رحلة تعادل اكتشافا وتعادل عالما اسطوريا تعود بالماضي الى الحاضر وتقمص لشخوص وقادة يعدون رموزا لاتزال كتب التاريخ تروي عنهم ، فعندما تصل قلعة صلاح الدين ترى نفسك هو، واذا ذهبت الى دير سمعان ترى التعبد في ذلك الشخص الذي اعتلى العمود اربعين عاما، اما اذا ذهبت الى اليرموك فهناك اثار سنابك الخيل لاتزال محفورة في تلك الارض بقيادة خالد بن الوليد، وعلى تخوم سوريا الجنوبية.

حيث الروم والبيزنطينيون ودير الراهب بحرى إنها اوابد تاريخية تحكي قصص أقوام بائدة لاتزال حاضرة بأعمالها ، إنها رحلة كونية في سوريا الحديثة ولقاء حميمي تعانق فيه الماضي الاصيل مع الحاضر المتألق والتقى المشرق مع المغرب، على مائدة هذا العام من فعاليات الدورة التاسعة من مهرجان طريق الحرير على مدى ستة أيام من الأنشطة السياحية والثقافية والفنية التي تعكس صورا من الماضي لتجسدها في الحاضر. حيث كانت تتلاقى قوافل التجارة في سوريا عبر طريق الحرير إلى جانب القيام بجولات سياحية اطلاعية في أبرز المدن والمواقع الأثرية والطبيعية التي كانت محطات رئيسية على هذه الطريق ، انطلاقا من حلب وإدلب واللاذقية وحمص وتدمر وصولا إلى دمشق وبصرى والسويداء. ويذكر أن الانطلاقة الأولى لمهرجان طريق الحرير كانت في 2002 في مدينة تدمر.

حيث يقام كل عام في مدينة من المدن السورية ويركز على مظهر من مظاهر التفاعل على طريق الحرير كالخط أو الأزياء أو المأكولات أو صناعة السجاد ومنسوجات حريرية إضافة إلى الصناعات التقليدية والحوار الفني والموسيقي بين حضارات وثقافات طريق الحرير كما هو في دورة العام الجاري، وفي هذا العام كانت مدينة حلب هي قلب الحدث، حيث بدأ مهرجان طريق الحرير هذا العام مليئا بالتنوع الحيوي الذي تتفرد به سوريا. وخلال الافتتاح، قدمت فرقة »إنانا« للمسرح الراقص عرضاً مسرحياً راقصاً بعنوان »سوريا قلب العالم« شاركتها فرق من إسبانيا والهند وتركيا. والعرض عبارة عن توليفة دارمية مختصرة، قدّم خلالها الممثل محمد خير الجراح، وباللهجة الحلبية، دور الحكواتي الذي يروي قصة أحد أبناء مدينة حلب في رحلته ضمن البلدان الواقعة على طريق الحرير. ومع مروره في هذه البلدان، قدمت كلّ فرقة تراثها الشعبي. وكانت اللوحات الغنائية الاستعراضية التي تتحدث عن مدينة حلب في التاريخ والحاضر وقصص عن طريق الحرير تتجسد بقافلة صينية متجهة الى سوريا. وشملت اللوحات حوارات شعرية وغنائية ولوحات عن تدمر التي كانت عاصمة لقوافل الحرير، اضافة الى لوحات عن الساحل السوري ودمشق بمشاركة فرقة انانا وفرق فلكلورية من الهند وتركيا وبشكيريا واسبانيا.

اليوم الاول

بدأت الفعاليات في السابعة مساء عند افتتاح المعرض الفني في تكية الشيخ حسن، حيث احتوى المعرض على صور لفنانين عالميين وتؤرخ كل صورة لصاحبها وتاريخ التقاطها وموضوعها، ثم انتقلنا الى قسم صناعة الحرير الطبيعي، حيث تؤخذ شرانق الحريق ويتم تسخينها في الماء بدرجات حرارة مرتفعة ويقوم الصانع بوضع قوس يشبه النشاب في الماء وتحريكها فتعلق الخيوط في النول الذي يقوم بتشغيله شخص اخر الى ان يستخرجوا كل الخيوط وحسب روايتهم فإن كل 12 كيلوغراما تساوي 1كغ خيوطا.

