في كل موسم يثبت المصمم الفرنسي جان بول غوتييه انه من فرسان الفن الرومانسي، المستمد من كلمة رومان Roman (قصة) وRomance (الرومانسية الأسطورية أو المبالغة) فمعنى الرومانتية لا يقف عند حد، فقد تعني الخيالية أي تغليب الخيال على الواقع، وفنانو هذه الفترة التي بدأت أواخر القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر كانت لهم النظرة الخاصة في الحياة وطُرق التعبير عن فلسفتهم التي طالت فن الرسم مثلما طالت مجالات الإبداع الأخرى (الشعر والرواية والمسرح ...).
لقد أعطوا القيمة القصوى للون دون التخطيط، واعتبروا الخط جزءاً من اللون، على الرغم من التخطيطات الكثيرة التي تركها الفنانون الرومانتيون، وكان في مقدمتهم تخطيطات الفنان دولا كروا واليوم يطلقها غوتييه من خلال تصاميم وأزياء تملأ الدنيا وتشغل الناس.
تمتاز أزياء جان بول غوتييه بأنها تصاميم غريبة ومبتكرة وتجمع بين التهور والإسراف والتبذير لكنها تضج بالحياة والنشاط إلا أنها تجنح لتكون اسطورية بطريقة أنيقة وجذابة لأنها مزج بين أنماط زمنية وعصور قديمة وحديثة وستبقى ابتكارات فنية موقعة باسم جان بول غوتييه تلفت وتسلب الألباب باعتراف محبي الموضة والأزياء الراقية ومن دون ان ترتديها النساء.وتتميز تشكيلة «جان بول غوتييه» لموسم الخريف والشتاء بأنها مزيجٌ فريد من تراث أعراق، وثقافات، وشعوب مختلفة.
وتتضمن مجموعة مميزة من الملابس اليومية المفعمة بلمسات ومفاهيم اثنية تعود لحضارات متنوعة كما في الفساتين الصينية الممشوقة التي تترافق مع سترات فضفاضة مزودة بقلنسوة ومطرزة برسوم من تراث بلاد أوروبا الشرقية، وأحذية الشبشب المغلقة بمقدماتها المعقوفة المأخوذة من التراث التركي، وأطواق الرقبة المكدسة المستوحاة من تراث القبائل الأفريقية في كينيا، والعمامات القطنية الكبيرة الموشاة بطبعات أفريقية الطراز، وانتهاءً بالجوارب الطويلة المستمدة من بيئة جبال الألب؛ وتسهم هذه التصاميم في مجملها بإضفاء إطلالة أنيقة مستقاة من روح البداوة العالمية العصرية.
وتترافق تصاميم التشكيلة بلمسات نهائية أنيقة على شكل مايوهات تقليدية ذات أكمامٍ طويلة مطرزة بزخارف من تراث التبت، فضلاً عن المجوهرات الفضية الكثيفة لمنطقة الخليج العربي، والعمامات الذهبية اللماعة، وحقائب الظهر الكبيرة المصنوعة من الفراء.وعلق جان بول غوتييه على تشكيلته الجديدة قائلاً: أنا مأخوذٌ بحياة وأسفار وجذور الشعوب سواء انتميت إلى ثقافاتها الخاصة أو لا؛ فالأمر يتعلق لدي بالمزج بين ثقافات هذه الشعوب.
وتابع: تشكل هذه التصاميم رحلة ممتعة حول العالم، وهي تجمع أحياناً ثقافات العديد من البلدان في زي واحد. وأردت في هذه التشكيلة أن أجمع تراثنا الأوروبي مع الموروث العالمي الأوسع بما ينطوي عليه من ثقافات وأعراق مختلفة.
وفي السياق نشرت دورية «بوبيولار كالشر» (الثقافة الشعبية) بحثا عنوانه «نسيج ثقافي: أزياء وهويات وعولمة». وهو عن أزياء الشعوب، وصلة ذلك بهوياتها ومعنى ذلك في عصر العولمة، ولاحظ البحث أن المتخصصين في هذا الموضوع يستعملون كلمات ذات دلالات مختلفة للتعبير عن الشيء الواحد، ما يوضح أنه، رغم العولمة، تبقى الهوية الوطنية والثقافة المحلية عاملين مهمين.
وفي دول العالم الثالث يستعمل الناس كثيرا كلمة «كلوثنغ» (ملابس). لكن، في الدول الغربية يميلون نحو استعمال كلمة «فاشون» (موضة)، مما يدلل - بحسب البحث - على أن الغربيين تطوروا من مرحلة استعمال الملابس لتغطية أجسامهم إلى التفنن في أنواع الملابس.
ويشبه هذا التفنن ما يحدث في مجالات أخرى، مثل الطعام، بحيث لم تعد الكلمة عند الغربيين هي «فود» (طعام) فقط لملء البطون، لكنها أيضا صارت «كويزين» أي (فن إعداد الطعام)، وحسب د. جون ترافيز، مؤلف كتاب «الحقيقة العارية: أصل الملابس» توجد كلمة تستعمل كثيرا في مجال الملابس، وهي «كوستيوم» (زي)، وتعني نفس الشيء في كل الثقافات تقريبا. وهو نوع معين من الملابس يرمز إلى مهنة بعينها: زي ممرضات، زي عسكريين، زي شرطة، زي كشافة، إلخ.
وتتفق كل الثقافات تقريبا، على مؤثرات تؤثر في الملابس: الدين (المتدينون أكثر حشمة) والجنس (النساء أكثر حشمة وموضة) والثروة (الأغنياء أكثر تفننا) والمناخ (ملابس الدول الباردة أكثر صوفا وكثافة)، لكن، أكثر العوامل تأثيرا الثروة والوضع الاجتماعي، الذي يرتبط بالمستوى الحضاري، وخاصة انتشار، بل سيطرة الحضارة الغربية في العالم، حتى من قبل العولمة.
وحسب كتاب «الحقيقة العارية: أصل الملابس»، فإن شعوب العالم الثالث تميل نحو الملابس البسيطة، إما لأنها لا تملك مالا لشراء ملابس فاخرة، أو لأن المناخ لا يستدعي ارتداء الكثير (مثل الذين يعيشون عراة أو شبه عراة في الأحراش). وبالنسبة لشعوب الغرب، فلم تعد الملابس ضرورة فقط، بل صارت فنا وموضات وتقليعات.
وبصور عامة:
أولا: ازداد ارتداء النساء لملابس الرجال، مثل: بنطلون وقميص وحزام وربطة عنق، في ما لا يرتدي الرجال ملابس نسائية.
ثانيا: قصرت ملابس النساء، وزادت المساحات المكشوفة من أجسادهن.
وفي الكتاب صور نساء غربيات ذهبن إلى أحراش أفريقيا، وصورن بمايوهات إلى جانب أفريقيات شبه عاريات، وذلك بهدف إثارة نقاش عن زيادة تعري الغربيات، وعن الفرق بين تعري الأحراش وتعري الشواطئ، وقال الكتاب: «لو لم تكن مقاييس الجمال الغربية هي التي تسيطر على ثقافة الملابس في كل العالم، من يدري، ربما كانت نظرتنا إلى جسد المرأة مختلفة. لكن، ها نحن الآن ننظر إلى الشقراء شبه العارية بأنها قمة الحضارة وإلى الأفريقية العارية على أنها في أسفل سلم التأخر».
