يقدم الموسيقار العراقي سامي نسيم، عضو اللجنة الوطنية العراقية للموسيقى، في دراسة بحثية، أهم عازفي آلة العود الموسيقية على المستوى العربي الذين أثروا تلك الآلة والمجال الموسيقي بالعديد من الأبحاث والدراسات التي كان من شأنها تطوير تلك الآلة والنهوض بها.

يقول نسيم في مقدمة بحثه: حظيت آلة العود العربية الأصل بحصة أكبر دون غيرها من الآلات الموسيقية في الشرق الأوسط باهتمام المتخصصين، وكذلك من خلال الدراسات وإثرائها بالمناهج وتطويرها عبر حقب زمنية مختلفة أعطت للعود قيمة فنية كبيرة، ورفعت مكانته بتعدد أساليب دراسته بمجموعة من المؤلفات التعليمية (الميثودات) وكذلك الدراسات (الأيتودات) ورافق التنويع بالمناهج تطوير بالمدى الصوتي، والشدة الصوتية، واللون الصوتي، وقد ساهمت هذه الدراسات والمؤلفات مساهمة فعالة في الإفصاح عن المكنونات والدقائق العزفية لآلة العود، وبالتالي حل المعضلات التكنيكية التي يواجهها كل من يتعمق في دراستها وهي محاولات جادة وحقيقية للحفاظ على شخصية آلة العود وقيمتها الفنية، كونها آلة تعبر عن روح ووجدان الشرق وتميزه.

مدارس موسيقية... وتحدث نسيم في دراسته عن أهم المدارس الموسيقية التي أسست لتاريخ تلك الآلة وأساليب تطويرها، وجاء في المقدمة مدرسة الشريف محيي الدين حيدر الذي نجح من خلال عملية التقريب الطوعي لأصابع اليد اليسرى في آلة الفيولنسيل التي عكف على دراستها مبكرا في المدارس الغربية الخاصة بالعود وأخضعها لمنهجيته وعلميته، في تطوير أفقه التكنيكي والتقني بالأداء فكتب تمارين مقاربة ومؤلفات استوعبت الهدف الذي رسمه للعود من خلال رسالة واضحة هدفها التطوير المعاصر ونقل التجارب العلمية الموسيقية العالمية، وإخضاعها لخدمة الآلة الشرقية، وفي المقدمة منها آلة العود التي وضع لها الدراسات والمؤلفات التعليمية خاصة وقد اعتمد على الآفاق الواسعة لآلة الفيولنسيل.

والشريف محيي الدين حيدر يرجع إليه الفضل في تأسيس أول صرح لدراسة الموسيقى بالمنطقة العربية وهو معهد الفنون الجميلة في بغداد الذي أنشأه في بداية الثلاثينيات وله الريادية في تحقيق الكثير بمجال تحديث وتفعيل دور المنهج الدراسي لآلة العود وانتشاله من واقعه المحدود، ليخرج به إلى آفاق واسعة عبر الكتابة الموسيقية، والتأليف الآلي دون الانصهار في بوتقة التطريب الذي أكل من جرف إبداع الآلة الموسيقية وانطلاقها بفضاء أرحب.

وقد كتب الشريف حيدر مقطوعات للعود تحديدا وبطريقته التي وظفت بدراية القوالب الغربية والعالمية منها »كابريسات«، ومقطوعات »ليت لي جناح والطفل الراقص والطفل الراكض وتأمل«، وقد حوت هذه الأعمال تطويرات مهمة باستخدام كامل طول الأوتار بمنطقتي القرارات والجوابات وتحديث أصابع اليد اليسرى وأماكن تحريكها ووضع الإشارات الجديدة لها وهذا ما لم تألفه الموسيقى العربية التطريبية الغنائية.

جميل بشير

وفي المرتبة الثانية جاء الموسيقار جميل بشير وهو أحد تلاميذ الشريف محيي الدين حيدر الذي سار على خطى أستاذه وهو معلم من الطراز الأول، ومجدد بأسلوب العزف للعود وأكمل مشوارا بدأه حيدر، وقد استوعب المنهج الدراسي الجديد، وخلق لنفسه خطا واضحا ببراعة قل نظيرها من خلال مؤلفاته المبنية على أسس حديثة.

وطرح للعود منهجا تخصصيا معاصرا، كما أن جميل بشير قدم مصدرا مهما للدراسة الأكاديمية من خلال كتابه »العود وطريقة تدريسه« الذي اعتمد منذ السبعينيات منهجا لدراسة العود في المدارس والمعاهد العراقية وبعض الدول العربية. وقد صنف جميل بشير أقسام الدراسة فيه من الصفوف الأولى إلى آخر سنوات التخرج، وكان هذا الكتاب مصدرا مهما من مناهج التعليم لآلة العود بجزأيه الأول والثاني.

