منذ إطلالتها الأولى عبر قناة أبوظبي قبل سنوات؛ استطاعت المذيعة الجزائرية فضيلة سويسي أن ترسم لنفسها خطاً وأسلوباً مغايراً عن معظم زميلاتها في المهنة، فما تختزنه من ثقافة جمعت بين تخصصها في الأدب الإنجليزي وحرفية عالية في الأسلوب الحواري و»كاريزما« تستحوذ على الكاميرا، كل ذلك أهلّها لتكون واحدة من أبرز وأشهر المذيعات العربيات في هذه الفترة.

وبعد انطلاق برنامجها المثير »مثير للجدل« على قناة أبوظبي الأولى الذي لاقى نجاحاً جماهيرياً واسعاً، اكتملت صورتها ورسالتها الإعلامية التي تطرح على طاولة البحث عشرات من المواضيع التي كانت ضمن »الثالوث المحرم« في الشرق إلى وقت قريب. ورغم ذلك فهي في برنامجها لا تطرح هذه المواضيع من باب الإثارة المجردة أو التناول السطحي، بل تتناولها بعمق وموضوعية وتقوم باستضافة شخصيات طالما أثّرت وأثرت المشهد الإنساني في العالم العربي . »الحواس الخمس« التقاها ، وكان هذا الحوار:تناقشين العديد من القضايا السياسية والفكرية في حواراتك، فهل توصلت إلى آراء ثابتة في بعض أو معظم تلك القضايا في ظل العالم المتغير الذي نعيشه، وهل تبلور لديك فكر من نوع معين؟

ومن منا استطاع أن يصل إلى حقيقة ثابتة؟! الحقيقة أن التغيير هو الثابت الوحيد في الحياة، نحن نعيش في عالم متغير ولا شك أن القضايا السياسية والفكرية التي أطرحها كثيرٌ منها ليس فيه رأي نهائي وتظل مفتوحة للنقاش وتثير الجدل، لاحظت أنه في عالمنا العربي قليلون جدا من لهم الجرأة على القول »أنا غيرت رأيي« حتى لو كانوا على خطأ.

و كأن تغيير الرأي سقطة أو عيب، صحيح قد يصبح عيبا إذا غير الإنسان رأيه كل يوم أو باستمرار، هناك من قال »إن من يرى العالم وهو في الخمسين كما كان يراه وهو في العشرين يكون قد ضيّع ثلاثين عاما من حياته«.

وبالتالي لم يتعلم شيئا وهذا دليل على أن العمر والتجارب يُفترض أن تصقل الإنسان وتغيره وهذا ينعكس على آرائه لأن حياة كل شخص تتغير بتغير فكره إن كان سلبيا أو إيجابيا، ويكفي أن أقتبس قولا للكاتبة الفرنسية سيمون دي بوفوار يلخص مأساة الإنسان مع حتمية التغيير حين قالت »بأننا إذا عشنا طويلا سنرى بأن كل انتصاراتنا تتحول إلى هزائم«، كم هو قاسٍ وحكيم في آنٍ واحد هذا الكلام، ولكنه من وجهة نظري يحمل في طياته صفة الترويض للذات الإنسانية.

صعود القمة

بعد الصعود نحو القمة الذي وصلته قناة أبوظبي خصوصا في حرب العراق 3002 وانتهاج القناة لسياسة جديدة اختفت معها العديد من البرامج الحوارية والسياسية الجادة، هل تعتبرين أنك محظوظة لموافقة القناة على ظهور »مثير للجدل« باعتباره البرنامج الجاد الوحيد ربما في خارطة القناة؟

صدقني هي ليست قضية حظ على الإطلاق وحتى لا أكرر نفس الإجابة في كل مرة، هناك مجهود بذلته في السنوات الماضية في عملي رُشحت بعده لهذا البرنامج، وأنا وفريق البرنامج مع إدارة قناة أبوظبي الأولى اجتهدنا في تقديم الأفضل من أجل أن يستمر لموسمه الثالث.

من يقترح الموضوعات المطروحة في »مثير للجدل« وإن كان فريق الإعداد، فهل تتدخلين في مسار الفقرات وأسماء الضيوف؟

عملية تحضير البرنامج تتم بشكل جماعي مع فريق البرنامج، نُجري اجتماعات دورية من أجل اختيار الموضوعات المثيرة للجدل، أقترح الكثير من العناوين والأسماء والمحاور، وأنا هنا أتحفظ على كلمة »تدخُل« لأنها تعطي انطباعا بأن المذيع أو المقدم هو شخص دخيل لا يؤخذ برأيه وهو ما لا ينطبق على وضعي، فأنا أتحمل مسؤولية تقديم برنامج يحظى بنسبة مشاهدة لا بأس بها في العالم العربي حسب ما تأتينا ردود الفعل.

