لكي تتضح الأهمية الاستثنائية لهذا الفيلم، تجدر الإشارة إلى أن هناك عشرات الأفلام التسجيلية التي تناولت على مدى ستين عاماً قضية الألغام المزروعة في باطن الأرض، ولكن أن يقدم مخرج شاب عملاً جديداً لنفس القضية تحت عنوان »احذر الوقوف متكرر« .
ويفوز بثلاث جوائز كبرى، فالأمر يستدعي التوقف أمام هذا العمل للمخرج الشاب أيمن الجازوي.والجازوي من المخرجين الشباب الذين ينتمون، على حد تعبيره، إلى المدرسة الواقعية التي تعرض قضاياها بحيادية وموضوعية. وفي الوقت نفسه تدين المجرم وتنصف المظلوم، مؤكداً أنه هدف من فيلمه الأخير أن ينقل بعيون كاميراته وشخوصه صوت من لا صوت لهم إلى العالم؛ ليعرف كم ارتكبت الحروب من جرائم ، متخذاً من ضحايا ألغام منطقة العلمين منصة لينطلق من خلالها إلى ضمير العالم.
»الحواس الخمس« التقى مخرج فيلم »احذر الوقوف متكرر« الفائز بجائزة أحسن فيلم تسجيلي من المهرجان الدولي لسينما البحر المتوسط للأفلام التسجيلية الثالث عشر بإيطاليا، وهذا نص الحوار.
ما الأسباب الحقيقية وراء اختيارك موضوع الألغام ليكون محور فيلمك »احذر الوقوف متكرر«؟
الفكرة لم تكن من اختياري، فقد اقترحت على قناة »الجزيرة الوثائقية« خط اتجاه العمل الذي سرنا عليه، وهو موضوع الألغام ليكون فكرة الفيلم التسجيلي وبدأت فعلاً العمل مع زوجتي المخرجة الإيطالية كريستينا بوكيليني التي شاركتني إخراج الفيلم، وظللنا نعمل على مدى سنة ذهبنا خلالها إلى منطقة العلمين بالصحراء الغربية وتقابلنا مع شخصيات عدة كانت مشكلتهم الحقيقية أنهم ليس لديهم أي وعي ولا إرشاد عن الخطر الذي يحيط بتلك المنطقة، لدرجة أن أي فرد فيها أصبح معرضاً لأن يفقد يديه أو رجليه أو عينيه أو يموت نتيجة لوجود ألغام في تلك المنطقة.
وأثناء العمل في الفيلم اكتشفت أشياء كثيرة جداً تركت بداخلنا علامات استفهام، منها أن القضية لم يسلط عليها أي ضوء إعلامي ولم تناقش إعلامياً، وكل ما تمت مناقشته هو عدد الألغام الموجودة بالفعل التي تقدر بأكثر من مليون لغم، ومع هذا لا توجد أي حلول للمشكلة، فتحمسنا أكثر للفيلم الذي ضمناه شهادات لضحايا من نساء وأطفال وصبية فقدوا ذويهم وبعضهم فقد أعضاءه، كما عر ض الفيلم لمحور آخر راصداً شهادات جنود إيطاليين شاركوا في زرع الألغام بشكل عشوائي.
رصد واقعي
ما التقنيات التي اعتمدت عليها أثناء تصوير فيلمك؟
لم نستخدم أي نوع من أنواع الإضاءة حتى نعبر عن الحدث بصدق ونضع أيدينا عليه عن قرب، كما أننا لم نستخدم حامل كاميرا حتى تكون حركة الكاميرا طبيعية، ولكي تتحرك بحرية أكثر في كل اتجاه ونصف الحالة والمشهد الذي نراه بشكل حقيقي وواقعي؛ خاصة وأن فكرة الفيلم قائمة على الرصد الحقيقي لواقع ضحايا الألغام بمنطقة العلمين، كما أن التكنيك كان مختلفاً، وكان الوصف نفسه مختلفاً لكي نقدم شيئاً متميزاً نفخر به.
