»مسرح الطفل له أهمية كبيرة في بناء شخصية الطفل، والارتقاء بسلوكه، والنهوض بفكره، والمشهد الحاضر للمسرح في دول الخليج لا يكفي للاستفادة من هذا الفن في سبيل الوصول إلى جيل واعد نتلمس على يديه مستقبلا مزهرا، فهل نمتلك مسرحا للطفل في العالم العربي، نستطيع من خلاله أن نغزو به العالم.

وهل يمكن أن نقول إننا نمتلك خشبة متطورة تمتلك جميع التقنيات الخاصة للطفل، ومتطورا لتواكب عصر العولمة والتكنولوجيا لنقدر أن نقدم عرضا يليق بمسرح الطفل؟«؛ بهذه التساؤلات، وتلك العبارات شخصت نرمين الحوطي، أول باحثة أكاديمية في مسرح الطفل بالكويت، حال مسرح الطفل في دول الخليج، وفي لقائها مع »الحواس الخمس« سلطت الضوء على أهم أسباب تراجع مسرح الطفل في الخليج وطرق النهوض به.

د. نرمين يوسف الحوطي، الذي صدر لها »سقوط المرأة في أدب نجيب محفوظ«، ونالت عليه الشرف بمقابلة عميد الأدب العربي الأستاذ نجيب محفوظ ليبارك صدوره، وكان ذلك 2005، لديها قصص أطفال تحمل عنوان »حكايات جدتي« مكونة من خمس قصص قصيرة للطفل وصدرت عام 2006. إضافة إلى أن المسرح كان زميلا مرافقا لها لمرحلتي الماجستير والدكتوراة، حيث نالت الماجستير عن بحث »آثار الغزو على المسرح الطفل عام 2002«، فيما نالت الدكتوراة عن بحث »المسرح وتوظيفه في الأعلام الكويتي« عام 5002.

عشق المسرح

تقول الحوطي حول أسباب تخصصها في مسرح وأدب الطفل، والذي جاء على وجه التحديد بتناول بحثها ل»آثار الغزو العراقي على مسرح الطفل«: بالنسبة لدولة الكويت أعتبر أول من قامت بالبحث الأكاديمي لمسرح الطفل، وسبب الاختيار عشقي فن الكتابة للطفل. كما أن مسرح الطفل أرض خصبة لم يجد من يلقى الضوء عليها؛ فأحببت أن أكون أولى من يسلط الضوء عليها من خلال أطروحتي »آثار الغزو على المسرح الطفل عام 2002« لنيلي بالبحث الماجستير.

توظيف التراث

وحول توظيف السير الشعبية في واقع مسرح الطفل وماذا يستفيد الطفل منها في ضوء واقع الزمن المعاصر، تقول الحوطي: التراث الشعبي مليء بالقصص والروايات والحكايات، ولكن الكاتب الجيد هو من يستطيع أن يوظف ذلك التراث لخيال الطفل بشكل واع ودقيق، وما يصلح لهذا الواقع وينتزع كل ما هو يضر الطفل من مبادئ خاطئة وعادات من المفترض عدم غرسها في الطفل العربي.

وللتوضيح الأكثر والتي كنت أنادي به من خلال أطروحتي في الماجستير لماذا لا يأخذ كتابنا تيمة أو الفكرة من التراث، ويقومون بإضافة الصبغة، وأقصد هنا عادات وتقاليد المجتمع الذي سوف يقدم العرض به.

فعندما نقوم بهذا سوف نقوم أولا بالحفاظ على تراثنا، وثانيا سوف نقدم للطفل العربي مفهوم التراث بصورة أجمل تحوي عاداتنا وتقاليدنا، كما أننا نجعله يتطلع على تراث أمته العربية بدلا من أننا للأسف نستمدها من موارد دول الغرب.

هروب وخيال

يلجأ كثير من كتاب المسرح إلى التراث، ويهربون من مواجهة الواقع المعاش، وتصويره بأمانة، وقد يلبسون القضايا المعاصرة ثوب الأسطورة ليعبروا بها بلسان الواقع أو قد يلجأون لقضايا الخيال العلمي والعواطف و الفلسفة، وعن أسباب ذلك تقول نرمين الحوطي:

القضية ليست هروبا من واقع معين، وإنما هي بمثابة تقديم رؤية من خلال الماضي لتذكير الجمهور وبخاصة الطفل بهذا الماضي الجميل حتى يستطيع أن يفهمه ويبتعد عن السلبيات فيه لمواجهة الواقع المعاش اليوم، ورؤية المستقبل لابد منها لكي لا يراوح الطفل في المكان.

