الحديث عن العلاقة الوطيدة التي ربطت المسرح بالتراث الإماراتي عمرها أربعون عاما على وجه التقريب، وتعود الى ما قبل سبعينات القرن الماضي بقليل ، وهذا ما يدعو الباحثين والمهتمين بالشأن المسرحي إلى الدخول في بدايات المسرح الإماراتي، وهي بلا شك بدايات صعبة، وشأن الإمارات في هذا شأن معظم دول الخليج العربي التي عرفت المسرح في وقت متأخر من علاقتها مع الفن عموما والتي جاءت فعليا عقب اكتشاف النفط .

وقد عرفت دول الخليج التي تتشابه بنمط حياتها وبداياتها بمجتمعات محافظة قبل النفط وبعده، بل ربما استفادت دول الخليج من دخول النفط في العملية الاقتصادية كي تحسن من المستوى الحياتي للمواطنين، ومن ثم حدثت بعض الانفراجات، وصارت هناك حركة لمجتمع فيه مواصفات مجتمعات حضارية مدنية كولادة المسرح ودور السينما والجمعيات الفنية وغيرها، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الشعر كان مستمرا في تحقيق لقاءات احتفالية ذات ملامح بدوية.

وبطبيعة الحال في هذه اللقاءات الشعرية من الدراما ما يجعلها لقاءات عفوية تراثية أولى ذات ملامح مسرحية تراثية بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، كون الشعر الذي كان يقال في تلك اللقاءات »نبطيا«.وهو شعر تراثي محكي في المجتمعات الخليجية.

وبعض المجتمعات العربية أيضا ؛ أي ينتمي إلى البيئة التراثية التي عرفتها الإمارات، وحتى الآن في المناسبات الشعرية التي لا تزال تعرف كتقليد في المجتمعات الخليجية وتثير الكثير من القضايا ذات الصلة بقصص الحب والموت والحياة والحرب، وما إلى ذلك، ما يجعل هذه الجلسات طقسا مسرحيا تراثيا في المشهد الثقافي الخليجي.

عروض سطحية وغياب العمل الاحترافي

تغيرت الكثير من الملامح مع ولادة دولة الاتحاد مطلع سبعينات القرن الماضي، فقد حدث تحول جذري بالبنية الاجتماعية في الإمارات أفضى إلى تعميق دور المسرح الذي بدأت إسهاماته في وقت مبكر ، ربما في منتصف خمسينات القرن الماضي، ولكن دخول دماء جديدة وقيام المرأة بالدخول في هذه اللعبة الفنية الدرامية أفضى إلى وجود تنوع درامي في العملية المسرحية الإماراتية، فيما نلفت هنا أن المرأة الإماراتية لم يكن متاحا لها أن تمثل على خشبة المسرح.

وكان يقوم بأدوارها رجال عرف منهم سعيد النعيمي وسلطان الشاعر، وقد أشارت دراسات إعلامية غير مختصة إلى أن دخول المرأة في الحقل المسرحي انفتاح واسع للبنية الاجتماعية التي أفرزت عدداً من الفنانين الشباب والذين أصبح بعضهم الآن من المؤسسين، وكما سبق وأشرنا في البداية أن الحديث عن علاقة التراث بالمسرح في الإمارات سيؤدي إلى الدخول في تفاصيل كثيرة.

وهنا نلفت الى أن الحركة المسرحية الإماراتية ولدت دون وجود كتاب اختصاصيين، وكانت معظم الكتابات الإبداعية تقوم على محاكاة قضايا تراثية، وكان ثمة مجال من قبل المجموعة التمثيلية الاجتهاد فيها والدخول في تفاصيلها لما يمكن أن نسميه الارتجال بالشكل العام له.

