«الحواس الخمس» على طريق الحرير في قافلة تسير محملة بالمعلومات والثقافة والفن والتجارة، سرنا بخط القوافل الاتية من الجزيرة العربية والمتجهة الى تركيا عبر اللاذقية وتدمر والمنطقة الجنوبية، حيث تصل القوافل من الجنوب، انها رحلة البداية للمهرجان التاسع والذي يعتبر نافذة سوريا على العالم الخارجي، فالاوابد التاريخية والتي كانت تشكل ممالك وحانات وأسواقا كانت يوما عامرة بأناس غزوا وغُزوا، قاتلوا وقتلوا، انتصروا وانكسروا ولكن بقيت الاماكن تحدث الزائرين عنهم .
اليوم الخامس
غادرنا مدينة اللاذقية متجهين الى مدينة تدمر الاثرية التي تتوسط بادية الشام وتقع على بعد 243 كيلومترا من دمشق و 150 كيلومترا من حمص شرقاً، عند معبر جبلي اضطراري على سفح جبل المنطار من سلسلة الجبال التدمرية، في حوض نبع غزير الماء. وقد تشكلت جراء هذا النبع واحة خضراء أصبحت مكان استراحة بين العراق والشام، ومحطة للقوافل بين الخليج العربي وبلاد فارس والبحر الأبيض المتوسط.
ويعود أقدم ذكر لتدمر باسمها الحالي إلى مطلع الألف الثاني قبل الميلاد، ولا يعرف لهذا الاسم معنى مؤكد. على أنه من المنطقي والمقبول أن يكون اسمها قد اشتق من «دَمَر»، التي تعني «حَمَى»، في اللهجات العربية من لغات الجزيرة العربية القديمة، وقد تمت تسميتها باللغات الإغريقية واللاتينية واللغات التي تطورت عنهما اسم «بالميرا» Palmyra المشتق من اسم النخيل. وتابعنا جولتنا في المنطقة الاثرية بتدمر لننطلق بعدها باتجاه دمشق، حيث زرنا (معلولا) التي تعتبر من أقدم البلدات التي تشتهر بوجود معالم دينية مسيحية تاريخية.
وتقع في شمال غرب دمشق على بعد 05 كم، وترتفع عن سطح البحر بحوالي 1500 متر. اسمها يعني المكان المرتفع ذا الهواء العليل حسب اللغة السريانية التي ما زال سكان معلولا يتحدثون بها. تشتهر بوجود معالم مسيحية مقدسة ومعالم قديمة مهمة يعود تاريخها للقرن العاشر قبل الميلاد. كما أن سكانها من المسيحيين والمسلمين ما زالوا يتكلمون باللغة الآرامية (السريانية) لغة المسيح حتى اليوم بجانب اللغة العربية كما في قرية جبعدين وبخعة.
اليوم السادس
كانت رحلتنا الى المنطقة الجنوبية ابتداء من محطة القطارات في دمشق، وزرنا متحف الخط الحديدي الحجازي في محطة القطارات بالقدم، والذي يعتبر من أكبر المتاحف السككية في العالم، ويضم أقدم وأندر القاطرات البخارية التي يعود تصنيعها إلى الفترة الممتدة من 1895 إلى 1915 ميلادية، إلى جانب مقتنيات ومعدات وآلات وصور توثق الخط الحجازي وتأسيسه وحركته، إضافة إلى استكمال جولتنا في مدينة دمشق القديمة الغنية بمعالمها الأثرية والدينية التاريخية والخانات والحمامات والأسواق التقليدية.
وقال طلال المحمد مدير سياحة درعا والذي رافقنا على طول رحلتنا ان مدينة بصرى الأثرية جنوب سوريا التي كانت عاصمة دينية وتجارية لعدة حضارات، ومحطة رئيسية على طريق الحرير، وتشتهر بمدرجها الروماني وآثارها الرومانية واليونانية والإسلامية المختلفة.
بالاضافة الى المسجد العمري نسبة الى عمر بن الخطاب، حيث يعد هذا الجامع من أقدم المساجد في سوريا، إذ بني أيام الخليفة عمر بن الخطاب، ويعرف بالجامع العمري نسبة إليه وهو الجامع الوحيد الذي بني في عهد الإسلام الأول، وحافظ على واجهته القديمة حتى الآن، ولا يزال يحتفظ بتفاصيله المعمارية، وأعمدته التي بقيت في مكانها.