وحقيقة الأمر أن جميل بشير هو امتداد لمدرسة الشريف محيي الدين حيدر وأيضا ترك الباب مفتوحا وراءه للتطوير بالمناهج وتحديثها، وقد كتب مؤلفات مهمة منها »سماعي النهاوند« الذي يعد تمردا على النمطية بقالب السماعي باستخدام التقنية والتكنيك عالي المستوى، حيث أضحى هذا العمل الموسيقي أطروحة وهدفا للتخرج لكل دارس للعود يتباهى بأدائه لصعوبة تكنيكه عالي المستوى.

وأيضا مقطوعة »أندلس« التي استخدمت أصابع اليدين اليمنى واليسرى على حد سواء، وكذلك »الكابريس« و»رقصتي المفضلة« التي خضعت لتوزيع آلي مرافق لآلة العود، ومقطوعات »أيام زمان« و»ملاعب النغم« و»قطرات« و»شلالات« و»جنيد« و»هيرمان« وغيرها. وكانت هذه الأعمال الموسيقية النوعية منهاجا للدارسين وحافزا لهم على التطوير والتحديث، حيث اعتمد جميل بشير في مؤلفاته على كل خبراته العزفية والأدائية.

سالم عبدالكريم

يأتي بعد الموسيقار جميل بشير في تطوير دراسات وأبحاث العود، كما يشير الباحث سامي نسيم في دراسته، الموسيقار سالم عبدالكريم، وهو موسيقي بارع وعازف للعود ومعلمه في معهد الدراسات الموسيقية وعميده، درس الموسيقى والعود إلى جانب دراسته الجامعية في كلية العلوم قسم الرياضيات، تتلمذ على يد الموسيقي الكبير روحي الخماش وعلي الإمام وغانم حداد، وتأثر بمحمد عبدالوهاب وفريد الأطرش ومحمد القصبجي ورياض السنباطي وجينوجن التركي، وأنجز كتابا مهما للعود بعنوان »دراسات لآلة العود«.

هذا الكتاب عبارة عن 100 دراسة في شكل تمارين للعود بالمستوى التكنيكي الأول والمتوسط كما يقول هو عنه، واعتمد في هذا المنهاج الدراسي تدرجا في التمارين على غرار الآلات الغربية واستهله بدراسة سلم دو الكبير (عجم على درجة دو) وهي قاعدة تخالف من يرى البدء بالسلالم العربية والشرقية أي البدء بسلم الرست مثلا.

ويعد الكتاب إضافة نوعية لمنهاج العود المعاصر كونه طرق بابا جديدا لم يكن مألوفا قبل هذا وهو العزف الجماعي من خلال التقاء أربعة عيدان بنغمات مختلفة وبتوزيع آلي؛ ليفتح سالم عبدالكريم بتجريب موسيقي حديث الولادة لمجموعات العود، وكذلك كتب أعمالاً نوعية أخرى الهدف منها إكمال مسيرة العود.

شمة وتطوير مناهج العود

ولم تنكر الدراسة التي قدمها نسيم دور الباحث معتز محمد صالح البياتي، الذي ساهم أيضا- على حد قوله- في تطوير دراسات العود، والذي لم يحترف العمل كموسيقي في بداياته واكتفى فقط بقاعات التدريس والدعوة لمدرسة الشريف محيي الدين حيدر، مطالبا بعودة الجيل الجديد لينهل منها.

وقدم البياتي منهجا يعد إضافة لمكتبة المناهج الدراسية لآلة العود احتوى على تمارين مدونة عليها أصابع مرقمة حسب قواعد الشريف محيي الدين حيدر الذي يعشقه عشقا جما، وكذلك مقطوعات كتبها للعود تحديدا كما فعل غيره من المتخصصين منها »الزوبعة«، »رقصة الفرسان«، »رقصة نكريز«، »كابريسات متنوعة« و»تأملات متنوعة«، »حنين«، »من وحي العود«، و»رومانس« وغيرها، وقد استطاع معتز محمد صالح البياتي أن يصنع لنفسه شخصية مؤثرة في طلبته، وينحو بهم منحى أكاديميا بحتا ويقرب لهم مدارس العود الرصينة.

ضفة الإبداع

استطاع الموسيقار نصير شمة مدير بيت العود العربي بالقاهرة، كما يقول عنه نسيم في دراسته أن يستقطب جميع المناهج الدراسية المطورة؛ ليضعها بين أيادي طلبته والعبور بهم بأقصر الطرق وأكملها إلى ضفة الإبداع والتطور من خلال إعداد منهج ينظر لكل المناهج بأهمية واحدة وتسخيرها لهدف كبير هو بناء عازف سوليست متمكن من أدواته الموسيقية.

ونجحت التجربة كثيرا كما حققت بيوت العود تقدما واضحا لقيمة المناهج والأساليب، التي بالمقدمة منها رؤية فنية متميزة للفنان نصير شمة، حيث عمق وأصّل كل التجارب المنهجية للعود وحدد مساراتها لكي تخدم أكبر عدد من المتلقين للمدرسة الأكاديمية التخصصية للعود في أماكن متفرقة.