وهذا يملي علي أن أحضره بشكل جيد لا مزاح فيه، صحيح أن كل فرد من الفريق له مهمة محددة هو مسؤولٌ عنها ولكن في الأخير المذيع هو من يوصل هذا المجهود للمشاهد بشكل جيد أو سيئ.

هل هناك قائمة ببعض المواضيع التي ستتناوليها في »مثير للجدل« في الأسابيع والأشهر المقبلة؟

صراحة لا أريد أن أحرق عناوين الحلقات المقبلة، فقط أشير إلى أنني وفريق البرنامج بدأنا في تحضير هذه الحلقات منذ شهرين تقريبا، خصصنا جلسات عمل مطولة لمناقشة المواضيع التي تستحق الطرح والمشاهدة مع مراعاة أن تشمل القضايا ذات البعد السياسي والسوسيولوجي والديني والثقافي.

لم يعد بالإمكان إبقاء المشاهد وفيا لك إذا قدمت له شيئا لا يستحق المشاهدة أو شيئاً لا يعنيه أو يخلو من المصداقية أو تم إعداده بشكل سطحي، خصوصا وأن البرامج الحوارية تملأ الفضائيات وتنافسها برامج أخرى ترفيهية تستقطب معظم المشاهدين.

اختلاف الرأي

ما أكثر ما لاحظتيه من خلال الحوارات التي تديرينها في برنامجك؟

أحيانا قد ألاحظ عدم تقبل الآخر، وعلى فكرة وجدت أن مقولة »الخلاف لا يفسد للود قضية« ليست دقيقة بشكل كاف، الخلاف كما ترى في كثير من الحوارات التلفزيونية التي تشاهدها على الفضائيات العربية يفسد أحيانا هذا الود، مع أن الإختلاف هو سنة الحياة .

ويجب ألا يتحول إلى خلاف، لو تَذَكّر كلُ متعصبٍ لرأيٍ أو لفكرة ما قاله أحد الفلاسفة قديما بأنه »لا ينبغي لأحد أن يموت أبدا دفاعا عن قناعاته، لأنه بكل بساطة قد يكون مخطئا« لأختلفت الأمور كثيرا، جميل أن يتحمس الإنسان لأرائه وأفكاره ومبادئه ولكن من وجهة نظري لا ينبغي أن يصل الأمر لدرجة التعصب.

من هي الشخصية التي تتوقين إلى استضافتها، من الأحياء والأموات إن أتيح لك العودة بالزمن؟

من الصعب أن أحدد لك اسما معينا، دعني أقول كل شخصية لديها ثراء فكري ومعرفي وذات تأثير، إن كانت شخصية سياسية أو أكاديمية أو دينية أو إعلامية أو شخصية عامة.

ثورة النت

هل تراهنين على ما تسميه ثورة النت في مستقبل كسر قيود الإعلام العربي؟

بالتأكيد النت ووسائل الاتصال لها فضل كبير في تطور المشهد الإعلامي العربي ولكنني أراهن على الوقت أيضا، انظر إلى عشر سنوات إلى الوراء وقارن مستوى الإعلام العربي اليوم بما كان عليه بالأمس، سترى إلى أي مدى تغير المشهد الإعلامي ولو بشكل متفاوت بين الدول، وأنا هنا أتحدث عن الجانب الإيجابي، فما كان مرفوضا الحديث عنه أصبح النقاش فيه مباح، أصبحت هناك مرونة أكثر في التعاطي مع فكرة الرأي والآراء الأخرى.

وحتما خلال عشر سنوات قادمة سنشهد المزيد من التطور، حرية الإعلام من وجهة نظري مرتبطة بحرية التعبير وحرية التعبير مرتبطة بحرية الفكر وحرية الفكر مرتبطة بحرية الاختيار، إنها سلسلة متصلة تعيدنا إلى المؤسسة الأولى التي ترعى الإنسان وهي الأسرة ثم المدرسة وحين يقال بأن الإنسان تُبنى ملامحُ شخصيته في السنوات الأولى من نشأته هذا ليس كلام للاستهلاك الإعلامي، إنها حقيقة علمية.

قلتِ بأنك لا تثقين بجهاز التسجيل وتودين أن تكوني مسؤولة عما يُنشر من خلال ما تكتبين، هل هذه يعني أنك قد تندفعين في الحوار الذي يجري تسجيله؟

أنا لا أندفع في أي حوار صحافي، لأنني تعودت أن أزن كلماتي، وهي ليست مسألة ثقة من عدمها في جهاز التسجيل ولكنني أرتاح أكثر بهذه الطريقة التي لا ضرر فيها لأحد.

أبوظبي ـ محمد الأنصاري