مئذنة عروس
اما مئذنة العروس فهي على ارتفاع 6 امتار، تقع في الزاوية الشمالية الشرقية من المسجد، جاء قسمها السفلي مربع الشكل بأبعاد 08. 4- 08. 4م نفذ فيها مدخلان أحدهما للمسجد والآخر يفتح إلى خارج المسجد. ثم يتقلص كل ضلع من كل جهة 06 سم ليصبح طول كل ضلع 2. 4 سم ثم تأخذ بالتقلص التدريجي حتى ارتفاع 18 مترا بحيث يتقلص طول الضلع إلى 50 سم، وبذلك يصبح ارتفاعها الكامل 24 مترا، ولقد زودت بفتحات تهوية وإضاءة غير منتظمة على مستوى ارتفاعها.
وتاريخ بناء المئذنة ليس مؤكدا ويعتقد أنها بنيت بنفس الفترة التي بنيت فيها الواجهة الشمالية والتي تعود إلى الربع الأول من القرن السابع الهجري. في أعلى كل واجهة منها نافذتان بينهما عمود محلزن، وفوق كل نافذة قوسان متعاكسان، وفي أعلى المئذنة يوجد كورنيش حجري بارز وتعتبر الاعلى من نوعها في المآذن، بالاضافة الى دير الراهب بحيرى الذي تنبأ بنبوة الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم عند قدومه ضمن قافلة تجارية مع عمه أبي طالب وهو في التاسعة أو في الثانية عشرة من عمره عندما توقفت القافلة في بصرى
مدينة السويداء
ومن بصرى اتجهنا الى مدينة السويداء وعبر نظرة إلى آثار المحافظة ستبدو لنا الأهمية التاريخية و الحضارية التي تمتعت بها هذه المحافظة، فقد اكد لنا جهاد ابو زكي مدير سياحة السويداء ان المدينة شهدت على الأقل ثلاث مراحل للسكن الحضري خلال الأربعة آلاف سنة السابقة لميلاد السيد المسيح في العصور؛ الحجري والنحاسي والبرونزي القديم والبرونزي الوسيط، ومن المواقع المكتشفة والممثلة لهذه المراحل تل ظهير وخربة الأنباشي وخربة الهبارية وتل دبة بريكة. وما بقي في المحافظة من أوابد أثرية من العصور النبطي واليوناني والروماني والغساني البيزنطي والإسلامي، فهي كثيرة نجدها في معظم مناطق وقرى المحافظة او ضمن مقتنيات متحفها.
وبعدها عدنا الى دمشق الى قصر العظم، حيث كان مسك الختام حفل فني أحياه 17 من أعلام الفن والموسيقى من13 دولة عربية وأجنبية وشارك في الحفل الفنان التونسي لطفي بوشناق، إلى جانب مطرب المقام العراقي حسين الأعظمي، والمغنية المغربية فدوى المالكي، ومغنية الفلامنغو الإسبانية روسيو ماركيز، مع عازف غيتار الفلامنغو الفرنسي كيليرمو كيلن، وعازفة القانون الأرمينية هاسميك لي لويان، وعازف الناي التركي أحمد إسلام توز وعازف القانون العراقي حسن فالح، وعازف آلة السيتار التراثية الإيرانية كيوان ساكت.
وعازف الساروت الهندي أرناب جاكرابارتي مع عازف الإيقاع بروديبتو لاهيري والعازف والمغني اليمني الأصل عبود خواجة، وعازفتي الإيروا والبيبا الصينيتين مازياو هوي وسين لي، وعازف الإيقاع الأردني ناصر سلامة، إضافة إلى الفنان السوري شادي عبد الكريم أحد رواد الغناء العربي والصوفي، وذلك بقيادة عازف العود السوري حسين سبسبي.
ونجح الحفل في نقل صورة من صور التبادل الفكري والفني والثقافي الذي كان يحدث عبر القوافل التي كانت تأتي من الهند والصين ودول متعددة أخرى، وتحمل معها الفن إلى بلدان مختلفة، بما يخلق تمازجاً للثقافات المتعددة، لا سيما أن الآلات الموسيقية المختارة لهذا الحفل لها جذور من تاريخ كل بلد، لتعبر عن ثقافته وحضارته وتجسدها ضمن أجواء طريق الحرير.
دمشق ـــ عبد المنعم الشديدي
