عمليات السرقة بكل أشكالها أمر مألوف منذ القدم، فأغلب أخبار صفحات الحوادث كانت تدور عن السرقات، سرقة محلات أو سطو على منازل أو عمليات نشل في الأتوبيسات أو الأماكن العامة.. ولكن أن تتحول أغلب صفحات الحوادث للتركيز على سرقة حقائب السيدات، فإن الأمر يفرض سؤالا ملحا عن الظاهرة وانتشارها في الدول العربية وبشكل خاص في مصر رغم أنها منتشرة بقوة في أوروبا وأميركا. »الحواس الخمس« تعرض لهذا التساؤل عبر السطور التالية.
تذكر الأخبار الواردة في الصحف المصرية، وبالتحديد خلال شهر سبتمبر 2010 أنه تم القبض على عدة تشكيلات عصابية، منها اثنان في منطقة العجوزة تخصصا في خطف حقائب السيدات عبر دراجات بخارية بدون لوحات معدنية و4 تشكيلات في محافظة الجيزة تم القبض عليهم ووجدت الشرطة 50 بلاغاً في مواجهتهم والمسروقات تقدر بـ 400 ألف جنيه جراء هذه السرقات. وفي منطقة مصر القديمة تم القبض على شابين 18 و19 سنة قاما بـ 8 وقائع خطف حقائب سيدات، كما قبض على شابين أيضاً اعترفا بأنهما وراء خطف 10 حقائب سيدات أثناء سيرهم بالطريق العام وحصيلتهما كانت أكثر من 12 ألف جنيه. ولايزال مسلسل السرقة مستمرا، ففي حي الشرابية بالقاهرة اعترف 3 من العاطلين بأنهم خطفوا عددا كبيرا من الحقائب بداخلها مبالغ كبيرة ومشغولات ذهبية والحصيلة أكثر من 30 ألف جنيه. وفي عيد الفطر المبارك الماضي تم ضبط 7 عاطلين تضمهم 4 تشكيلات عصابية تخصصوا في سرقة حقائب السيدات عن طريق دراجات بخارية وسيارات أو عن طريق المراوغة داخل المطاعم.
أساليب السرقة... الغريب أن أساليب سرقة حقائب السيدات شهدت أشكالا مختلفة، حيث كانت قد بدأت عن طريق المراوغة، كما كشفت كثير من البلاغات المسجلة في تلك الفترة بأن تترك السيدة حقيبتها بجوارها وهي واقفة داخل محل لتتفحص البضاعة أو هي جالسة في مطعم أو مقهى ليقف أحدهم في الجانب الآخر ليسألها عن عنوان أو عن أي شيء بينما يكون آخر يكون قد سحب الحقيبة وخرج بسرعة وفي هدوء. ومن الخداع إلى طريقة الدراجات التي يقودها شباب من صغار السن يفاجئون الضحية ويقومون بخطف حقيبتها والهرب بها ولكن اتضح حسب اعترافاتهم بأنه من السهولة اللحاق بهم أو تعطيلهم من الأمام في كثير من الأحيان وهم بالدراجة، ولذلك أصبحت الدراجات البخارية »الموتوسيكلات« هي الأنسب والأسرع والأقوى وهي الوسيلة الأكثر استعمالاً في سرقات حقائب السيدات.
خف وزنه وغلا ثمنه... وبينما يرجع بعض المهتمين والمتابعين لمثل هذه الأخبار عن سرقات حقائب السيدات أسباب انتشار هذا النوع من السرقات على أساس ما خف وزنه وغلا ثمنه، إلا أن فاطمة عبد السلام ردت بسؤال آخر: إذا لماذا سرقوا حقيبتي وأنا امرأة فقيرة؟ وأضافت: ملابسي وشكلي وحتى مستوى الحقيبة التي أحملها تؤكد تواضعي، ورغم ذلك دفعوني بعيداً بعد أن سرقوا حقيبتي وصرخت واستنجدت بالمارة ولكنهم كانوا قد غادروا المكان في لمح البصر... والحقيبة كانت بها 6 جنيهات وثلاثون قرشا أذكرها جيداً وورقة بها تليفونات لأصحاب عمل لأنني أبحث عن عمل في المنازل.
هذه السيدة لاتزال حزينة على ال6 جنيهات لأنها تمثل بالنسبة لها سنداً في ظروف الشدة حيث كانت لا تملك غيرها®. ولكنها أرادت أن ترد بأن هؤلاء اللصوص يعتقدون بأن أي حقيبة يمكن أن تجد بداخلها ما يسيل له اللعاب وحتى من الفقراء والشحاذين.
