يتفق الجميع على أن التقاعد مرحلة ليست طبيعية، ومفتوحة على النهايات، ومرحلة إشهار ببلوغ الستين عاما بالتمام والكمال، لكن الدخول في التقاعد لا يعني عدم القدرة على العطاء، فالكثير من المتقاعدين مفعمون بالحيوية والنشاط ولا يزالون بكامل صحتهم، ويمتلكون من المعارف والخبرات ما لا يمتلكه غيرهم. كما تعتبر مرحلة التقاعد فرصة جديدة لممارسة الهوايات القديمة التي أهملت بسبب الضغوط المهنية، لتتحول بعض تلك الهوايات إلى وسائل لقتل الفراغ، وتسهم في الوقت نفسه إلى توطيد عرى التواصل مع أفراد الأسرة، وتكوين علاقات اجتماعية جديدة، وتصبح أيضا حرفة ومصدر رزق تدر على المتقاعد مردودا اقتصاديا. «الحواس الخمس» طرح هذا الموضوع الذي لاقى تفاعلا كبيرا، نستعرضه ضمن السطور التالية:

الحمادي: تقاعد أثمر مشاريع جيدة

استثمر حامد عبد القادر الحمادي جزءاً من مستحقاته كاستثمار في مشروع ورشة نجارة، وأخرى كهرباء كشريك مع صديق مقرب يعمل في المجال نفسه سابقا. ولم يكتف بالشراكة المادية، بل كان يقضي معظم وقته في العمل في الورشة لأنه يحب هذه النوعية من الحرف، وكان من الأشخاص الاجتماعيين المحبين للناس وخدمتهم، مما زاد من حركة العمل في الورشة واستفاد الشركاء منه كثيراً فاستغل صداقاته في العمل كدعاية أثمرت بالدخل الجيد على الجميع مما عزز من معنوياته. وبذلك يشعر الحمادي بأنه قد تخطى مرحلة التقاعد بعمل جديد أصلاً كان هواية يزاولها، ولعله أفضل من عمل المكاتب والذي أبرز الترهل مقارنة باللياقة الجسدية التي يحظى بها الآن. وفي هذا الإطار يؤكد الحمادي: الوطن في حاجة لعقولنا، فطريقنا في هذه الحياة كان طويلاً جداً ما بين العمل والكفاح والإبداع والإخلاص. فيجب الحرص على التواصل مع المتقاعدين، واستثمار خبراتهم، وتفعيلها في هذه الحياة، وألا تكون في عالم النسيان، ونأمل كثيراً النظر في نظام التقاعد بما يرغب هذه العقول البشرية من حب العمل ومواصلة العمل في كل الميادين التربوية والعلمية والعملية، حتى لا يكون همها التطلع إلى التقاعد المبكر، فتذهب هذه الجهود مبكرة.

السويدي: رؤية بصورة مختلفة

لا يُشكل التقاعد هاجسا لدى سعيد السويدي، موظف، موضحا أنها ستكون حياة جديدة ينعشها بمشروع تجاري، والتركيز على الهوايات والاهتمامات، وتوطيد العلاقات الاجتماعية. ومن جانب آخر يقول السويدي: إن ما حقّقه المتقاعدون يؤكد مدى تشبثهم بالحياة، ورؤيتهم لها بصورة جميلة وأخاذة، ما دفع بهم إلى الفوز بأعمال جديدة ومتفرّدة، تُثري يومهم وتُغنيه، قوامها المتعة، وقضاء وقت، وكسب حلال.

آل علي: حريص على التجديد

«لم أُسلم نفسي لحياة التقاعد، بل مارست هواياتي المفضلة، كصيد السمك، فعندما أجلب السمك لهم يفرحون. كما أعددت برنامجا يسعدني ويسعد عائلتي في الوقت نفسه» هذا ما أشار إليه المتقاعد عبيد محمد آل علي، مؤكدا أيضا حرصه الكبير في التجديد من برنامجه اليومي، الأمر الذي يوطد حتما علاقته بجميع أفراد أسرته. وهنا أيضا أوضحت زوجته (أم سعيد) في قولهـا: إن تقاعد زوجي كان بداية لحياة جميلة ربطت بيننا، حيث قمنا معا بممارسة هوايات مشتركة كالسفر و القيام برحلات مختلفة جددت حياتنا ولم نترك للروتين مكانا، فالتخطيط الجيد يساعد في جعل وتيرة الحياة تسير بطريقة ممتعة.