المبادرات في المشهد المسرحي كانت قائمة، وسياسة دولة الاتحاد إيلاء المسرح والفن جانبا من الحياة كانت أمرا واقعا، وثمة الكثير من الشهادات التي كانت تدل على تدخل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان »طيب الله ثراه« في تبيان حال النصوص التي كانت تقدم وكان ينبه لبعض المصطلحات والقضايا التراثية في المسلسلات والأعمال المسرحية التي نفذت بحب في مرحلة السبعينات، وأشار الرائد المسرحي سلطان الشاعر الذي توفي قبل عامين في أحد حواراته النادرة الى أن التراث دخل المسرح الإماراتي من بابه العريض بل تحول المسرح إلى حامل ذهبي للتراث بعد ان صارت هناك شراكة مصيرية بين المسرح والتراث بشكل كامل .

وهذا بسبب رغبة الجمهور مشاهدة حكايات ذات رائحة من التاريخ القريب التي يحب سماعها، ولعدم وجود كتاب محترفين بالمسرح العالمي والعربي، وبالتالي فإن الحركة التي جمعت الرائد المسرحي سلطان الشاعر ومحمد الجناحي وظاعن جمعة وموزة المزروعي وسعيد النعيمي وأحمد منقوش وغيرهم من الأسماء الأخرى ارتبطت بحركة عفوية لفنانين يحبون تقديم رؤيا فنية تراثية غير ممنهجة بشكل واضح، فيها كوميديا وفيها أنماط اجتماعية تقليدية، وفيها غير ذلك حكاية ذات أبعاد معروفة من قبل الجميع، والتي غالبا ما تنتمي لقصص البحر والغوص والبحث عن اللؤلؤ والأساطير التي ولدت في تلك المرحلة .

بالنهاية كان الجمهور هو المعيار في نجاح العمل من غير نجاحه، ومن هنا انطلقت المادة التراثية او ذات الصلة بالموروث الشعبي لتؤسس لفرجة مسرحية في السبعينات من القرن الماضي، ولتستمر حتى فترة متقدمة من الحياة المسرحية الإماراتية، والمشكلة التي واجهت المسرح الإماراتي أن هذا الارتباط مع التراث قد صار عبئا على تطور المسرح الإماراتي كما يشار إلى هذا عادة، إذ إن العروض التي تشذ عن النمط التراثي صار ينظر لها على أنها تشذ عن العرف الفني الاجتماعي.

ولعل استقدام الإمارات لفنانين عرب في فترات متلاحقة وتطوير البنية المسرحية والفنية في الإمارات أسهما بشكل أو بآخر في إدخال بعض المظاهر العربية والعالمية للمسرح، ولكن هذا الإدخال لم يعمر طويلا أمام مد الجانب التراثي الذي اختص به المسرح، ولعل بعض المحترفين الذين خرجوا من الإمارات ودرسوا المسرح في الكويت والقاهرة وعادوا إلى الإمارات بأحلام مسرحية تشجيعية سرعان ما ووجهوا بانتقادات واسعة بناء على تقديمهم عروضا مسرحية تنتمي للمسرح العالمي.

وكما قلنا قبل قليل ثمة من يشير إلى أن التراث كان عبئا على المسرح الإماراتي في مرحلة من المراحل، ولا يزال هذا الكلام حاضرا بشكل أو آخر، الأمر الذي ينفيه المخرج الفنان ناجي الحاي والذي يؤكد أن التراث لم يكن أبدا عبئا على المسرح.

وربما بعض الأعمال المشغولة على عجل قد أسهمت في تأكيد أن ثمة خللا في التعاطي مسرحيا مع التراث ، لافتا إلى أن أغلبية الأعمال الحالية التي تنهل من الموروث الشعبي وليس من التراث تتهم بسطحيتها وضعف معالجتها إلى حد كبير، ما أسهم في تبني البعض لهذه الآراء السلبية.

حيث أصبح النوخذة على سبيل المثال الشخصية النمطية الموجودة في معظم الأعمال بوجهها المعتاد، في حين لا توجد معالجة واضحة لموضوعات النوخذة التي كانت موجودة في الموروث الشعبي الخليجي عموما.

