سيرة واحدة وأحداث متغيرة هو ما حدث مع معظم الفنانات الرائدات في الوسط المسرحي الإماراتي، وما يتكرر بسيناريو مختلف مع بعض الفنانات الشابات في المسرح الذي تبدلت ملامحه وتطورت مقدراته بعد مرور 40 عاماً على الحضور المسرحي للمرأة.

وإذا كانت المرأة غير الإماراتية صار لها حضور هي الأخرى في المسرح المحلي لشروط اجتماعية وإنسانية، فإن هذا لا يلغي تلك الرغبات التي شكلت بجوهرها طريقا نحو الإبداع وتقديم أفضل الصيغ الإنسانية والفنية. ومع تطور حركة المهرجانات المسرحية بالدرجة الأولى صار هناك مجال للحديث عن دماء جديدة ترفد الساحة الفنية وأصوات مختلفة ولو أنها خجولة بعض الشيء في رسم ملامح المشهد المسرحي في الإمارات. ولعل الحديث عن إبداع المرأة الإماراتية في شتى المجالات يكتسب ميزة مهمة في الكشف عن تفاصيل رحلة صعبة من إثبات الذات فرضته الطبيعة بظروفها المناخية القاسية والجو الاجتماعي والأسري الذي كان يفرض قيودا ظالمة على كل اجتهاد تقوم به المرأة الإماراتية.

ولا شك أيضا أن محاربة تعليم المرأة كانت أحد المصاعب والعراقيل القاسية في مسيرة حياتها، وذاكرة الشياب والكبار في العمر تذكّر بأيام ما قبل 1917 عام قيام الدولة والمعاناة التي كانت السمة الأبرز للمجتمع الإماراتي.

ويبدو أن غياب رب الأسرة في أسفار الصيد والبحث عن الرزق قد خلق عبئا إضافيا على كاهل المرأة ولكن وبعد قيام الدولة الاتحادية وبعد أن تحسنت الظروف الاقتصادية، صارت المرأة تبحث عن هوامش إضافية داخل المجتمع لتثبت فيها وجودها، وبهذا فان بداية السبعينات تمثّل فورة لافتة على مختلف الأصعدة لا سيما الأدبية والفنية منها، حيث يمكن القول إن المرأة الإماراتية صارت تمتلك مفاتيح كسر عزلتها، التعليمية والاجتماعية.

التلفزيون يمسك بالمواهب الشابة

كان المسرح في الإمارات السباق بين سائر الفنون الدرامية في إثبات إبداع المرأة دون بقية الفنون والآداب الأخرى في تسجيل حضوره، إلا أن العنصر النسائي ظل بعيدا عن المشاركة للفترة من نهاية الخمسينات حتى بداية السبعينات، وفي هذه الفترة سجلت المرأة حضورا متميزا في المسرح، ولكن مع ظهور التلفزيون استأثر بأكثرهن بعيداً عن المسرح مجموعة من الفنانات استطعن تحقيق بصمة خاصة بهن، متحديات المثل والقيم والعادات التي اتسم بها مجتمع الإمارات والذي كان على درجة عالية من المحافظة على تقاليده وعاداته، وكان من أهم الأسماء التي ظهرت حينذاك:

موزة المزروعي، رزيقة الطارش، مريم سلطان، ريحانة التمري، رئاسة عبد الرحمن، عايدة حمزة، سميرة احمد، غصن سالم، مريم سيف، موزة سعيد، ولكن فعليا بدأت أول مشاركة جادة ومباشرة من قبل الفنانتين الكبيرتين شادية جمعة ومنى مبارك اللتين تعتبران أول من مثّل الدولة خارج نطاقها، فقد سافرتا إلى الجماهيرية الليبية لتمثيل دولة الامارات العربية المتحدة في عرض »غلطة أبواحمد« في مهرجان كان يعد أحد المهرجانات العربية الرائدة وكان اسمه مهرجان »الشباب العربي« والعرض كان من إخراج فؤاد عبيد.

وفي ذلك تشير الفنانة الرائدة رزيقة الطارش الى أن تلك الفترة تعتبر من السنوات المتعبة على كافة الأصعدة، ففترة التأسيس لبنة تحتية قوية لدولة عصرية ربما حملت شروطا إنسانية وحياتية صعبة، فكيف هو الحال بالنسبة لحضور المرأة في مختلف الفعاليات الأخرى.

وعلى رأسها الفن الذي كان البوابة التي قدمت المرأة الإماراتية في مجال غير مطروق قبل الآن في الخليج باستثناء الكويت فعليا وهذا ما يجعل من سيرة حياة المرأة في المسرح الإماراتي شيقة وجميلة في آن لأن فيها أحداثا متغيرة؟

وما بعد العام 5791 ظهرت مجموعة جديدة من الأسماء النسائية الإماراتية منهن مثلا: مريم عبد الله، بدرية عبد الخالق، موزة يوسف، منى حمزة، مريم سيف، عايدة حمزة، سميرة أحمد وأخريات.

