لم يتحمل قلبه الهجوم الشرس الذي شنه أعضاء جماعة الإخوان المسلمين بعد عرض مسلسل «الجماعة » فالتهبت مرارته، وفشلت الأدوية في تسكين آلامها.. هذا كان لسان حال وحيد حامد مؤلف مسلسل «الجماعة» الذي أجرى جراحة عاجلة بألمانيا لإزالة المرارة.. وكان «الحواس الخمس» قد التقاه قبل أيام من سفره لإجراء العملية ودار الحوار التالي حول المسلسل وما أثير حوله من ردود فعل متباينة، كما تطرق لتفاصيل الجزء الثاني من العمل عبر السطور التالية.
سألناه في البداية عن تصريحاته الأخيرة بشأن مجاملته الجماعة في المسلسل.. وحقيقة تلك المجاملات في ظل الهجوم الشرس عليه في الصحف والإنترنت فقال: لم أشرع مطلقاً في الكتابة عن الجماعة، لكن الظروف هي التي وضعتني في هذا الموقف، خاصة بعد أن أثار العرض العسكري الذي أقيم بجامعة الأزهر حفيظة كل مصري، وكان ذلك عام 2006 .
وأقول لك أنني أغفلت بعض الجوانب الخفية للجماعة حتى لا أشوه تاريخهم وسخّرت قلمي لأوضح موقفهم بأنهم جماعة ذات تأثير سياسي، ولم أحرص على ذكر مساوئ حسن البنا كما ادعى البعض، لكني رسمت شخصيته بحيادية مطلقة؛ لأنني كنت متأكداً من أن تلك الحقائق ستهدم رمزاً من رموز مصر.. وفي الحقيقة لقد جاملت الإخوان في كثير من المواقف ولو كنت تغاضيت عن تلك المواقف فلن يثق في كتابتي المثقفون، ولما ظهر هذا العمل بهذا التوازن.
فضح الأسرار
لكن البعض قال إنك كتبت حقائق أملتها عليك الحكومة وبعض الأجهزة المصرية ولم تحصل عليها من المذكرات كما ادعيت؟
من قال ذلك فعليه أن يثبت ادعاءه.. فالحكومة المصرية لم تدفع جنيهاً واحداً في تكاليف ذلك العمل الضخم، ولم يتدخل أي مسؤول بالإضافة أو التعديل، وبدأ «الإخوان المسلمين» في الهجوم على المسلسل قبل الانتهاء من تصويره بالرغم من أنهم لا يعرفون مضمونه، لكنهم كانوا خائفين من فضح المسلسل أسرارهم والنوايا الحقيقية وراء تنظيمهم السري.. وكل ما كتبته مدون في كتب ومذكرات قديمة لأعضائها.
لكن بعض أعضاء الجماعة أكدوا أنك تحاملت على حسن البنا.
بالعكس أنا معجب بشخصية حسن البنا، ولم أجزم في جملة واحدة بتورطه في الأحداث الإرهابية التي راح ضحيتها الأبرياء ولم أجزم أيضًا ببراءته، لكني كنت أجعله دائماً وسطياً وغيوراً على الدين الإسلامي وهدفه الإصلاح، لذلك لا بد أن يعرف الجميع أننا كبشر من الممكن أن نخطئ.
وهل تعتقد أن المشاهد خرج من المسلسل محباً أم كارهاً لحسن البنا؟
محباً له بكل تأكيد، حيث كان الجميع يجهل تفاصيل حياته، أما الآن فقد أصبح كل بيت مصري يعرف من هو حسن البنا، ويعرف الكثير عن تاريخه؛ فالبنا بدأ تأسيس الجماعة بمناصرة الدين وإصلاحه ثم انخرط بالصدفة في السياسة وتحولت الجماعة بفعل أعضائها إلى وحش شرس لا يعرف الرحمة، حتى أصبح من الصعب على حسن البنا مرشدها ومؤسسها السيطرة عليها، وهذا ما قاله في المشهد الأخير «أنا مرشد مخلوع يا ليتني اكتفيت بـ 001 شاب كما بدأت».
الجميع يعلم أن الجناح العسكري خرج عن طوع حسن البنا، لكنك ذكرت أنه كان يعلم به فلماذا التناقض في سرد الأحداث؟
هل يعقل أن يتم إنشاء جناح عسكري وتمويله وتجهيزه بالأسلحة وعقد التدريبات المكثفة لأعضائه دون أن يعلم قائد الجماعة بذلك؟! لكن الحقيقة التي يتجاهلها البعض أن البنا يعد القائد الأعلى للتنظيم وكان على علم أيضاً ببعض قوائم الاغتيالات التي وقعت في ذلك الوقت.
أخطاء وسقطات
لكن بعض المؤرخين أكدوا أن المسلسل به بعض الأخطاء التاريخية؟
إذا كان به بعض الأخطاء فهذه ليست ناتجة عن سوء نية، لكنني أؤكد أن العمل كان يحتاج إلى سنوات طويلة من الكتابة حتى يسرد حكاية كل فرد من أفراد التنظيم السري، وفي النهاية سوف يقولون هناك أخطاء وسقطات.. وأنا أرى أنني قدمت العديد من الحقائق المزعجة للإخوان، ولن يستطيع أي كاتب أن يرضي الإخوان إذا قام بتأليف حلقة واحدة تتعرض لواقعهم الذي يرفضون إظهاره للعيان.