وأشار الحاي الى ان العمل المشغول عن التراث هو عمل يحتاج إلى بحث جذاب وإلى اجتهاد إخراجي خاص ووقت لإنجازه، وكل هذا غير متوافر الآن على الأقل في معظم ما يقدم تحت مسمى المسرح التراثي أو المسرح المأخوذ من الموروث الشعبي، منبها الى أن المسرح المنضوي تحت مسمى التراث او الموروث يحتاج في حقيقته إلى عناية كاملة بكل أدواته، بما فيها الموسيقى، مستعرضا من تجربته الشخصية مع المسرح انه كان يتدخل في اختيار الموسيقار وبناء »ريتم« موسيقي له علاقة بجوهر الموضوع المعالج كما حدث في »مجاريح وبقايا جروح«.

والجدير ذكره أن ناجي الحاي معروف أنه من أكثر المخرجين المسرحين تقديما لهذا النوع من المسرح، محققا حضورا طيبا في الأعمال التي قدمها مثل مسرحيات »غصيت بيك يا ماي ومجاريح وحبة رمل وما كان لأحمد بنت سليمان وبقايا جروح « وغيرها.

في حين ينفي المخرج حسن رجب أن يكون هناك عمل تراثي واحد في الإمارات، مضيفا إليها الأعمال التي يقدمها أو التي قدمها في السابق، مشيرا الى أنها أعمال تبحث في الموروث الشعبي، وهذا أفضلها حالا، والبقية عبارة عن تكرار أو استعارة للأجواء.

وليس هناك دخول مباشر بالحالة الدرامية، ما أدى إلى إرباك وضعف بتناول هذا النوع من المسرح الذي يحتاج إلى وقت طويل وإلى دراسة لتفاصيل البيئة التي يجري بها البحث فيها، وإلى جهود وإنتاج سخي لتقديم اقتراحات فنية تكون متطورة وموثقة للبيئة الإماراتية، وهذا حسب رأيه يصيب كل الأعمال الخليجية وليس الإماراتية فقط.

ويرى المخرج إبراهيم سالم أن التوجه صوب الأعمال المسماة اصطلاحيا »التراثية« ولكنها الأقرب إلى الموروث الشعبي، في المشهد المسرحي الإماراتي كان بسبب الخوف الوقوع في مطب المباشرة لدى الدخول في الأعمال الواقعية، وهذا ما شجع على العمل في مناطق متفرقة متشعبة في حقل المسرح الشعبي من قبل مختلف الأجيال التي عملت في المسرح، ومن جهة ثانية ارتباط حركة الشعر بالمسرح ساهم في إنعاش تقديم مسرح شعبي، لا سيما الشعر النبطي، وهذا أزكى هذا النوع من المسرح.

ولكن ينبغي أن يكون هناك حرفية في الكتابة لهذا النوع من المسرح الذي يعاني من شبه غياب النصوص فيه. ويبدو أن الحل هو إيجاد توازن بين ما يقدم من عروض مسرحية، إيجاد تنوع لأن الموروث طغى على مواضيع المسرح وصار يقدم بطرق غير ناضجة.

الفنان ظاعن جمعة يعتقد في حديثه مع »الحواس الخمس« بأن الظروف التي تبدلت والقناع الذي لبسه المسرح هذه الأيام قد غيّب من الأعمال التراثية التي كانت تحظى بفرص متابعة أهم وأشمل أيام زمان، وكانت تؤدى بروح عالية من المسؤولية، نافيا أي اجتهاد عن أعمال هذا اليوم التي لم يعد يرى فيها ما هو جديد ولا هي تمسكت بثوابت ما قدمه الرواد فعكف عن مشاهدتها.

ولعلنا أمام رؤية اتفق عليها ضيوف هذه السطور في أننا نجد هناك هدفا لم يتم تحقيقه، وان رؤيا غير مكتملة يعوزها دعم مادي ومعنوي في آن معا، وقارئ اختصاصي للتراث الإماراتي الذي يحتاج إلى عمل درامي كهذا يحقق من خلاله توثيقا لمرحلة وتقديرا للزمن الماضي الذي لا يزال عصيا على المسرح كما هو عصي على التلفزيون أيضا.

دبي - جمال آدم