يقدم الباحث مصطفى سعيد في دراسة بحثية بعنوان »تعليم التقليد الموسيقي بين الانتقال الشفهي إلى الكتاب« كيفية انتقال الأنغام الموسيقية من المجال الشفهي إلى مرحلة التدوين والتدريس، واتخذ في ذلك آلة العود الموسيقية نموذجاً.

يقول سعيد في مقدمة دراسته: لم يعرف التقليد الموسيقي في منطقة شرق حوض البحر المتوسط وجوارها من المناطق المحيطة بها، نظاما تعليميا لانتقال التقليد الموسيقي من جيل إلى جيل منذ مطلع التاريخ غير نظام الانتقال الشفهي من أستاذ إلى طالب، وذلك حتى نهاية العصر العباسي الثاني، حيث ألف صفى الدين الأرموي كتاب »الأدوار« الذي تحدث في الفصل الخامس عشر منه عن طريقة عزف العود، وكذلك ابتكر أسلوبا أبجديا لكتابة الأنغام ليدون من خلالها بعض التمارين والمقطوعات لغرضه التعليمي.

يضيف سعيد أن طريقة الأرموي لم تلق صدى في الجزء العربي رغم كونه في بغداد على الرغم من أنها لاقت صدى لا بأس به فى مناطق أخرى كبلاد الفرس والأتراك والسلاجقة لا سيما بعد خضوع أغلب هذه المناطق لحكم بني عثمان في القرن الرابع عشر وما تلاه، وتم تطوير طريقة الأرموي هذه عبر أتباعه من المدرسة النظامية أمثال قطب الدين الشيرازى وعبدالقادر المراعي.

واستمر هذا التطوير في حاضرة الدولة العثمانية عبر الزمن حتى تم الاستغناء عنها شيئا فشيئا واستبدالها بطريقة الإشارات عبر المدرج التي طورها الغرب، وكان هذا في نهاية القرن السابع عشر عند على يد علي أفكي بيه، ورغم كل هذا التطوير في التدوين والكتابة فإن الأتراك أنفسهم لم يلقوا نظام التعليم الشفهي من مرشد إلى مريد جانبا وإنما جعلوه جنبا الى جنب مع نظيره المكتوب ليكوّنوا في ذلك نظاما متكاملا كان تمامه عند اعتماد الوثائق المسجلة »الأسطوانات«.

تحفة الموعود في تعليم العود

وأشار الباحث إلى أنه لم يقترح أحد في العالم العربي نظاما تعليميا بعد الأرموي إلا محمد ذاكر بيه في كتابه »تحفة الموعود في تعليم العود« عام 3091، غير أن ذاكر بيه انتبه إلى أن النظام المكتوب غير كاف لانتقال التقليد الموسيقي العربي.

وأشار في أكثر من موضع في كتابه إلى أهمية الأستاذ للتلميذ وأهمية المرشد للمريد، وعلى الرغم من ذلك لم تنتبه لهذا معاهد التعليم الموسيقي لاسيما في النصف الثاني من القرن العشرين في العالم العربي.

وجعلت الكتاب حاجزا بين الطالب والأستاذ مما حتم قلة الإبداع عند الكثيرين من خريجي هذه المعاهد، أما من وجد عنده الإبداع فهو في غالب الأمر قد تلقى تعليما من نوع آخر في مكان غير نظامي أو لدى أستاذ ما علمه عبر التلقين الشفهي.

ويؤكد سعيد من خلال دراسته أهمية أن يكون التعليم الشفهي هو حجر الارتكاز وأن يكون الكتاب داعما له وليس العكس، وهذا ما انتبهت إليه بعض المعاهد شبه الأكاديمية لا سيما في العقد الأخير من القرن العشرين كبعض أساتذة »بيت العود العربي« منذ نشأته في القاهرة، أما المدارس والمعاهد العليا الأكاديمية فلم يتبن أحد منها هذا المنهج إلى وقتنا الحالي لاعتقادها أن النظام الشفهي هو نظام لا يجوز دخوله في الإطار الأكاديمي على عكس الغرب الذين انتبهوا إلى هذا الأمر مبكرا وبدأوا في اعتماد التلقين جنبا إلى جنب مع نظام التعليم بواسطة الكتاب.

واستنبط الباحث من خلال دراسته نتيجة مفادها، أن الكتاب مهم في هذا العصر كما أن التلقين مهم أيضا إلا أن تقليدنا الموسيقي العربي لا يمكن ارتكازه على كتاب بل لابد من الانطلاق من علاقة المرشد والمريد وصولا إلى الكتاب إذا أُريد لهذا التقليد تطور لا أن يعامل معاملة المتحف. ويشير سعيد فى نهاية دراسته إلى أسباب اختياره آلة العود تحديدا نموذجا قائلا:

اختياري آلة العود فهو لكون هذه الآلة آلة التنظير عند المنظرين العرب منذ بداية التنظير الموسيقي العربي، كذلك لكون معظم المناهج والأنظار التعليمية موجهة إليها دون غيرها أو اختلاط ما هو أسطوري بما هو تاريخي عن هذه الآلة لا سيما منذ مطلع القرن العشرين.

القاهرة ـ دار الإعلام العربية