أربعة وخمسون مهرجانا مسرحيا عربيا رسميا، وما يزيد على ثلاثة أضعاف هذا الرقم من المهرجانات المحلية التي تتبع مناطق معينة هي حصيلة غير نهائية للمهرجانات المسرحية التي تتوزع في أنحاء العالم العربي.

ولعل في هذا الرقم ما يشير إلى حالة مسرحية مثالية يعتقدها العارف بهذا الرقم للوهلة الأولى، ولكن الأمور في تفاصيلها تختلف من شخص إلى آخر في إطلاق الأحكام تجاه هذه المهرجانات التي يرى فيها بعض النقاد العرب ترفا ورفاهية ومناسبة لالتقاء المسرحيين، دون أن يكون في هذا اللقاء ما يوحي أن هناك آفاقا للتعاون المجدي، في حين يرى البعض الآخر أن المهرجانات هي ما تبقى من دعم لحركة المسرح العربي مؤثرين أن يكون هناك مهرجانات تقدم العروض المسرحية بمختلف أنواعها وتقييماتها سلبا أم إيجابا، على أن يكون هناك حالة سبات تصيب العملية المسرحية.وفي كل الأحوال فإن المشهد المسرحي العربي متخم بكم كبير من المهرجانات، ولعل المتابع أو الباحث الدقيق يجد أن هناك وجوها لا تتبدل ومياها لا يتحرك سكونها ضمن فلك هذه المهرجانات، مما يجعل من إقامتها سنويا كمن يدور في حلقة مفرغة.

ولعل المسرح العربي يعاني في السنوات العشر الماضية من ضعف في الإمكانات وتراجع في الخيال، وتدني كبير في نسبة المشاهدة، ناهيك عن عدم وجود أجيال مسرحية مؤمنة بالمسرح وأهميته في الواقع العربي، على العكس من تطوره في البلاد الأوروبية والأميركية والاعتراف به كإحدى وسائل التعبير والتغيير في المشهد الحياتي والواقعي، وكل تلك الأمور لا توحي بأن هناك مستقبلا ما للمهرجانات المسرحية العربية في أن تكون فاعلة في الواقع، وان تحدث تغييرا ما، لأنها صارت ببساطة وعاء لعروض مسرحية هزيلة ومتراجعة.

ويشير الفنان أسعد فضة، وهو أول مدير لمهرجان دمشق المسرحي، أقدم المهرجانات المسرحية العربية، إلى أن المهرجانات لا تتحمل مسؤولية التراجع الذي حصل لها، بل لضعف علاقة الأجيال مع المسرح بالدرجة الأولى، وتراجع الاهتمام بهذه المهرجانات مرده ضعف الإمكانات المادية أمام غزو التلفزيون.

واتساع رقعته، وارتفاع أجور العاملين فيه، على العكس من المسرح الذي يتمسك بتعرفة قديمة لا يمكن أن تكون مكافأة أو تقديرا لدور المسرح والعاملين فيه، ولأجل هذا فرغت المسارح من المشاهدين والمشاركين، وما عاد يعمل فيها المسرحيون الموهوبون، بل على العكس تماما مسارح فارغة، ومهرجانات لا تعكس ضرورتها وأهميتها.

ويؤكد الدكتور عجاج سليم، المدير السابق لمهرجان دمشق المسرحي أن حركة المهرجانات المسرحية صارت تدار بآلية واحدة، وهناك الكثير من الأسماء التي تتكرر، والموضوعات كذلك، وربما الطعام والشراب يتكرران أيضا ضمن حالة تكرار واضحة لا حياة فيها، مما أسهم بتراجع المسرح العربي، وتشتت الأهداف التي قامت من أجلها المهرجانات العربية.

ولعل بعض المهرجانات الرسمية قد فقدت ألقها نتيجة انشغال الحكومات عن دعم الثقافة والمسرح، وهذا يشير بما لا يدع مجالا للشك إلى أن المهرجانات بطبعتها القديمة حينما كان ينظر للمسرح على انه عنصر فاعل في الحياة الثقافية كانت ذات أهداف أهم، وذات جدوى أوسع، وفي النهاية لنا أن نتمنى أن يولد جيل مسرحي يحسن علاقة الناس مع المسرح، ويحسن في مستوى المهرجانات المسرحية العربية المتناثرة هنا وهناك.

وبدوره يرى الباحث والناقد المسرحي المغربي عبدالكريم رشيد أن العلاقة التي تربط بين المسرح والمهرجانات تكاد تكون واحدة، لأن المهرجان منتج طبيعي لحال المسرح، وهو بحال من الأحوال انعكاس لحال المسرح التي لا تدل على أن هناك آفاقا قريبة لإعادة انتعاشه، ولو ان المسألة إلى حد ما نسبية.

ففي الوقت الذي تحولت فيه دول الخليج الى حاضن مهم لتظاهرات مسرحية متميزة كما ونوعا، نجد أن المهرجانات في المشرق وبلاد الشام لا ترقى للسمعة التي تميزت بها، وكذا الحال بالنسبة للمهرجانات المغاربية والمصرية، ويشدد برشيد على أن الجيل الحالي لا يحمل سمات التغيير، ولا يرقى لحال المسرحيين الذين أسسوا للتجربة المسرحية في خمسينات وستينات القرن الماضي، لأن الهموم اختلفت، والفنون تحولت، والأجيال ابتعدت، وبهذا مهرجاناتنا المسرحية تشبه ما يحصل لنا .

ويشير محمد سيف الأفخم، مدير مهرجان الفجيرة الدولي للمونودراما إلى أن الآلية التي تنفذها المهرجانات العربية هي شكل من أشكال الإنقاذ للمسرح العربي لأن هذا المسرح يعاني حقيقة ضعف الإمكانات والموارد بشكل كبير ولا يستطيع المرء أن يتخذ موقفا ما من المهرجانات على الرغم من تكرارا موضوعاتها وضيوفها لأنها ضرورة تنتج أحيانا موضوعات وعروضا مهمة، وبهذا فإن المهرجانات المسرحية سلاح ذو حدين، وهو يأمل أن تتم المعالجة بتوفير الدعم للأكاديميات المسرحية وتشجيع الأجيال المقبلة وبالدعم المادي أولا على إنتاج المسرح والعمل في المسرحيات التي تمس الواقع.

ويرى الباحث والناقد المسرحي الأردني مؤيد حمزة أن المهرجانات المسرحية العربية تقوم معظمها على لعبة المصالح المشتركة، وصار تقديم المهرجان المسرحي هدفا قائما بحد ذاته أكثر مما يهتم به القائمون عليه على أن يحفل بموضوع جديد او عروض مميزة، ولعل الضيوف المشتركين في هذه المهرجانات يشيرون وبما لا يدع مجالا للشك إلى أن المشكلة الأساسية عدم وجود دماء تسهم في دفع هذه المهرجانات إلى الأمام، ناهيك عن أن ما يسمى بالندوات النقدية والفكرية التي تدار وتقدم على هامش الفعاليات الفنية للمهرجان تدور في حلقة مفرغة بعد ان فرغت هي الأخرى من محتواها، وصارت تقام لأجل أن يكون هناك ندوة فكرية، يحضرها قلة من الأشخاص، ولا يجري الأخذ بمضامينها الفكرية ولا بتوجهاتها الفنية.

دبي - جمال آدم