فالتراث مهم في فن المسرح والمشكلة القائمة هي أن بعض المسرحيين دون تمهيد يعكسون التراث إلى درجة الإغراق أو يقدمونه مشوهاً أو يؤطرون أنفسهم في بوتقة التراث المغلقة، وينسون الحاضر والمستقبل، وفي هذا ضير طبعا. أما الخيال العلمي فنحن في حاجة ماسة إليه في أدب الأطفال وهي إحدى أدوات الكاتب المسرحي لكي يقدر على الاستلهام وإعطاء الفكرة المراد طرحها.

تأثير العولمة

أما كيف يستطيع كاتب مسرح الطفل أن يقوي جذور الانتماء الوطني و القومي للطفل أمام متغيرات الساعة والانفتاح الكبير وروح العصر وغزو العولمة، تقول الحوطي: لا ريب في أن المبدع يعاني آثار العولمة كما يعاني المتلقي، ولكن هذه المعاناة في رأيي لن تبرز إلا بطريقة واحدة وهي تسهيل جميع القيود، وإيجاد النواقص لمسرح الطفل العربي التي تواجه أي كاتب مسرحي للطفل من قبل الدولة ليقدر أن يقدم عملا يغزو العولمة ويقوي جذور الانتماء.

وإذا ما تحدثنا عن النواقص والقيود سوف نقوم بعمل مجلد، وليس تحقيقا صحافيا، فالمسؤولون يعلمون ما هي النواقص وما هي قيود الكاتب المسرحي للطفل وللكبار أيضا، وعلى سبيل المثال ولا الحصر هل نمتلك مسرحا للطفل في العالم العربي نستطيع أن نغزو به العالم الأول؟

وهل يمكن أن نقول إننا نمتلك خشبة متطورة تمتلك جميع التقنيات الخاصة للطفل ومتطورة لتواكب عصر العولمة والتكنولوجيا لنقدر أن نقدم عرضا يليق بمسرح الطفل؟.

تقييم شامل

وحول تقييمها لواقع مسرح الطفل في الخليج، فتقول: من الظلم أن ننظر إلى مسرح الطفل في دول مجلس التعاون الخليجي نظرة واحدة،أو أن يكون التقييم بنسبة واحدة، ولكن أوجز وأقول ان تلك الأعمال المسرحية محاولات بدائية وضعيفة جدا.

فنحن نمتلك من الثروات الضخمة ولا نمتلك مسرحية واحدة نفتخر بها. مع العلم أن الثروات في الماضي كانت أقل من الآن والمستوى التعليمي أيضا، إلا أننا وعلى الرغم من ذلك كنا نمتلك بالفعل مسرحا للطفل نتفاخر به بين الدول العربية.

آفاق مستقبلية

أما كيف تنظر إلى مسرح الطفل بين المنجز والطموح والآفاق المستقبلية، فتقول: إن مسرح الطفل، كما أكد الكثير من التربويين وعلماء النفس والدارسين والباحثين والمهتمين والمسرحيين، أهمية كبيرة في بناء شخصية الطفل والارتقاء بسلوكه والنهوض بفكره، وهو علاج للأطفال المرضى بالتأتأة وضعف الشخصية، والخوف وغير ذلك.

وأنا هنا أعترف أن المشهد الحاضر لا يكفي للاستفادة من هذا الفن في سبيل الوصول إلى جيل واعد نتلمس على يديه مستقبلا مزهرا. فمسرح الطفل في الوطن العربي بصفة عامة يعاني مشكلات عديدة، غير أننا لا ننكر أن هناك جهودا لترسيخ مسرح الطفل تختلف قوتها ونسبتها من قطر عربي إلى آخر، لكن هذه الجهود غير كافية، ولا تقدم النتائج المأمولة، لأنها لا تستند على التخطيط السديد والبرمجة الهادفة.

وإذا بقي الحال على ما هو عليه دون التفات المسؤولين إليه والاهتمام به سيؤدي إلى مستقبل مجهول لهذا الفن، وأنا هنا لا أقصد كثرة المهرجانات والاجتماعات والدورات والمؤتمرات المعنية بهذا المجال بقدر الحاجة الفعلية إلى مزيد من الاهتمام بحيث نضع الخطط لتطويره ودعمه تتمثل بتطوير المسرح المدرس وتنفيذ ورش لفن كتابة الطفل.

ووجود دور عرض خاصة بالأطفال، أو من الضروري تخصيص مسرح دولة خاص للطفل يشمل جميع مقتنيات وتقنيات العمل على مسرح الطفل، القيام بتكوين فرقة تكون خاصة للطفل ودعمها فنيا وماديا وتكون ممثلة بالدولة لتدريب الكتاب الجدد على الكتابة لمسرح الطفل والأخذ بيدهم لكي يشعروا بصدى إبداعهم وتدريب الممثلين وابتعاثهم لدورات ليأتوا بكل ما هو جديد لمسرح الطفل، ومنه سوف نرتقي بالطفل ومسرحه وكتابه من أجله.

دبي- ناهد مبارك