وهذه الصناعة بظل منافسة الحرير الصناعي لها تقريبا اختفت ولكنها تبقى ضمن نتاجات المجتمع او بعض العوائل السورية، وكذلك معارض للمشغولات اليدوية مثل تطبيع القماش وصناعة طاولات الزهر التي تشتهر بها سوريا . وقال مدير سياحة دمشق فيصل نجاتي إن هذه الأنشطة ستبقي سوريا من اوائل الدول التي تؤرخ للحقب السالفة واحيائها، حيث تعتبر السياحة هدفا للوزارة والمديريات مجتمعة ارتقاء بسمعة سوريا .

اليوم الثاني

انتقلنا بالحافلات الى حلب الشهباء والتي تتميز بتاريخها العريق في كافة العصور وتشتهر بأوابدها التاريخية الكثيرة مثل قلعتها الشهيرة وأبوابها وأسواقها من أعرق أسواق الشرق وبكنائسها ومساجدها ومدارس العلم وبصناعاتها الشهيرة منذ زمن بعيد وبما تمتلكه من تراث عريق في كافة المجالات العلمية والفنية والأدبية والثقافية والتي يعتقد انها سميت بهذا الاسم تيمنا بناقة أبينا ابراهيم الخليل ، فيقال ان ابراهيم الخليل كان عنده ناقة شهباء وفي شمال سوريا عندما حل بها نيخ ناقته وحلبها فقيل حلب شهباءه، فهذا الاعتقاد باسم حلب التي تعتبر عاصمة تجارية لسوريا وما يميزها هدوؤها وجمال مبانيها القديمة التي تعتبر بحق ابتداء من قلعة حلب مدينة متكاملة .

والقلعة يحيط بها إطار شبه دائري وعدد من الأبراج التي تعود لحضارات مختلفة، في داخل القلعة الشامخة نجد أمامنا مدينة متكاملة من مباني ومساجد وقاعات ومخازن وساحات ومسرح وحوانيت والكثير من الآثار، وقد عني بالقلعة في عهد السلطان الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين، فأقيمت البوابة الرئيسية وبعض المنشآت داخل القلعة.

ويتكون مدخل القلعة الأساسي من بناء ضخم مؤلف من أبواب ودهاليز وقاعات للدفاع والذخيرة، ومن ضمن الأبنية في أعلى هذا البناء قاعة كبيرة هي قاعة العرش التي زينت واجهتها بزخارف حجرية رائعة، هناك الكثير من المباني وغرف وقاعات وممرات وآثار كثيرة في داخل القلعة.

وتعدّ قلعة حلب من أجمل وأبدع القلاع وأكبرها ولها تاريخ حافل بالأحداث ، فقد كانت منطلقا وقاعدة للكثير من الحكام والملوك والقادة، وشهدت أهم أحداث الشرق من عصر الآراميين مرورا بالعديد من الحضارات وحتى العصر الإسلامي. وتنم عن فكر هندسي فائق التفاصيل، حيث يحيط بها خندق على عمق واتساع كبيرين يملأ بالماء والزيت لمنع الغزاة من اقتحام حصونها.

وهناك باب كبير يتم انزاله بالسلاسل العملاقة أما الآن، فقد ازيل الباب واصبح درجا يوصل الى القلعة، وابواب القلعة لا تمكن احد من اقتحامها لأنك ما ان تدخل الباب حتى تجد امامك حائطا كبيرا ولا يتسع لمجموعات كبيرة من الجند، وبالتالي سيصعب عليهم كسر او اقتحام الباب الآخر الذي يأتي بزاوية صعبة، بالاضافة الى الفتحات التي يستخدما حراس القلعة لضرب السهام او القاء الزيت على الغزاة وفتحات للمنجنيق .