الشامسي: تفرغ للصيد والشعر

عبدالله الشامسي، مدير النادي البحري في الشارقة، يقول: بعد تقاعدي سعيت جاهدا إلى ألا أُكمل حياتي بشكل جامد، حيث نوعتُ اهتماماتي، مضيفا: أحرص على ممارسة هواية الصيد في فصل الشتــــاء، حيث أحمل عدة الصيد؛ من سنارة أو شبك صغير، وأطعمة، وسلّة أو كيس لأضع فيها صيدي، و كثيرا ما أذهب للصيد مع أصدقائي، فنرمي خيوطنا ونحن نتأمل البحر طالبين ودّه وكرمه بما يجود علينــا، مردفـا: إن هواية صيد السمك لا تحتاج إلى تكاليف مالية باهظة، فهي هواية بسيطة وغير مكلفة في الوقت نفسه. بالمقابل فإن الهواية تتطلب صبراً وبالاً طويلين، ومن هنا فإنّها تعدّ وصفة ممتازة تعلّم الصبر لمن يفتقده، مؤكداً أهمية المهارة في رمي الطعم، حيث يصل إلى أبعد نقطة ممكنة من البحر، مُنوها وبشدة على ارتفاع أسعار البنزين التي أثرت قليلا في بعض رحلات الصيد. وفي الوقت ذاته يعتبر الشامسي شاعرا متميزا يتفنن في كتابة الشعر النبطي، ويراه التعبير الصادق لما يختلج في النفوس من مشاعر وأحاسيس وعبر وأمثال، فهو يكتب القصائد التي تتغنى بحب الوطن، وأخرى تمجد أصالة تراثه، منعشة أريج ذكرياته القديمة. كما يكتب قصائد أخرى في العتاب وغيره. ويشارك الشامسي في كثير من المنــاسبات التي تجلت فيها موهبته الشعرية الجميلة كأيام الشارقة التراثية، ومشاركته أيضا في البرامج الشعرية التي بثتها إذاعة أبوظبي.

المازم: أنشطة مختلفة

أمـــا عيسى المازم، متقاعد من جهة حكومية بدبي، فيشير إلى أن المتقاعد يستطيع الخروج من عزلة التقاعد بممارسة الكثير من الهوايات والأنشطة الرياضية والاجتماعية وغيرها. فأنا مثلا عملت مع أكثر من صحيفة محلية كمترجم أخبار وتقارير. كما التحقت بصالة رياضية لممارسة بعض التمارين والألعاب الرياضية والالتقاء بالأصدقـاء.

نهلة عبيد: أنعشت هوايتها في فترة التقاعد

نهلة عبيد، معلمة متقاعدة، استثمرت مهنتها كمشرفة في إحدى الجمعيات النسائية التي تعلم الخياطة والأعمال الفنية، فأحضرت كل المواد المطلوبة لتنفيذ هوايتها التي تحولت إلى مشروع كبير، وقامت بعمل جميع مستلزمات غرف النوم ومفارش السفرة وأغلفة الهدايا وأطقم الستائر وتغليف التحف وتطريز المفارش والصناديق المختلفة. وحققت ثروة بفضل الله، وبسبب ثقة زبوناتها بعملها الرائع. وهنا تشير إلى أن استثمار المهنة والتعامل معها كهواية ومصدر رزق جعلني احترف العمل بشغف فاق احترافي الوظيفي السابق، وهو ذكاء اقتصادي تتطلبه الحياة مع مراعاة الضمير في الكسب والربح بجانب شغل وقت الفراغ الذي قد يحدث بعد التقاعد والذي أرى آثاره السلبية على بعض صديقاتي المتقاعدات واللواتي تفرغن بداية للنوم ثم الكسل، وما يخلقه من رتابة واكتئاب، بينما وجدت ذاتي مرة أخرى، وتعرفت إلى أناس لم أكن لأعرفهم في مجالي الوظيفي السابق.

السري: تقاعدت طبياً

فاطمة السري عملت في جمعية النهضة النسائية بدبي، وتقاعدت قبل ثلاثة أعوام «تقاعد مبكر لسبب طبي»، موضحة أنها رتبت حياتها التقاعدية بشكل كبير، فعائلتها تحتل النصيب الأكبر من اهتمامهـا، إلى جانب مطالعتها الصحف، وحرصها على علاقتها بالكتابة الصحفية لبعض المطبوعات الصحفية، وتواصلها الدائم مع قرائهـا، ومشاركتها أيضا في الأعمال التطوعية خاصة مع مؤسسة المرأة العربية.

دبي- جميلة إسمــــاعيل