تعد الموضة على مختلف مشاربها نظاماً يتكيف به الإنسان مع مستقبله وتغير به الشعوب عاداتها وهويتها باعتبارها النظام الثابت الذي يجذبها إلى ماضيها وإرثها التليد، ويبقى السؤال: هل الموضة طريقة لابتكار المتغير؟ وما عناصرها وأنماطها؟ وهل تمثل طرفا نقيضا أمام مفهوم الهوية؟

تتجلى الموضة في الأزياء، وقصات الشعر، واختيار الملابس والأحذية، وفي طرق الطهي وتقديم الأطعمة، وفي المشي، والرقص، وحركة الجسد، وفي طرق الغناء، أو فيما يمكن تعريفه بـ«فن معايشة الحياة».

إن الأزياء تتغير أساليب تصميمها، سعة وضيقاً، وطولاً وقصراً، وشكلاً ولوناً، تبعاً للرجل أو المرأة. وإذا كان زي الرجل أكثر وقاراً سواء كان جلباباً، أو بدلة، أو زياً رسمياً، فإن زي المرأة على الرغم من حشمته لدى بعض الشعوب يكون أكثر دلالاً، وأحياناً خلاعة، أو فتنة ومجوناً.

تدل الأزياء على الهوية، وهي تمثل نوعاً من الدلالة على ثقافات معينة لدى الشعوب تتحكم في تصاميمها البيئة، والمناخ، والعادات كما تتحكم فيها أيضاً نظرة الشعوب للأزياء وما تمثله من قيم دينية أو وطنية أو تاريخية. فهناك شعوب ترى ان جسم الإنسان يجب ان يغطى كاملاً، وهناك شعوب ترى ان قطعة صغيرة من القماش تكفي لتغطية الجزء الحساس من الجسم للدلالة على الهوية مثلاً، وهناك في بعض القبائل الافريقية من يرى ان الجسم الإنساني كله بمثابة وجه لذا لا تجب تغطية أي جزء منه.

إن الأزياء تحددها الثقافة، وتغير تصاميمها عبر الموضة قد «يتناص» إذا صحت الاستعارة مع الموروث والأزياء الموروثة وقد يصنع نوعاً من القطيعة معها. وفي الغرب تركض الموضة ركضاً دون أي اعتبار للماضي. يصبح المعلم الأول هو المستقبل. خطوط الموضة هي خطوط فكر المصمم، وأسلوبه في النظر لحركة الحياة وإيقاعها، وانسجامها، وهارمونيتها هو ما يحفزه على تقديم أفكاره عبر الأقمشة المختلفة التي تناسب النوعين، خاصة المرأة، يصبح هنا للانتيل، والساتان، والأورجانزا، والكريب والشوفون والقطن والصوف ثقافاتها ودلالاتها عبر الفصول.

وبيوت الأزياء العالمية هي محط أنظار الشعوب، إن هناك قنوات فضائية متخصصة في الأزياء تحتوي على أكثر من 250 بيتاً للأزياء العالمية تتحكم في مصير الأزياء في العالم من فستان السهرة حتى ثياب البحر. لكن ذلك سوف يصطدم بالتأكيد بمسألة «الهوية» بالماضي، بالتقاليد، بالحاضر، بالموروث، هذا الاصطدام تنجم عنه عدة دلالات يمكن إيجازها في التالي: أولاً هل متابعة الموضة العالمية وهل احتذاؤها يقلص إلى حد ما فكرة الهوية؟

ثانياً: تتدرج متابعة الموضة بين طبقات الشعوب وفئاتها المختلفة فالفلاح في أرضه أو العامل في مصنعه والبيئات الفقيرة لا تعنيها من قريب أو من بعيد مقولة «الموضة»، فهل هذه الفئات هي الأحرص على الهوية؟

ثالثاً: إن الجدل سيظل قائماً بين المقولتين، باعتبار ان الموضة لون من التخطي الدائب للأمام، فيما تمثل الهوية مجموعة العناصر الثقافية والحضارية والوطنية للشعوب. هذا الجدل ربما هو وجه حيوي لحضور المقولتين في المشهد الإنساني بشكل قوي ومباشر.

رابعاً: إن ظهور الموضة في الغرب تحديداً لم يلغ تماما مسألة الهوية، بل حدث تطور لها، ولاتزال أكثر الشعوب الغربية تحافظ على تقاليدها خاصة في المناطق الريفية.

إن النظر إلى هذه العلاقة المتوترة بين المقولتين لدى شعوب العالم الثالث أمر له مبرراته ووجاهته، هذه الشعوب بسطوة الماضي والموروث لا تريد التحرك للأمام، وفي تصورها أن الهوية هي مجموعة مقولات يتم ترديدها هنا وهناك ومن العجب ان ما يصبح محرماً لدى هذه الشعوب في وقت من الأوقات يصبح «حلالاً» بعد ذلك، والنظر إلى تاريخنا العربي مثلا في القرن العشرين يدل على أن محرمات كثيرة تم تحليلها في كل مجالات الحياة خاصة فيما يتعلق بأدوات التكنولوجيا وأيضاً الموضة.

إن مظاهر الموضة الأخرى التي ذكرتها سالفا تمثل أيضاً حالة من حالات التقليد والصرعة لدى الشعوب ولعل «قصات الشعر» مثلا تتغير بكثرة لدى نجوم الفن والغناء وكرة القدم، ويتم انتشارها بين الشباب بشكل كثيف تتغير موضة الشعر بين القصير والطويل، وشكل التسريحة، ولون الشعر من الأسود إلى الأصفر إلى الذهبي إلى الأبيض والأحمر بيد أن هذه الموضات ليست ذات أثر كبير في مسألة الهوية، لأنها عرضة للتغيرات السريعة، ولا يمارسها سوى الشباب في الفئة العمرية 30-60 وقد يتصابى البعض فتمتد حتى الستين عاماً.

إن علينا ألا نقلق كثيراً من مسألة «الموضة» فهذه من طبيعة البشر، وبحثه عن مسألة التميز والاختلاف، ألا يشعر بالضيق مثلا ملاحظة شخصين عابرين في الشارع العام وهما يرتديان زياً متشابهاً؟ إن كليهما لم يقصد ذلك لكن هذا التشابه الذي يفضي إلى «الضيق» يدفعهما بسرعة إلى التفكير في أزياء أخرى غير مألوفة أو إلى البحث عن «موضة» جديدة.

دبي - رشا عبدالمنعم