إضافة إلى ذلك فإننا لم نعمل إعادة صياغة لإجابات الضحايا، فقد كان هناك حوار مفتوح معهم يتحدثون خلاله بحرية وكما يريدون من دون أي حدود، ورسالتنا من ذلك أن تصل أصوات استغاثات الضحايا إلى العالم كله كما هي دون تجميل حتى يتحرك ضمير العالم.
الفيلم إخراج مشترك بينك وبين زوجتك، ما الفرق بين رؤيتك للفيلم ورؤيتها؟
الفيلم تعاون بيننا، ولم يكن هناك اختلاف بين وجهتي نظرنا، ولكننا عملنا بشكلين مختلفين، فقد كانت فكرتي قائمة على أن الضحايا لا يملكون من أمرهم شيئاً، ولهذا قدمته بشكل حزين، لكنها رأت أن الضحايا عندهم إيقاع وحياتهم تسير بشكل طبيعي وعندهم طاقة فكانت تعمل على فكرة الإيقاع السريع على الرغم من الحزن الذي عاش فيه الضحايا.
مشاهد مؤثرة
تعاملت كمخرج مع ضحايا الألغام لمدة سنة كاملة، كيف أثرت فيك التجربة؟
لم أكن أعي حجم المشكلة الحقيقي إلا عندما خضت تجربة الفيلم بالفعل، ووجدت أن الناس يعيشون في مأساة ليس لأنهم فقدوا بعض أجزاء من أجسامهم جراء وجود هذه الألغام، وأصبح مصيرهم غير معروف بل لأنهم في النهاية حملوا لقب معاقين، والغريب أن تلك المنطقة المليئة بالألغام توجد على مقربة من منتجع سياحي!
ما أكثر مشهد أثر فيك أثناء التصوير؟
أكثر مشهد أثر فيّ أنا وزوجتي مشهد الولد الصغير الأصم الذي كان يلعب في منطقة قريبة من الألغام، وجرى الولد ليحضر كرته، ولم يسمع تحذيرات الناس وانفجر فيه اللغم عندما دخل منطقة الألغام وهو لا يعلم. كانت النتيجة أن انقطعت رجله وخرجنا من هذه القصة بأن هناك أشخاصاً حياتهم أصبحت في يد غيرهم.
ما نوعية المشاكل التي قابلتك أثناء التصوير في منطقة العلمين؟
كثيرة، فهناك تصاريح كثيرة لم آخذها من مصر، فأنا كمخرج تولد بداخلي فكرة ما، ولكن يجب قبل تنفيذها أن أحصل على تصاريح للتواجد في مكان التصوير ويستغرق هذا التصريح أكثر من شهر، هذا في حال حصلت عليه، فهناك بعض التصاريح أعجز عن الحصول عليها، وبالتالي يتوقف العمل، ولكي نبدأ التصوير يجب أن يكون معنا تصريح مع أن الفيلم التسجيلي هو عبارة عن رصد للواقع، ورصد الواقع لا يحتاج إلى تصريح .
استعرضت من خلال فيلمك مأساة مهمة ولكنك في النهاية لم تقدم حلولاً®.
الحكومات هي المسؤولة عن وضع حلول، بينما دوري كمخرج هو إبراز المشكلة دون تجميل، فرغم أن قضية الألغام في منطقة العلمين موجودة منذ سنوات بعيدة لكنها أصبحت في طي النسيان، والمظلوم في النهاية هو الإنسان الذي يعيش وسط الألغام ولا يعلم مصير حياته المقبلة.
في رأيك هل نحن مدينون كعالم عربي، أم العالم الغربي هو المدان في هذه القضية؟
نحن في العالم العربي نفتقد قوة الصوت لأن نطالب بحل لهذه القضية، والغريب أن من يطالب بحل هذه المشكلة هو منشق وشاذ وخائن، ويجد هجوماً كثيراً لاعتقاد البعض أنه يهدف إلى تحقيق مصلحة شخصية أو عمل »شو إعلامي« على حساب مصلحة بلده.
