عظام وبقايا تخبر قصصاً ومعلومات أبعد من مجرد العمر والجنس، هذه العظام تحمل في طياتها حياة الشخص بأكملها، ويحتاج الناظر أن يغوص بخياله في أعماق الصور ليستنبط منها المعاني..كل هذا يأتي في معرض (الجانب المشرق من العظام) للفنانة الإماراتية الشابة ميسون آل صالح، حيث قدمت لوحات تكمن فكرتها الفريدة المبنية على تصوير مختلف أنحاء الحياة من خلال لوحات رسمت فيها عظام وجماجم بشرية.. وتصوير الحياة بواقع تسرد فيه مختلف القصص حول تاريخ الإمارات وأبرز المواقع والسكان، إضافة إلى تناول العديد من الأحداث والعادات تدور في حياتنا اليومية.

(الحواس الخمس) زار المعرض، والتقى آل صالح، التي أكدت في قولها : «اعتاد الناس عبر الأزمنة ربط صورة جمجمة الإنسان بالتسمم أو الخطر، ولكن من وجهة نظري يجب أن يكون هناك تقدير لمعنى الحياة بشكل أفضل».. كما كشفت آل صالح عن ماهية لوحاتها، وأزالت الستار عن أسرارها ضمن هذا الحوار :

بداية تقول الفنانة التشكيلية ميسون آل صالح: الله تعالى خلق الإنسان وميزه عن باقي الكائنات، وجعله يمتاز بالجمال والإحساس، ومحاولته الدائمة لإضافة روح الجمال على كل ما يحيط به.. ومن هنا كانت أهمية الفن التشكيلي؛ حيث أصبح يظهر في كل مقومات الحياة، وعلى كل ما يحيط بنا من أشياء، سواء كانت أواني نأكل فيها أو ثياباً نرتديها، وغيرها من الموجودات المحيطة بنا، فالفن التشكيلي لمسة الجمال على الواقع الذي نعيش فيه، وهو دليل على أهمية الفن التشكيلي.

ومن جانب آخر، توضح آل صالح بأن علاقتها بالريشة بدأت منذ صغرها، حيث تفننت في استخدامها بمهارة، خاصة عند مزجها بالألوان، لاسيما وأنها وجدت دعما وتشجيعا كبيرين من والدهـا الذي كان يحرص على تعليمها أساسيات الرسم والتلوين.

وبالممارسة المستمرة برعت آل صالح كثيرا في الرسم، بل تفننت في إنجاز لوحات نالت إعجاب الجميع، لاسيما المحيطين بهـا.. مؤكدة أن اللوحة عندها كائن حي يتنفس، ويكبر، ويتلون، ويمارس حياته مثل البشر. وهي سيلة لنقل المشاعر والرغبة في الحياة.. لأن هذه اللوحات تضوع منها شاعرية خاصة، قدمت نفسها بكل ثقة وتصميم وكأنها تقول: «الحياة والفن سر الإبداع».

مشاركاتها الفنية

شاركت ميسون آل صالح في معارض كثيرة، منها: معرض تعابير إماراتية في قصر الإمـارات، والذي سلط الضوء على أبرز أعمال الفنانين الإماراتيين المعاصرين، متضمنا نحو 561 عملا معاصراً لـ 46 فناناً إماراتيا تتنوع بين اللوحات الزيتية والرسوم والصور الضوئية والمنحوتات والمخطوطات وفن الخط العربي وأفلام الفيديو.

إلى جانب الأعمال التركيبية والطباعة.. إضافة إلى مشاركتها في معرض السيارات في أبوظــبي، وتضمنــت مشـــاركتها في الرسم على السيارة، ومشاركتها أيضا في معرض البستكية بدبــي.

الجانب المشرق من العظام

نظم مركز مرايا للفنون في القصباء بالشارقة المعرض الفردي الأول للفنانة آل صالح بعنوان (الجانب المشرق من العظام)، وفيه استطاعت آل صالح بريشتها أن تُحول الهياكل العظمية التي تبعث الخوف في النفوس، إلى نماذج إيجابية، وجعلت كل شخصية من هياكلها تنقل قصة واقعية تدور أحداثها في أيامنا هذه..

وهنا تقول ميسون: لوحاتي الممزوجة بالأبيض والأسود نسجتها قبل كل شيء بألوان الأكريليك.. والبعض انتقدني في بادئ الأمر على أني أبعث الرعب في النفوس، وأني شخصية كئيبة، لا أحب الحياة.. وهنا أؤكد عكس ما قيل تماما! لأن لوحاتي فيها مزيج من الإبداع، والتخفيف من حدة الهياكل العظمية بإخراجها بشكل مرح.

مضيفة: يصور معرضي الحياة بواقعها، حيث تسرد لوحاتي مختلف القصص حول تاريخ دولة الإمارات العربية المتحدة وإبراز المواقع والسكان. لقد اعتاد الناس عبر الأزمنة على ربط صورة جمجمة الإنسان بالتسمم أو الخطر، ولكن من وجهة نظري هناك أكثر من ذلك، حيث أؤمن بأن النـاس يجب أن يتعلموا ويعمقوا معرفتهم عن الموت، وبذلك يقدرون معنى الحياة بشكل أفضل.

ومن جانب آخر أيضا، تعيد ميسون آل صالح نبض الحياة من خلال ريشتها، وتصور من خلال شغفها بعملها ودراستها المعمقة ونظرتها العلمية الحياة الإنسانية والأحداث المختلفة التي تمر بها كالأمراض والحميات والمعتقدات الدينية والروابط الجينية وهيكلية المستويات، بالإضافة إلى العديد من المسائل التي نواجهها في حياتنا اليومية.

ومن خلال النظر إلى أعمالها نلاحظ أن العظام والبقايا تخبر قصصا ومعلومات أبعد من مجرد العمر والجنس، هذه العظام تحمل في طياتها حياة الشخص بأكملها، ويحتاج الناظر إلى أن يدخل بخياله في أعماق الصور ليستنبط منها المعاني، كما أن توزيع الألوان ولو بنســبة قليلة مقارنة بطغيان اللونين الأسود والأبيض يبعث الحياة في لوحات ميسون آل صالح.

ومن المتوقّع أن يجذب المعرض الذي يستمر شهراً كاملاً العديد من الزوّار ومحبّي الفن المعاصر من أنحاء الإمارات.وتتمنى آل صالح أن يشعر الفنانون الشباب في خطواتهم الأولى بأهمية العطاء الفني، وعدم الاهتمام بأشياء فرعية، وأيضا الصدق وعدم التقليد، والابتعاد عن التحدي الأعمى لأنه بداية الطريق إلى الفشل! كما يتحتم أيضا التحلي بالأسلوب المعبر لتدخل أعمالهم الفنية إلى القلب بسرعة كبيرة، وعدم تعجل النجاح، أو كما يقولون «سلق الموضوعات الفنية وإنهاؤها بسرعة»، لأن ذلك يؤثر سلبا فيهم، لأن الفن التشكيلي له لون معين ومساحة معينة، إذا أبدع فيها الفنان فسوف يكون النجاح حليفه.

الشارقة - جميلة إسماعيل