اليوم الثالث

زرنا مدينة ادلب التي تشتهر بمواقعها الاثرية وأهمها المدن المنسية او الميتة والتي حسب السياحين المرافقين لنا في المهرجان سميت كذلك لأنه لم يعرف تاريخ لبنائها نتيجة الزلازل والغزوات التي مرت عليها وتشكل المدن »المنسية« أو»الميتة« أهم المواقع الأثرية التي تذخر بها المحافظة والتي تحوي نحو/780/ موقعاً وتلاً أثرياً دون أن ننسى موقع »تل مرديخ« حاضن مملكة »إيبلا« العظيمة، ولأنها تمتاز بصفات فريدة فقد تحولت إلى مركز اهتمام للكثير من خبراء الآثار والمنظمات الدولية ومنها »اليونسكو« التي تعمل حالياً على دراسة ملف لتسجيل عدد من تلك المواقع الأثرية على لائحة التراث العالمي.

اليوم الرابع

مدينة اللاذقية عروس الساحل السوري والتي ما ان تطأها حتى تصبح ربانا، فالبحر يحفك من كل الاتجاهات، وزرنا موقع أوغاريت موطن أقدم أبجدية في العالم، اضافة الى جولة في المتحف الجيولوجي الذي يوثق التاريخ الجيولوجي لسوريا وزيارة منطقة مشقيتا التي تشكل الغابات والجبال المنتشرة على ضفاف 7 بحيرات أجمل لوحة طبيعية فيها وزيارة قلعة صلاح الدين ضمن استقبال للفرسان الذين يمثلون الحقب التي مرت عليها.

مشاهدات

فاكهة المهرجان الجمهور السوري الذي يتصف بالتلقائية والعفوية والكرم واحد المواقف ذهبنا الى محطة للتزود بالوقود، فما ان رأوا الحافلة مكتوبا عليها ضيوف مهرجان طريق الحرير حتى تقدم شاب من شمال حلب مبتسما وقال: ( ولكم إن سوريا) فضحكنا وقلنا له نحن عرب فكان الترحيب كبيرا ولم يأخذ ثمن المشتروات .

004 صحافي من 44 بلدا زاروا المهرجان وأكثر الوفود عددا الوفد الاميركي الذي ضم 20 صحافيا ومصورا وكانوا دائما كثيري الاحتكاك بالشعب السوري وبقية الوفود .

8 من صحافيي ومذيعي الوفد الروماني لم أرهم على مدى المهرجان الا انهم مبهورون بالطعام السوري وفي اليوم الذي زرنا به حلب ، حيث الطقس حارا أكلوا من اللحم والشحم الكثير، وأصيب اثنان منهم بتلبك معوي ونقلا الى المشفى، ولكن هذا لم يمنعهم في اليوم الثالث من معاودة طقوس الاكل .

الوفد الفنزويلي بقمصانه الحمراء، همه التسويق لبلدهم والرئيس شافيز ومن خلال لغتهم الانجليزية كانوا يستضيفون الوفود للتحدث للشعب الفنزويلي : نحن نحب فنزويلا وكاركاس والرئيس شافيز.

الجنود المجهولون او الادلاّء السياحيون الذين خصصتهم وزارة السياحة كل واحد لوفد، كانوا على قدر عال من الاحترام والتفهم وشكلنا بين بعضنا صداقات اتوقع ان تمتد لأمد بعيد .

مديرو السياحة في كل المحافظات كانوا يرافقون الوفود ويقدمون النصح والاستشارة لمعرفتهم واطلاعهم الواسع واتقانهم تقريبا لثلاث لغات: الانجليزية والفرنسية والعربية الام.

التنظيم كان حسنا ولم تشبه شائبة، حيث كانت قوى الامن رديفا اساسيا ومرافقا للرحلات لتسيير امور سيرها وتنقلها، خوفا من الازدحام او الاختناقات المرورية.

دمشق - عبد المنعم الشديدي