وما رأيك في نفي أعضاء الجماعة علاقة حسن البنا بالملك فاروق؟
الإخوان أنفسهم اختلفوا في تلك الرواية، لكن بعد مراجعتي لذلك في عدد هائل من المراجع تأكدت وأنا مسؤول عن ذلك مسؤولية كاملة أن حسن البنا أراد أن يعرض على الملك خدماته، والدليل على ذلك المظاهرات التي خرجت لمؤازرة الملك ضد النحاس باشا، فقد تغاضوا عن كل الأفعال التي كان يقوم بها الملك وأمه، وادعوا في الوقت نفسه أن غرضهم الإصلاح حتى تحولوا إلى أداة في يد الملك يحركها كيف يشاء.
وهل تعتقد أن الحكومة مخطئة وهي ترفض الاعتراف بـ «الإخوان المسلمين »؟
بالعكس الحكومة واعية، لأنها نظرت إلى ما حدث للملك فاروق الذي استنجد بهم في وقت شابه الضعف والوهن، وأصبح على مشارف الانقلاب عليه والنفي أيضاً.. كما أن مصر لا يصح أن تقبل بالحكم على أساس ديني لوجود ديانات أخرى، فهذا الحكم إذا اختلفت معه يتم اتهامك بأنك تخالف الدين، كما يحدث حالياً في تركيا وإيران، ونحن دولة متعددة الأحزاب، ولا يصح أن نقبل الحكم الديني.
وهل من الممكن أن يأتي يوم وتنضم إلى جماعة الإخوان المسلمين؟
ليس عيباً أن أنضم إلى تلك الجماعة إذا وجدت أن لهم مواقف حقيقية ثابتة ويعملون في النور ويتخلون عن الجلسات السرية والمخططات التي يمكن أن تطيح بمستقبل الدولة لعدم الإفصاح عن هويتهم.. وأعتقد أنه كان من الممكن أن أنضم إلى هذه الجماعة في الماضي لأنهم كانوا أصحاب هدف ورؤية في البداية.. وحالياً أصبحوا أكثر مكراً ودهاءً.
أحداث الجزء الثاني
وهل تعتقد أن الأحداث السياسية التي صاحبت ظهور الجماعة كانت سببا في ضرورة إنشائها؟
لا أستطيع الجزم بذلك، لكن الحقيقة أنهم شاركوا في صد هجوم الإنجليز واستطاعوا ترسيخ بعض القيم ولو كان هدفهم الدين فقط والدعوة إلى الله لكان الحال قد تغير كثيراً، لكن للأسف اتجاههم للسياسة أفسد كل شيء، حيث اهتموا بالسياسة والاقتصاد حتى تحولت الجماعة من مؤسسة دينية إلى مؤسسة اقتصادية، وأصبح لدى مؤسسهم المال والسياسة والسلطة، وإذا أمسك أي شخص بزمام الأمور الثلاثة يصبح من حقه أن يؤمر فيطاع، وهذا ما حدث مع حسن البنا.
وهل وصلتك رسائل إشادة من الحكومة على نجاح المسلسل؟
بعض أفراد من الحكومة وليست الحكومة ممثلة في أحمد نظيف رئيس مجلس الوزراء، فقد أشاد أنس الفقي بالمسلسل، باعتباره وزيراً للإعلام، بالإضافة إلى عدد هائل من المشاهدين المثقفين سواء في مصر أو في الوطن العربي، حيث لم تنقطع الاتصالات على مدى 02 يوماً قبل نهاية المسلسل وحتى الوقت الحالي وجميعها يطالبني بالبدء في الجزء الثاني.
وهل ستبدأ في الجزء الثاني مباشرة؟
لن أبدأ في كتابة الجزء الثاني إلا بعد قراءة واعية للتاريخ، لأن هذا الجزء مهم جداً، خاصة أنه يشترك فيه أعضاء الجماعة الموجودون على قيد الحياة.
وماذا عن مسلسل «العبّارة»؟
حصلت على موافقة الرقابة مؤخراً عليه، وأبحث عن شركة تقوم بإنتاجه؛ لأنه عمل فني ضخم يحتاج إلى مبالغ طائلة حتى يخرج بالمستوى اللائق.
وهل تتعرض في المسلسل للمسؤولين الحاليين؟
نعم تعرضت لكل شخصية تسببت في غرق العبّارة السلام 98؛ لأنني لا أريد نقل خبر مبتور لثقة المشاهد في كتاباتي.. كما أننا عاصرنا جميعاً الأحداث التي أحاطت بالعبّارة والغرقى، وسوف يحمّل المسلسل المسؤولية لعدة جهات خفية اشتركت في اغتيال هؤلاء الضحايا بسبب إهمالها.
القاهرة - دار الإعلام العربية
