باتت فرق الجاليات والجماعات الموسيقية التي تضم جنسيات متعددة في عضويتها جسر تواصل مؤقتاً يغرد بعيداً وسرعان ما ينتهي بمغادرة أعضاء هذه الفرق أرض الإمارات، السؤال الذي يحدونا: هل يستمر التواصل والعطاء بما يسهم في تلاقح الثقافات وتعريف الجنسيات بموروثاتها الموسيقية، لاسيما وان الدولة بها أكثر من 150 جنسية مختلفة ما يشكل بيئة خصبة لتنوع موسيقي عالمي، وهل تحقق هذا الأمر، أم انه حلم بعيد المنال، الإجابة في سياق الاستطلاع التالي.

يقول محمد الملا عازف كلارنيت بجانب 15 آلة موسيقية أخرى: ان التنوع الثقافي وتعدد الجنسيات بيئة خصبة لقيام فرق موسيقية متعددة المشارب تصب في النهاية في بوتقة العالمية الموسيقية، وهناك العديد من التجارب في هذا المضمار كان مصيرها الفشل، ومن أبرز التجارب المتميزة كانت فرقة اوركسترا دبي السيمفونية التي تكونت من جنسيات مختلفة بقيادة الموسيقار عزيز المصري ونجحت في تقديم عروض لاقت القبول والاستحسان، منها العرض الافتتاحي في الحادي والعشرين من أكتوبر 2007 ولم تكمل العام بعد هذا العرض وتوقفت.

وعن أسباب التوقف وعدم استمرار سيمفونية دبي والفرق المشابهة يقول الملا وهو من مؤسسيها: ان هناك العديد من الأسباب يأتي في مقدمتها عدم توفر غطاء مالي للفرقة وعودة الجنسيات الأخرى إلى بلدانهم مع انتهاء عقود عملهم داخل الدولة وهو الأمر الذي يؤدي إلى فقدان الفرق أهم مقومات الاستمرار، رغم أنها تجارب تشكل انصهاراً موسيقياً عالمياً، حيث قدمت فرقة اوركسترا دبي السيمفونية في عرضها الافتتاحي المعزوفات والمقطوعات من الشرق والغرب منها (أم الروبة والقدس من تأليف عزيزي المصري وكلاين لموزرات وانا وحبيبي لمحمد عبدالوهاب).

ويؤكد الموسيقار عيد الفرج (مدير مركز الشارقة لتعليم الموسيقى) عجز الفرق الموسيقية المكونة من جنسيات متعددة داخل الدولة عن مواصلة مسيرتها، لأن تكوينها ونشأتها لدواعي ومكاسب مادية، فعندما لا تتوفر المحفزات المالية تتوقف الفرق، الى جانب مغادرة معظم أعضاء الفرق للدولة، لذلك تعتبر جميع المحاولات الموسيقية في هذا الإطار فاشلة.

ويقول الموسيقار رياض قدسي مؤسس اوركسترا الإمارات السيمفونية للناشئة انه عانى من هذه المشكلة عندما كون الفرقة عام 1993 وكانت البداية من 05 عازفاً من جنسيات متعددة وبمرور الوقت تخرج من الفرقة ما يقارب 500 عازف معظمهم الآن خارج الدولة، وهو الأمر الذي جعله ينادي في كثير من المنابر والمناسبات بضرورة الاهتمام بالمواطنين عبر المدارس الموسيقية ومن ثم تكوين فرق موسيقية محترفة داخل الدولة، لكنه لم يجد استجابة تذكر في هذه الموضوع.

ويتحسر العراقي سعد الدين حبيب (عازف كمان) على توقف فرقة اوركسترا دبي السيمفونية، ووصفها بأنها من أنجح التجارب الموسيقية التي تكونت من جنسيات متعددة، حيث تواجد فيها أكثر من ثماني جنسيات عربية وهو الأمر الذي انعكس على مستوى الفرقة من حيث الحرفية وتعدد المنابع الموسيقية بين الموروث الإماراتي والخليجي والعراقي والشامي والمصري وهو ما شكل وحدة عربية موسيقية شاملة لكن لظروف خارجة عن إرادة أعضاء الفرقة لم يكتب لها النجاح، ويتمنى ان يعيدها إلى الحياة لكن ضيق ذات اليد يعجزه عن ذلك، ويظل على تواصل دائم مع أعضاء الفرقة من مختلف الجنسيات خصوصاً الموسيقار عزيز المصري الذي غادر الدولة، متحسراً على ضياع حلم الوحدة العربية الموسيقى عبر سيمفونية دبي.

وأكد الموسيقار عزيز المصري عبر سعد الدين انه لا يمانع من العودة مجدداً إلى الدولة والمواصلة مع الفرقة الموسيقية ان تم تشكيلها من جديد.ويقول مظفر العوادي (عازف كمان) ان التجمعات الموسيقية ما لم يتوفر من ورائها عائد مادي في ظل الأوضاع الاقتصادية الراهنة لن يكتب لها النجاح رغم أنها تشكل وعاءً موسيقياً جامعاً لأكثر من لونيات عربية وغربية تكسب أعضاء هذه الفرق خبرات شرقية وغربية حسب هويات أعضائها، ولغياب مثل هذه التجمعات حالياً، فهو استعاض عنها بالانضمام إلى إحدى الفرق الموسيقية التي تحيي الحفلات في الفنادق والسهرات الخاصة وهو ما يشكل دخلاً ثابتاً له بجانب وظيفته الأساسية في إحدى شركات الاستيراد والتصدير.

ويوافقه الرأي عازف الناي (محسن . أ.أ) قائلاً: المال عصب الحياة ومن دونه لن تكتب لمثل هذه التجمعات الموسيقية الاستمرارية، لأن البروفات مكلفة وتحتاج إلى مقر ولا توجد جهات تستضيف الفرق من دون مقابل، فمن أين لأعضاء هذه الفرق المال، ولتوفيره لابد ان تكون العروض بمقابل وهذا يدخل في دائرة التجارة ويحتاج لميزانيات أخرى، وهذه مجموعة من الأسباب تصعب استمرار الفرق الخاصة، ولابد من دعم ثابت سواء من جهات حكومية أو شركات تقوم برعاية الفرق والمواهب الموسيقية.

تقول الطالبة مي عثمان إنها بجانب دراستها للهندسة في الجامعة تعشق الموسيقى وحاولت تنمية موهبتها عبر الكورسات المتخصصة خارج الدولة لكن كان ينقصها الممارسة والتطبيق العملي لهذه الدراسات فاشتركت مع مجموعة من صديقاتها في تكوين فرقة كانت تقدم عروضها في المناسبات الخاصة لكنها توقفت لتفرق شمل أعضاء الفرقة منذ عام لدواعي السفر أو الانتقال من دبي إلى إمارة أخرى، مشيرة إلى أنها كانت تجربة راقية تعرفت فيها على معزوفات شرقية وغربية خصوصاً من التشيك وفرنسا، حيث كانت بالفرقة ثلاث تشيكيات وفرنسية بجانب طالبة من جنوب إفريقيا علمتها العزف على الطبول والإيقاعات الجنوب إفريقية.

دبي - عماد الدين إبراهيم