مضطهد في مصر
هل هذا يفسر تعرضك لهجوم من قبل وسائل الإعلام في بلدك بعد عرض الفيلم؟
فعلاً®. تعرضت لهجوم كبير؛ ولكن هذا الهجوم مرتبط بشكل كبير بكون قناة »الجزيرة« هي التي أنتجت الفيلم، وللأسف نحن في مصر عندنا جانب كبير من التحفظ تجاهها، ولكن من خلال تجاربي معها وجدت أنها لا تقوم بتوجيهي، ولا يجوز أن توجهني بأن أسير في خط محدد؛ لأنني في النهاية مبدع.
رغم أهمية القضية التي يطرحها الفيلم لم يتم عرضه في مصر®. لماذا؟
لا أعلم بالضبط الأسباب وراء تجاهل عرض فيلمي بمصر على الرغم من أن الفيلم لا يدين أحداً سواء في مصر أو في إيطاليا، فقد عرضنا القضية بشكل موضوعي وعادي، ولكن يبدو أن الفيلم حساس جداً من وجهة نظر الكثيرين بمصر على الرغم من أنه قدم دعاية للقضية بشكل غير عادي في العالم كله بعد أن عرض في أميركا وكندا ودول أخرى كثيرة، وحقق نسبة مشاهدة عالية جداً.
مهرجانات عالمية
هل كنت تتوقع أن يحصل فيلمك على هذا العدد غير القليل من جوائز المهرجانات؟
لم أكن أتوقع كل هذه الجوائز، حيث حصل الفيلم على جائزة الإبداع خلال مسابقة »الأكولاد« الأميركية، والجائزة الذهبية في الحرية وحقوق الإنسان من مهرجان الجزيرة الدولي السادس للفيلم التسجيلي، ثم جائزة أحسن فيلم تسجيلي من المهرجان الدولي لسينما البحر المتوسط للأفلام التسجيلية الثالث عشر بإيطاليا.
ومن واقع تجربتي هذه أدعو أي مهرجان لكي يكون ناجحاً ومتميزاً إلى أن يرى كيف يتم تنظيم المهرجانات العربية مثل مهرجانات أبوظبي ودبي والجزيرة فهذه المهرجانات تمتلك موضوعية غير موجودة في أي مكان آخر.
وكيف كانت ردود الفعل العالمية عند عرض الفيلم ؟
كانت هناك ردود أفعال كثيرة حيال الفيلم أهمها الذهول من وجود ألغام بعد مرور 06 عاماً منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية بل يتسبب وجود تلك الألغام في إهدار أرواح كثيرة، بالإضافة إلى أن الحكومات بشكل عام مقصرة في إنهاء هذه المشكلة،فقد تأثر كل من شاهد الفيلم من منظر الضحايا، خاصة أن العالم كله يرى أن مصر هي الحضارة والأهرامات وشرم الشيخ ولا يتخيل وجود ألغام في هذه المنطقة. لهذا فكرنا في عمل جزء ثان من الفيلم، وسيكون السؤال في الفيلم: لماذا رفضت الحكومات الإيطالية والألمانية والإنجليزية التحدث في هذه القضية؟
واقع السينما التسجيلية
حدثنا عن واقع السينما التسجيلية في مصر وإلى أي اتجاه تسير؟
السينما التسجيلية في مصر لو أخذت خمسة من الألف من اهتمام الدراما المصرية سيكون لها شأن كبير، ولكن أعتقد أن التلفزيون لا يريد أن يثقف الناس، لأنك لو أصبحت مثقفاً سوف تطالب بحقك.
كيف ترى التأثير الحقيقي للسينما التسجيلية في المُشاهد؟
السينما التسجيلية مفيدة جداً خاصة للصحافيين، ولكننا للأسف لم نترب على ثقافة الأفلام التسجيلية، فأنا مثلاً لم أر أفلاماً تسجيلية بالتلفزيون المصري، وكل الأفلام التسجيلية التي تم عرضها بها نوع من الملل والرتابة.
كيف ترى الفرق بين الفيلم التسجيلي والفيلم الروائي؟
الفيلم التسجيلي هو تسجيل الواقع وإن لم نستطع أن نسجل الواقع نعمل على إعادة بنائه، أما الفيلم الروائي فهو عبارة عن رواية مكتوبة، ومن الممكن أن تكون من الواقع أيضاً مثل روايات نجيب محفوظ التي تحولت إلى أفلام .
القاهرة - دار الإعلام العربية

