ما يريد، فاعتذرت له بأدب بأننا محكمون بمناطق معينة وهذه ليست منطقتي رغم أن كل المناطق مفتوحة أمامي ولكن رأيت أن أنسحب بدون جدل أو حوار لا يجدي.
تدريب مكثف
ولكن »أحمد أ« قال: نحن نكسب من هذا العمل جيداً وهو ماديا أفضل من الوظيفة ولكن يحتاج منا إلى جهد كبير في الحركة والعمل ساعات أكثر وأصبحت لدينا قدرة كبيرة على الإقناع وقد دربونا تدريبا مكثفا في الشركات التي نعمل بها في كيفية اختيار الزبون وإقناعه، وكذلك عدم الدخول مع الزبون في مشاكل إذا تجاوز حدوده®. علينا أن نكون هادئين حتى نكسب تعاطف من حولنا في المقاهي التي نتردد عليها وقال:
رغم ذلك أنا أتمنى وظيفة تدر علي دخلاً معقولاً ولا أتوقع أن أجد ذلك من خلال شهادتي الجامعية التي نلتها في كلية التجارة؛ لأن مرتب الشهادة الجامعية لا يزيد عن تكاليف المواصلات والإفطار صباحاً .
عائد جيد
تامر محيي الدين صاحب شركة من هذه الشركات قال: نحن شركة خردوات نتعامل بالجملة ولا يقف نشاطنا على الشباب المتجولين ولكن نتعامل مع كثير من المحلات ونحن نستورد ونشتري من كبرى الشركات هنا.
وقال: عن البائعة المتجولين انهم شباب أغلبهم خريجو جامعات والبعض من حملة الدبلومات صناعي وتجاري فهؤلاء يعتبرون العمل معنا مرحلة إلى حين أن يتم تعيينهم عبر القوة العاملة أو القطاع الخاص ولكن أغلب هؤلاء أصبحوا يرفضون العمل بشهاداتهم ويفضلون العمل مع هذه الشركات خاصة أننا نوفر لهم نسبة جيدة من العائد يومياً ولهم ملفات كاملة لدينا تتضمن كل شيء عنهم ونحاسبهم على أخطائهم ونوجههم بشأن التحرك ونراقب نشاطهم عن قرب.
لطريق الصعب
اأما »سماح السيد« 32 عاماً دبلوم تجارة فقالت: أنا لا أخاف ولا يغريني أي شيء فأنا محتاجة لمرتب شهري لأساعد أسرتي البسيطة! وأؤكد لك بأن كل زميلاتي اللاتي يعملن في هذا المجال قويات جداً، وقالت: على الإنسان أن يسأل نفسه سؤالاً واحداً لماذا كل هذه »المرمطة« والتجول في الشوارع والمقاهي على أقدامنا؟ ®. أقول لك لأننا اخترنا الطريق الصعب ولن نقدم تنازلات أو أن نسير في طريق قد يعود لنا بعائد أكبر ولكنه يخالف تعاليمنا وقيمنا وأخلاقنا.
متاعب قليلة
»هاجر أ ع« قالت: نعم تصادفنا بعض المتاعب ولكنها قليلة جدا ونحن لنا نظرة خاصة للناس ونستطيع أن نتجنب البعض إذا أحسسنا أنه سيسبب لنا مضايقات، وقالت: أنا أبيع سلعا مختلفة وفي يوم من الأيام كنت أحمل مكواة وبعض الأدوات الكهربائية فعرضتها على أحد الزبائن الذي وافق على الشراء واشترى مكواة وبعض الأدوات الكهربائية وأعطاني مبلغ 100 جنيه .
وأنا أحاول أن أرد له باقي المبلغ طلب أشياء أخرى سعرها 60 جنيه وبعدها رديت له باقي المئة جنيه الأولى ونسيت أن أحاسبه على الدفعة الثانية وذهبت وبعدها بساعة أدركت الخطأ فهرولت إلى المقهى الذي كان يجلس عليه فلم أجده بكيت يومها؛ لأن هذا المبلغ الذي يصل إلى60جنيها سيخصم مني وفي اليوم التالي في نفس المقهى وجدته جالساً وأنا متوجهة إليه وجدته يضحك.
وقال لي أنا أسف لأنني مثلك نسيت أن أحاسبك على قيمة البضاعة التي اشتريتها وحاولت اللحاق بك وفشلت ولم أعرف لك طريقا وحضرت اليوم خصيصاً وأنا أدرك أنك ستحضرين وأعطاني المبلغ فوراً واعتذر لي.
»الحاج رضوان سلامة« شيخ في السبعين من العمر يمتلك مقهى كبيرا في وسط القاهرة قال: أحياناً أشعر أن بعض الزبائن يتضايفون من هؤلاء الباعة خاصة من الذين يلحون بشدة على الزبون لشراء بضاعتهم®. وهم غلابة نوجههم بعدم الإلحاح ونسمح لهم بالبيع في مقاهينا ولكننا نراقب تعاملهم وإذا وجدنا البائع ملحاً أكثر من اللازم وأن الزبون بدأ ينفد صبره نمنعه دخول المقهى مرة أخرى، وقال: لكن رغم ذلك من الصعب التحكم فيهم.
مضايقات حكومية
» جابر م . م « من أبناء الصعيد بائع متجول قال: نحن نتعرض لمضايقات كثيرة من الحكومة والناس لماذا لا يتركوننا في حالنا؟
وأضاف: نحن الآلاف من أبناء الأرياف والمحافظات البعيدة تخرجنا في الجامعات والمدارس وصرف علينا أهلنا كل ما يملكون على أمل أن نتحمل مسؤولية أنفسنا ونساعدهم في كبرهم ولكننا ظللنا عاطلين وشهاداتنا لم تشفع لنا وجئنا للعاصمة بحثا عن عمل وعندما فشلنا خشينا من العودة عاطلين مرة أخرى خوفاً من كلام الناس وصدمة أهلينا فرضينا بهذا العمل وحتى أهل المدن في العاصمة وجدنا أغلبهم عاطلين، فهل يريدونا عاطلين؟
وأغلب العاطلين اليوم يهددون أمن المجتمع بالسرقات والممارسات التي تسبب هلعاً للناس من نصب واحتيال وقتل وقطع طرق وبلطجة وغيرها، قال: سنواصل وسنعمل ونتعب على الأقل أن نرد الجميل لآبائنا الذين أعطونا كل ما يملكون من أجل أن نتعلم .
القاهرة - دار الإعلام العربية