وإذا استطاعت الفنانة القديرة سميرة أحمد منذ تلك الفترة أن تشكل حضورا استثنائيا للممثلة الإماراتية عبر حضورها للعديد من المهرجانات وتتويجها أهم ممثلة في مهرجان قرطاج الدولي نهاية الثمانينات في مسرحية مقهى أبو حمدة إلا أن بداية الرحلة كانت صعبة، وفي هذا تقول سميرة أحمد: في كل مرة يطرح فيها موضوع مشاركتنا الأولى في المسرح المحلي أتذكر في شريط سينمائي سريع ما كان يحدث معي في تلك الأيام التي زينت بالتعب والتحدي والشقاء وربما بعد فترة من الزمن يصبح للعذاب لذة الذاكرة ومتعة الخوض في تفاصيله.

ولعل صعوبة العمل في المسرح كانت تكمن في المجتمع الذي ننتمي إليه المجتمع الذي لم يتفهم بعد طبيعة عمل المرأة، وكنا نتساءل: كيف يمكن للمجتمع أن يزدهر دون أن تعمل فيه المرأة التي تعتبر نصفه، وبالتالي العمل الفني لن ينجح بدون وجود المرأة؟

وبالفعل لقد واجهتني صعوبات قاسية في بداية عملي في المسرح وكان ذلك عام 1977، حيث انطلقت في تلك الفترة أعمال مسرحية تبحث عن وجوه نسائية فشاركت وكانت المشاركة مفيدة وممتعة ولكنها كانت مصيبة بالنسبة لي!

وطبعا أهلي لم يتقبلوا الفكرة وفي أول يوم عرض مسرحي جاؤوا ليشاهدوا العرض دون أن يعرفوا أنّ ابنتهم وأختهم تمثّل على خشبه المسرح، كانت ردة فعلهم قاسية ولكنهم تقبلوا ذلك في وقت لاحق والحمد لله بعد أن شاهدوا أن ما أقدمه يمثل نماذج مشرقة لدور المرأة في بناء المجتمع.

وفي سياق متصل تروي مريم سلطان ان هناك مواهب أنثوية مميزة في المشهد الدرامي والمسرحي الإماراتي وايام زمان ساهمت الى حد كبير في تعميق حضور المرأة وعززت من المكاسب التي حصلت عليها مطلع السبعينات والعنوان الرئيسي لكل الوجوه الأنثوية التي ظهرت آنذاك واحد نتيجة مطالبات المجتمع بالتراجع ولكن في نهاية المطاف فزنا ونجحنا بتعبيد الطريق للجيل الجديد ولهذا يسعد المرء بولادة اسم جديد وجيل جديد ودماء حقيقية في المسرح المحلي كل حين.

ومن الملامح الطريفة لغياب (الممثلة ـ الأنثى) عن العروض المسرحية قيام الرجال بتقمص دور النساء في هذه الأدوار وربما يتذكر الفنان الإماراتي كيف كان يتنكر الممثل الرجل بزي المرأة ليقدم الأدوار النسائية العادية .

والتي لم يكن العرض المسرحي قادرا على تحقيق مصداقية أو حضور دون وجود العنصر النسائي فيه ولا شك ان الفنان الإماراتي الرائد سلطان الشاعر رحمه الله كان يضحك كثيرا وهو يتذكر كيف تنكر بزي نسائي في عرض مسرحي كان اسمه »الأم« ، مؤكدا أن غياب العنصر النسائي قد ألزمه القيام بهذا الدور.

وعن المشاكل التي كانت تواجه المرأة في عالم الفن والمسرح تشير رزيقة الطارش استكمالا لحديثها في هذا السياق: نعم لقد كان هناك ممانعة من قبل المجتمع الإماراتي لعملنا في التمثيل أو في المسرح ولكني بدأت الظهور في الاذاعة أو فلنقل أن الأهل تقبلوا فكرة أن يظهر صوتي فقط ولكن هذا لم يمنعني من متابعة الطريق وتوسيع الهامش بشكل يجعلني أعمل في السينما والتلفزيون أيضا.

وتشير الفنانة أمل محمد أن الدعم الذي يحظى به المسرح الإماراتي من الحكومة قد أسهم في تعزيز ثقة المجتمع بالفن وجعل الكثير من العائلات تتقبل فكرة وجود بناتها على خشبة المسرح، مشيدة بجهود الرائدات وملمحة إلى إمكانية أن تتضافر الجهود لتشكيل صورة تليق بالمرأة في المسرح الإماراتي.

وتعد أيام الشارقة المسرحية البوابة التي دلفت منها معظم الأسماء المسرحية الجديدة في المسرح المحلي ومنها بدرية احمد وعائشة عبد الرحمن وهدى الخطيب وفاطمة الحوسني وأمل محمد وبدور وغيرهن من الفنانات اللواتي عكسن حضورا طيبا للفنانة الإماراتية، وفي النهاية يبدو أن المسرح ينتظر مكاسب إضافية في المواسم المقبلة لا سيما وأن الدراما التلفزيونية صارت تقبض على المواهب الجديدة دون المرور عبر بوابة المسرح كما كان يحدث في العادة.

دبي - جمال آدم