حادثة غريبة
ورغم أن البعض حالياً أصبح يستخدم السيارات في سرقة الحقائب وانتشار الظاهرة في مدن كثيرة في مصر إلا أن الدراجات البخارية هي التي شكلت الأكثرية. تقول سيدة تدعى راقية عبد المنعم: كنت أمشي على رصيف شارع عريض بحي مصر الجديدة بالقاهرة وفجأة وجدت نفسي على الأرض ويد تخرج من عربية وتمتد إلي حقيبة يدي بقوة وتنطلق بسرعة غريبة، والأغرب أن كثيرا من الناس كانوا بالقرب مني وعندما سألت إذا ما كانوا قد التقطوا رقم السيارة فوجدتهم جميعاً كانوا مركزين على مشاهدة الموقف وبعضهم هرول تجاهي ليطمئن على سلامتي وقمت بفتح بلاغ ووجدت في نفس اليوم 3 بلاغات مشابهة بنفس مواصفات السيارة التي لم ألتقط نمرتها ولكني أتذكر أن لونها رمادي.
أما سامية أحمد من منطقة الجيزة فقالت ان حادثتها أغرب وذلك عندما كانت تسير في السابعة مساء في أحد الأسواق وفوجئت باثنين يقودان دراجة بخارية بدآ بمعاكستها واقتربا منها ليصفعها أحدهما على وجهها والآخر خطف الحقيبة من يدها وفرا من أول شارع جانبي أمامهما وقالت: بالرغم من أنني صرخت إلا أن الناس لم تشعر إلا بصرختي وهرولوا يميناً ويساراً ولم يجدوا لهما أثرا.
ويقول علي عبد السيد - مهندس إنه كان برفقة زوجته وأوقفا سيارتهما في أحد أماكن الانتظار ودخلا إلى السوق لشراء بعض احتياجاتهم ليفاجآ بدراجة بخارية عليها اثنان لا تزيد أعمارهما على 16 عاماً خطفا حقيبة يد زوجته ولم يستطع اللحاق بهما وكان بها 0004 جنيه وعندما فتح بلاغا وجد أن الطفلين يواجهان 32 بلاغا بذات المواصفات.
دوافع اقتصادية
أستاذة علم الاجتماع الدكتورة داليا مؤمن علقت على هذه الحوادث بقولها إن البطالة وانهيار التعليم والخطاب الديني والنمو السكاني غير المدروس من الأسباب المهمة لهذا الذي يحدث. وأضافت إن الفقر وارتفاع مستوى الإنفاق جعلا نسبة الاحتياج كبيرة وقالت: هناك فهم خاطئ لهؤلاء بأن الأغنياء يجب أن يدفعوا بأي شكل ضريبة ذلك وهذا ولد لديهم إحساسا بالدونية ما ترتب عليه حقد وغل شديدان، وكذلك أشارت أن الشارع المصري أصبح يفتقد الانضباط وصارت هناك جرأة في التعامل مع الجريمة ولم يعد مرتكبها يخاف عواقب فعلته.
يقول أحد هؤلاء الشباب التائبين ويدعى »ع أ أ« انهم كانوا يميزون جيداً بين سيدة وأخرى ويخططون بدقة قبل عملية الخطف أولها: يتم النظر إلى هيئة الشخصية ومظهرها أو إذا ما كانت قد نزلت من سيارتها أو تسير بقدميها وأضاف: مثل هذه النماذج نجدها في الأحياء والأماكن الراقية والهادئة دائماً وإذا تعذر ذلك يمكن أن نخطف من أي مكان ولكن بعد التأكد من طريقة الهروب سريعاً واختيار شوارع بديلة للمخارجة من المكان.
واعترف أيضاً بأن الأماكن الراقية دائماً ما تجد فيها السيدات يحملن مبالغ كبيرة وجزءا كبيرا من مشغولاتهن الذهبية داخل حقائبهن، وأضاف: لكن الأهم لدينا أن تكون احداهن قد أوقفت سيارتها في الشارع وعندما تهبط تجدها قد أخذت حقيبتها بيد وتحاول إغلاق أبواب السيارة باليد الأخرى وهنا ننقض عليها بسرعة وقبل أن تنتبه نكون قد اختفينا من ساحة العملية وأغلب هذه الحقائب تكون مليئة بالأموال والمشغولات الذهبية وأحدث أجهزة المحمول.
وقال: إذا وجدنا ورقة مهمة وأدركنا أهميتها جيداً يمكن أن نلعب لعبة أخرى بواسطة شخص لم يكن معنا في العملية ويقوم هذا الشخص بالاتصال بالسيدة لتسليمها الحقيبة فارغة من الأموال ونترك الورقة فقط بحجة أن الذي سيقوم بتسليمها وجدها في الشارع وينال مكافأة جيدة لأن الورقة في الأصل لن تفيدنا إلا بهذه الحيلة.
مرض نفسي
علماء النفس لهم رأي أيضاً، حسب ما قال الخبير النفسي عبدالكريم قاسم ان السرقة مرض نفسي وهناك من لديه مرض السرقة وهؤلاء أغلبهم من الميسورين المقامرين وهناك بينهم من الفقراء والعاطلين الذين ضاق بهم الحال في إيجاد موارد دخل لهم وأضاف: أخطر ما في الأمر أن هؤلاء الذين يحترفون سرقة حقائب السيدات من صغار السن أي أنهم جيل المستقبل ولذلك لا بد من عمل مشترك من العديد من الجهات لإعادة هؤلاء الصغار إلى الحياة الأسرية والاجتماعية والحد من احتراف آخرين لهذه السلوكيات.



